LOGINكانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"
ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله." تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! " ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور." أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات." نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي. جلست حماتي والخالة أم محمد خارجاً على مقاعد الانتظار الباردة تنتظران انتهاء العملية. وبعد ساعات طويلة مرت كأنها دهور، خرج الطبيب بابتسامة هادئة وطمأنهما على حالتي الصحية، وأخبرهما أنني سأظل هذه الليلة تحت الملاحظة الطبية بالمشفى، وغداً في الصباح يمكنهم زيارتي ونقلي. في صباح اليوم الموالي، حضرت لزيارتي حماتي ومعها ابنتها سعاد والخالة أم محمد. دخلن الغرفة بخطوات متباينة، فبادرت الخالة أم محمد والشفقة تملأ عينيها، واقتربت مني بكثير من الحنان، ثم قبلت جبيني بكل دفء وقالت: "الحمد لله على سلامتك يا عزيزتي، كيف حالك اليوم؟ هل تشعرين بأي تحسن؟" ابتسمت لها برقة برغم الشحوب الذي يكسو وجهي وقلت: "نعم يا خالتي، اليوم أفضل بكثير الحمد لله، رغم أن يدي تؤلمني قليلاً من تأثير المحاليل، لكن لا بأس... المهم أن طفلتي بخير وعافية." وما إن نطقت بتلك الكلمة البسيطة — "طفلتي" — حتى كهرب الجو في الغرفة، وكأنني نطقت بشتيمة نكراء أو ذنب عظيم! رمقتني حماتي بنظرة حارقة يملؤها الحقد والغضب الدفين، ناهيك عن أنها وابنتها لم تكلفا نفسيهما حتى مجرد إلقاء التحية أو الاطمئنان على صحتي. قاطعت الخالة أم محمد هذا التوتر وحبل أفكاري المعتم قائلة بحنو: "هيا يا ابنتي، دعيني أساعدكِ كي تعتدلي في جلستكِ وتتناولي شيئاً من الطعام، فلابد أنكِ جائعة ومجهدة." ساعدتني برفق حتى اعتدلت، ووضعت وسادة ناعمة خلف ظهري لتدعمني، ثم وضعت أمامي طبقاً يفوح منه الدفء يحتوي على الكفتة والأرز، وآخر فيه حساء ساخن وكوب من الحليب. بدأت أتناول طعامي ببطء ولذة، وبينما أنا كذلك، قفزت حركة مفاجئة في أحشائي جعلتني أتنفس بسرعة وأتأوه بصوت خافت من المفاجأة والألم؛ فقد أحسست بركلات طفلتي الصغيرة تدب في بطني. ابتسمت بغير شعور، ووضعت يدي على بطني بكل حب وحنان، وخاطبتها بقلب الأم: "كفاكِ شقاوة يا ابنتي الصغار... دعيني أطعمكِ أولاً كي تكبري!" لم تكد كلماتي تكتمل حتى صرخت حماتي بنبرة جافة ومتسلطة: "كيف حدث هذا يا فتاة؟! كيف؟!" نظرتُ إليها ببلاهة وحيرة، وقلت بتلعثم: "مـ... ماذا؟ ماذا حدث يا خالتي؟" قالت لي بصرامة وقسوة والشرر يتطاير من عينيها: "أقصد كيف لكِ أن تحبلي بفتاة؟! المطلوب والمخطط له كان صبياً يرفع رأس العائلة!" استغربتُ من كلامها العجيب ونبرتها الجازمة، وقلت بقلب صادق: "هذا أمر الله وقضاؤه يا خالتي، ولا دخل لنا به إطلاقاً! كيف لي أن أتدخل أو أحدد جنس الجنين الذي أتمناه؟ العلم والقدر بيد الخالق وحده." ردت علي بغضب عارم وقد فقدت صوابها: "أيتها اللعينة! كفاكِ هراءً وادعاءً للجهل! هل تعتقدين أن تلك المحاليل والأعشاب التي كنتُ أسقيكِ إياها كل يوم كانت مجرد أعشاب عادية لتنشيط الحمل؟ لا يا غبية! بل كانت أدوية ووصفات خاصة من صنعي وخبرتي تجعلكِ تنجبين صبياً ذكراً!" اتسعت حدقتا عيني استغراباً وذهولاً من كلامها، وقلت بقلب مرتجف: "كيف؟! كيف لنا أن نتدخل في مشيئة الله وقدره بهذه الطريقة؟!" صرخت في وجهي بصوت هز جدران الغرفة حتى انتفضتُ من مكاني خوفاً: "اصمتي الآن! سنغير هذا الطبيب فوراً، لابد وأن هناك خطأً في الفحص أو الجهاز! مستحيل أن يكون ما في بطنكِ فتاة، لن نقبل بهذا العار مطلقاً!" نظرتُ إليها وأنا مصدومة كلياً، والأفكار تتضارب في رأسي كالأمواج العاتية، وأتساءل داخل نفسي غير مصدقة ما تسمعه أذناي: ما هذا الذي تقوله هذه المرأة؟ هل أنا في كابوس أم أحلم؟ كيف تجرؤ على الشرك بالله والاعتراض على حكمه بهذه الجرأة؟ وبينما كنتُ أصارع ذهولي وأفكاري المشتتة، تدخلت الخالة أم محمد بصوت متزن يخاطب حماتي: "ما بكِ يا أم راشد؟ اتقي الله! كل ما يأتي من عند الله فهو خير وبركة، المهم أن يكون المولود بصحة جيدة وخلق تام." ردت عليها حماتي بغل واستعلاء: "اصمتي يا أم محمد! أنتِ أكثر شخص يعرف ما أستطيع فعله، وكم من امرأة قصدتني وهي تبحث عن ولد صالح وقد ساعدتها بفضل وصفاتي ونجحت! وهذه الفتاة ليست استثناءً.. غداً سآخذها إلى طبيب آخر متمرس لنرى ما القصة." وبينما كانتا تتحدثان وتتجادلان، كنتُ أنا غارقة في عالم آخر من الحزن والأسى، أتساءل بيني وبين نفسي: ما هذه العائلة القاسية التي وقعتُ بين أيديها؟ كيف لأناس ألا يخافوا الله ولا يخشوا عقابه؟ وفي تلك اللحظة الحرجة، فتح الباب ودخل الطبيب، ليقطع بسؤاله حبل أفكاري المظلمة: "صباح الخير يا مريضتنا اللطيفة! كيف حالكِ اليوم؟ هل تشعرين بأي تحسن؟" مسحتُ دمعة كادت تفر من عيني وقلت بصوت متعب: "نعم يا دكتور، الحمد لله، أشعر بحال أفضل بكثير اليوم." التفت الطبيب وخاطب الحاضرين في الغرفة بأدب: "من بعد إذنكم جميعاً، يرجى الخروج قليلاً كي أفحص المريضة وأعاين جرحها." خرج الجميع إلى الممر، وقام الطبيب بمعاينتي والاطمئنان على علاماتي الحيوية، ثم قال بابتسامة مشجعة: "الحمد لله، كل شيء يسير على ما يرام وجرحكِ ملتئم." سألته بلهفة الأم وخوفها: "وكيف حال طفلتي يا دكتور؟" أجابني برفق: "طفلتكِ بخير ونبضها ممتاز والحمد لله، أنتِ فقط متعبة قليلاً وبحاجة ماسة إلى الراحة والتغذية وأخذ بعض الفيتامينات، وستكونين على ما يرام. الآن سأترك الممرضة لتسلمكِ وصفة العلاج." غادر الطبيب الغرفة، ودخلت حماتي والبقية. أخبرتهن أن الطبيب سمح لي بالمغادرة اليوم. سألت حماتي بنبرة قلقة وخائفة: "هل راشد لم يأتِ حتى الآن؟" ردت حماتي بجفاء وقسوة: "لا، لم يأتِ، ومن الجيد أنه لم يكن حاضراً ليسمع هذا الخبر السيئ! لو كان هنا لربما قتلكِ من شدة الغضب! أنتِ فعلاً امرأة لا تنفعين لشيء!" تدخلت الخالة أم محمد بقوة وردعت كلامها: "كفى كلاماً جريحاً يا أم راشد! ما هذا الذي تتفوهين به في وجه مسكينة خرجت للتو من العمليات؟ انظري إلى حالتها وضعفها! ثم إنه ليس لها أي ذنب في هذا، هذه مشيئة الخالق وحده ولا دخل لمخلوق فيها! هيا الآن، يجب على إحدانا أن توقف سيارة أجرة كي نعود إلى البيت." التفتت الخالة إلى أخت زوجي وقالت: "هيا يا سعاد، انزلي وأمني لنا سيارة أجرة أمام المستشفى." خرجت سعاد وهي تتأفف وتدمدم بغضب، والغيظ بادٍ بوضوح على ملامح وجهها الجاف؛ فهي لم تستسغني يوماً ولم تحمل لي في قلبها ذرة حب. وطالما كانت خلال زياراتها لبيت أهلها تحرض زوجي وحماتي علي، تماماً كما تفعل شقيقتاها الأخريان. بقيتُ أنا وحماتي والخالة أم محمد في الغرفة، فنظرت إلي حماتي بنظرات حادة متفحصة، تتأملني من رأسي إلى أخمص قدمي وكأنها تراني لأول مرة في حياتها، وفجأة قالت بصوت مرتفع وكأنها تفكر بصوت مسموع: "حقاً لا أعلم كيف حدث هذا الأمر الخاطئ!" نظرت إليها الخالة أم محمد باستغراب واستنكار وقالت: "كفاكِ هراءً ووساوس يا أم راشد، أنتِ بحديثكِ هذا تشركين بالله!" ردت عليها حماتي بعناد وإصرار: "أنتِ أكثر شخص يعرف كيف تعالجت العديد من النساء العقيمات على يدي، وتعرفين خير معرفة أن أغلبهن كن ينجبن بنات فقط أو لا ينجبن مطلقا، وبعد وصفاتي أنجبن الذكور!" أجابتها الخالة أم محمد بهدوء وثبات: "نعم أعرف، ولكن هناك خالق واحد مدبر للكون، ولن نتدخل في حكمته ومشيئته. المريضة ما زالت صبية وفي مقتبل عمرها، وستنجب البنات والبنين مستقبلاً إن شاء الله." ردت عليها حماتي وهي تكظم غيظها وتحاول السيطرة على أعصابها: "لا لا... لابد من وجود خطأ صدر منها هي! ربما لم تتناول تلك الأعشاب بانتظام أو خالفت أوامري وما كنتُ أمليه عليها حرفياً. فمنذ أن بدأتُ بمزاولة هذه المهنة لم يحدث معي خطأ كهذا قط! هذه الغبية فعلت شيئاً أفسد المفعول، أو أن هذا الطبيب الفاشل مخطئ في تشخيصه. سأخبر راشد فور عودتنا وسنأخذها إلى طبيب آخر معروف لنرى ما هذه اللعنة التي أصابتنا!" قاطعت كلامهما سعاد وهي تفتح الباب وتصيح: "هيا، السيارة تنتظر بالخارج." ساعدتني الخالة أم محمد الحنونة على الوقوف بحذر، وغادرنا الغرفة وهي ممسكة بذراعي لتدعمني. ركبتُ السيارة وتوجهنا جميعاً نحو بيت زوجي، وكان قلبي ينبض بالخوف والترقب لما ينتظرني هناك. ما إن وطأت قدمي العتبة ودخلت البيت، حتى استقبلني زوجي راشد بوجهم متجهم وعينين مظلمتين، وقال بنبرة سخرية وقسوة: "أخيراً شرفتِ! ألم تموتي بعد؟!" نهرته الخالة أم محمد بصدمة قائلة: "كفاك يا راشد! المسكينة عادت للتو من الموت وتعب العملية، وبدل أن تقول لها الحمد لله على سلامتك تتفوه بهذا الكلام؟!" لم أهتم لكلامه القاسي ولم ينزل دموعي، بل كنتُ أبتسم بضعف وأنا أضع يدي على بطني بحنو، وكأنني أخاطبه في سري: قل ما شئت وافعل ما تشاء، فأنا لستُ وحيدة بعد الآن.. معي طفلتي. دخلتُ غرفتي ببطء، وسمعته في الخارج يسأل أمه باستغراب وغضب: "ما بال هذه الغبية؟ أراها تبتسم وكأنني ألقيتُ نكتة؟!" ردت عليه أمه بنبرة غموض وجدية: "لا تهتم بها، هي على هذا الحال منذ أن سمعت من الطبيب ذلك الكلام..." نظر إليها متسائلاً والدهشة تشوب ملامحه: "أي كلام هذا؟ ماذا قال الطبيب؟" أخذت بيده وقالت: "هيا تعال معي إلى الغرفة، لدي موضوع مهم وجاد يجب أن نتحدث فيه بشأن هذه المصيبة التي وقعت على رؤوسنا......كانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله."تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! "ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور."أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات."نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي.جلست حماتي والخالة أم م
بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدت
خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم ل
عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.كانت دماء.تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، ت
كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله. في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي. مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغ
وأنا في السابعة من عمري، كنتُ أرى الفتياتِ في الشارع يلعبن ويمرحن، يضحكن بأعلى أصواتهنّ، ويركضن خلف بعضهنّ البعض بثيابهنّ الملونة الزاهية. كنت أراقبهنّ من خلف شقوق الباب الخشبي القديم، أرى الفرحة تطير من عيونهنّ الصغيرة وهوائهنّ المليء بالحرية والضحكات التي تنطلق بلا خوف ولا حساب. بينما كنتُ أنا أجلس في زاوية المنزل الباردة، أضمّ ركبتَيَّ إلى صدري، وأحاول أن أختفي في ظلي حتى لا يشعر أحد بوجودي.في تلك الزاوية النائية، كنتُ أسمع بكاء أمي وحسرتها الدائمة على حالها. كانت تبكي بصمت قاتل، تضع يدها على فمها بقوة وتضغط بشفتيها حتى لا يخرج منها أي صوت يُذكر وقد يثير غضب أبي، لكنني رغم صمتها المفتعل، كنتُ أسمعها جيداً. كنتُ أشعر بكل شهقة مكتومة تخرج من صدرها المكسور وكأنها سكين حاد ينغرس في قلبي الصغير الضعيف. لم أكن أفهم حينها سر هذا الخوف الدائم، ولا لمَ نعيش في هذا البيت وكأننا مسجونون ننتظر صدور الأحكام بحقنا في كل لحظة.كان أبي رجلاً قاسياً للغاية، قسوته لم تكن مجرد طباع عادية أو صرامة أب، بل كانت قسوة مظلمة تسكن الجدران وتجعل هواء البيت ثقيلاً ومخنقاً. لم يكن يسمح لنا باللعب أو الخروج لر







