Home / المراهقة / أحلام مكسورة / من تحت الرماد تولد نار جديدة

Share

من تحت الرماد تولد نار جديدة

last update publish date: 2026-09-22 00:31:58

بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.

عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".

نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.

فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدتك يا صغيرتي، أنت لا تستحقين ما يحدث لك، أنت ملاك بريء بين مجموعة من الشياطين ".

أمسكت بيدي لكي تطبطب علي وتواسيني وتخفف عني. ما إن لمست معصمي حتى صرخت بأعلى صوتي من شدة الألم الذي اخترقني: "آااه، هذا مؤلم جدا، لا تلمسيها!".

اتسعت عيناها من الخوف والفزع وقالت: "ماذا حدث؟ هل آلمتك؟ أنا آسفة يا ابنتي، سامحيني لم أقصد".

قلت لها وأنا أبكي بحرقة: "لست أنت السبب يا خالة، لكنني لا أستطيع تحريك يدي، أشعر بألم فظيع كأن سكينا حادا يقطعها من الداخل".

قالت لي بقلق شديد: "دعيني أرى يدك، ربما حدث التواء بمعصمك من جراء الضرب الذي تلقيته، الله يكسر يديه ذلك الوحش عديم الرحمة والضمير". أمسكت يدي برفق شديد وصارت تتحسسها وأنا أصرخ ألما وأعض على شفتي حتى لا أصرخ أكثر. قالت وهي تحاول تهدئتي: "اصبري يا ابنتي، لا تخافي، أريد فقط معاينتها، سأكون لطيفة".

ما إن انتهت من فحصها حتى نظرت إلي بنظرة تملؤها الشفقة والدموع التي تجمعت في عينيها وقالت بصوت خافت: "يدك مكسورة يا بنيتي، أقسم بالله أنها مكسورة، يجب أن نأخذك إلى الطبيب كي يعالجها فورا قبل أن تتورم أكثر وتصبح حالتها أسوأ".

انهمرت دموعي مثل سيول جارفة لا تتوقف وقلت لها بصوت مخنوق ومتقطع من البكاء: "لن يقبلوا أن أذهب إلى الطبيب، سيضربني مجددا إن طلبت ذلك، سيقول أنني أفضحه أمام الناس".

قالت لي بحزم وقوة: "لا تخافي، سأتحدث معه أنا ولن أدعه يمسك". سكتت قليلا ثم أردفت وهي تفكر في حل: "لدي فكرة أفضل، اتصلي بأبيك وأخبريه بما حدث معك، هو سيأتي ليأخذك، الأب لا يترك ابنته في هذه الحالة مهما كان".

قلت لها بيأس وانكسار: "ليس لدي هاتف، ناهيك عن أنه لن يساعدني، أبي قاسي مثلهم تماما".

قالت لي بإصرار: "لا يوجد أب يكره أطفاله مهما كان قاسيا، اتصلي به وجربي، لن تخسري شيئا". تمتمت بيني وبين نفسي بصوت خافت لم تسمعه: "وماذا نسمي ما فعله راشد معي، هل هذا الضرب وكسره ليدي حب لطفله؟".

قالت لي: "ما رأيك؟ سأعطيك هاتفي واتصلي بوالدك، لن نخسر شيئا إن جربنا، جربي يا ابنتي".

ترددت قليلا ثم قلت لها بضعف: "أعطني هاتفك يا خالة، سأجرب".

أخرجت هاتفها الصغير القديم من جيبها وناولتني إياه. سجلت رقم أبي بأصابع مرتجفة وقلب يدق بسرعة كبيرة واتصلت به. رد على الهاتف بعد ثوان بدت لي دهرا كاملا: "ألو، من معي؟".

كتمت شهقة كادت أن تخرج من صدري وقلت بصوت مبحوح مكسور من البكاء: "مرحبا أبي كيف حالك؟ هذه أنا ماريا، ابنتك، كيف حال أمي وإخوتي؟".

رد ببرود شديد وكأنه لا يعرفني أو لا يريد أن يعرفني قائلا: "الجميع بخير يا فتاة، انتبهي على زوجك وبيتك، مع السلامة الآن أنا مشغول لدي عمل كثير ولا وقت لدي".

أوقفت دموعي التي كادت تنهمر بصعوبة واستوقفته قائلة بسرعة قبل أن يقفل الخط: "أبي، أرجوك انتظر لا تقفل، زوجي ضربني وكسر يدي، أريدك أن تساعدني، أنا بحاجتك أبي، أريد الذهاب إلى المستشفى لكي أعالج يدي وأطمئن على طفلي، أرجوك تعال".

رد علي وصوته يملؤه الغضب والاشمئزاز وكأنني أطلب عيبا: "كفاك دلالا يا بنت، لا بد أنك فعلت شيئا سيئا كبيرا، لن يضربك من دون سبب، هل تظنين أن بناء أسرة بهذه السهولة؟ يجب أن تتحملي".

قلت له والدموع تملأ عيناي وكلماتي تخرج بصعوبة بالغة: "أرجوك أبي لم أفعل شيئا، أقسم بالله لم أفعل شيئا، أنا فقط كنت مريضة وأردت الذهاب لأطمئن على طفلي، أرجوك تعال وخذني إلى الطبيب، يدي تؤلمني كثيرا".

رد علي بجحود وقسوة لم أتوقعها من أب يفترض أن يكون سندا: "اغربي عن وجهي يا فتاة، أنا أعرفك جيدا، ربما فعلت شيئا مخجلا حتى ضربك زوجك، اذهبي واطلبي السماح من زوجك وهو سيأخذك لكي تعالجي يدك، كفاك تدللا ولا تفكري في العودة إلى هنا وإلا قتلتك، ليس لدي بنات يطلقن، زوجك وأهله هم عائلتك الآن، لدي ما يكفيني من الهموم والمصاريف، لن تموتي من كسر يدك". وأقفل الخط في وجهي بكل برود وقسوة.

بدأت أبكي بحرقة وأصرخ حتى كاد صوتي ينقطع، تمنيت الموت في تلك اللحظة وأن ينتهي عذابي إلى الأبد. ماذا فعلت يا ربي حتى أستحق كل هذا العذاب من زوجي ومن أبي الذي هو سني؟

كانت أم محمد تضمني إليها بقوة وبدأت تطمئنني وتمسح على شعري المتسخ، قالت لي: "يكفي يا ابنتي، ارحمي نفسك أنت حامل، ستمرضين وسيمرض جنينك".

قلت لها بحرقة قلب: "كيف أرحم نفسي وأنا التي لم يرحمها أحد، لا زوج ولا أم ولا أب، ليتني أموت وأرتاح من هذا العالم الظالم".

وضعت يدها على فمي وقالت: "ششش، يكفي هراء يا فتاة، من أجل طفلك يجب أن تكوني قوية، لا تستسلمي هكذا". وضعت يدي السليمة على بطني وهمست بدموع: "ما ذنبك يا صغيري لكي تعيش كل هذه الأوجاع معي قبل أن تولد؟".

قاطعتني قائلة: "ليس ذنبك أو ذنبه، لكن الحياة هي من وضعتكما وسط مجموعة من الوحوش البشرية. الآن امسحي دموعك، سأتصل بزوجك لكي يأخذك إلى المشفى".

قلت لها: "أوليس بالبيت؟".

قالت لي: "لا، لم يعد البارحة، قضى الليل في الخارج بعدما ضربك، أنا ظللت معك طوال الليل أحرسك وأخاف أن يعود".

أمسكت هاتفها واتصلت براشد فرد عليها وهو نصف واع، سمعتها وهي تقول له بغضب: "هل أنت سكران؟ نحن بحاجتك هنا، زوجتك يدها مكسورة وتحتضر". ثم بدأت تعاتبه وتصرخ في وجهه.

وبعد حديث طويل بينها وبينه، أقفلت الخط في وجهه وقالت لي: "هيا ارتدي ملابسك، أنا سأساعدك وسنأخذك للطبيب، السكير راشد لن يأتي. طلبت من حماتي أن تذهب معنا رغم أنها لم تكن راضية، كانت تنظر لي باشمئزاز إلا أنها كانت مجبرة على الرضوخ".

وصلنا إلى المشفى، عاينني الطبيب وقال بذهول: "من فعل هذا بك يا ابنتي؟". قبل أن أنبس بكلمة قالت حماتي بسرعة: "لقد سقطت من الدرج وكسرت يدها". سكت الطبيب وبدأ بمعاينتي، قال لي: "سنطمئن على الجنين أولا". وبعد فحص دام لدقائق بدت لي كأنها شهور لأنني كنت اريد فقط الاطمئنان على طفلي قطع صوت الطبيب الجوهري حبل أفكاري حين قال لي: "هل أنت مستعدة لمعرفة جنس الجنين؟". قلت له: "نعم دكتور". وعندما أخبرني بجنس الجنين، رأيت الصدمة الكبيرة والغضب في وجه حماتي .....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحلام مكسورة   سأنجب فتاة رغم أنوفهم

    ​كانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"​ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله."​تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! "​ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور."​أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات."​نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي.​جلست حماتي والخالة أم م

  • أحلام مكسورة   من تحت الرماد تولد نار جديدة

    بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدت

  • أحلام مكسورة   لم يرحم طفلي وحاول قتله

    خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم ل

  • أحلام مكسورة   سأتحمل أي شيء من أجل إبني

    عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.كانت دماء.تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، ت

  • أحلام مكسورة   من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

    كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله. في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي. مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغ

  • أحلام مكسورة   طُفولة مسروقَة

    وأنا في السابعة من عمري، كنتُ أرى الفتياتِ في الشارع يلعبن ويمرحن، يضحكن بأعلى أصواتهنّ، ويركضن خلف بعضهنّ البعض بثيابهنّ الملونة الزاهية. كنت أراقبهنّ من خلف شقوق الباب الخشبي القديم، أرى الفرحة تطير من عيونهنّ الصغيرة وهوائهنّ المليء بالحرية والضحكات التي تنطلق بلا خوف ولا حساب. بينما كنتُ أنا أجلس في زاوية المنزل الباردة، أضمّ ركبتَيَّ إلى صدري، وأحاول أن أختفي في ظلي حتى لا يشعر أحد بوجودي.في تلك الزاوية النائية، كنتُ أسمع بكاء أمي وحسرتها الدائمة على حالها. كانت تبكي بصمت قاتل، تضع يدها على فمها بقوة وتضغط بشفتيها حتى لا يخرج منها أي صوت يُذكر وقد يثير غضب أبي، لكنني رغم صمتها المفتعل، كنتُ أسمعها جيداً. كنتُ أشعر بكل شهقة مكتومة تخرج من صدرها المكسور وكأنها سكين حاد ينغرس في قلبي الصغير الضعيف. لم أكن أفهم حينها سر هذا الخوف الدائم، ولا لمَ نعيش في هذا البيت وكأننا مسجونون ننتظر صدور الأحكام بحقنا في كل لحظة.كان أبي رجلاً قاسياً للغاية، قسوته لم تكن مجرد طباع عادية أو صرامة أب، بل كانت قسوة مظلمة تسكن الجدران وتجعل هواء البيت ثقيلاً ومخنقاً. لم يكن يسمح لنا باللعب أو الخروج لر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status