Share

الفصل 7

Author: Juli
last update publish date: 2026-10-28 22:43:10

ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها.

​عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟".

​هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره".

​لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها.

​في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.

​جلستُ متقاطع الساقين أمامها، أراقبها وهي تفتح الملف الأسود الذي أحضرته من "الدارك ويب". ورغم سخافة الموقف في نظري كمهندسٍ لا يؤمن بغير الملموس، لم أستطع منع نفسي من تأمل ملامحها الفاتنة التي تعكس نيران الشموع الراقصة. كانت جميلةً لدرجةٍ تجعلني أتمنى لو أن "روح الحب" هذه حقيقيةٌ فعلاً، لتخبرها بما يعجز لساني وخجلي عن البوح به.

​أخذت نارين نفساً عميقاً، وبدأت تتلو الطلاسم والكلمات القديمة غير المفهومة بصوتٍ رتيبٍ ومتصاعد. كانت الحروف غريبةً وموحشة، ومع كل سطرٍ تقرأه، كان الهواء في المرسم يزداد برودة، وألسنة اللهب تتمايل بجنونٍ وكأن تياراً خفياً يعبث بها. راقبتها بصمت، محافظاً على ملامحي الجادة والهادئة، رغم أن شعوراً غامضاً بالانقباض بدأ يتسلل إلى معدتي.

​أنهت نارين تلاوة السطر الأخير، وأغلقت الملف بقوة.

​توقفت ألسنة اللهب عن التمايل، وساد صمتٌ مطبقٌ وثقيل. مرّت دقيقة، ثم دقيقتان.. ولم يحدث أيّ شيء. لا شياطين، لا أطياف، ولا أمنياتٌ تحققت.

​ابتسمتُ بانتصارٍ ساخر، وتنهدتُ وأنا أمسح الغبار الوهمي عن بنطالي قائلاً: "أرأيتِ؟ ألم أخبركِ بأنها مجرد خرافاتٍ وأساطير للأطفال؟ لا شيء حقيقي في هذا الملف البائس، ولا في الإنترنت المظلم برمته".

​رفعت نارين حاجبيها بضيقٍ طفولي، وردت عليّ مدافعةً عن طقوسها: "بل هي حقيقية، لكنني أخبرتك بالشرط منذ البداية! هذه الشيطانة تظهر للمحبين فقط، ونحن لسنا حبيبين يا فارس، نحن مجرد صديقين، ولهذا السبب لم تستجب للتعويذة ولم ينجح الأمر!".

​كان من المفترض أن أرد عليها بعبارةٍ لاذعة أؤكد فيها انتصاري المنطقي، لكن الكلمات تجمدت في حلقي تماماً.

حدقتُ فيها بعينين جاحظتين، والرعب يشلّ أطرافي ويسحب الدم من عروقي. لم يكن سبب صدمتي هو ما قالته.. بل كيف قالته!

​الصوت الذي خرج من فم نارين للتو لم يكن صوتها الرقيق العذب.. بل كان صوتي أنا! صوتٌ رجوليٌّ خشنٌ وعميق يخرج من بين شفتيها الورديتين كأنه دبلجةٌ سيئةٌ لفيلم رعب!

​ظننتُ أنني أفقد عقلي أو أهذي بسبب رائحة البخور، فرفعتُ رأسي لأنظر في وجهها مباشرةً وسط إضاءة الشموع الخافتة. وهنا، انهار كل منطقٍ وهندسةٍ في رأسي.. لم أرَ عينيها الخضراوين ولا وجهها شديد البياض؛ بل رأيتُ بشرتي السمراء، شعري الداكن، وملامحي الحادة تحدق بي في رعبٍ خالص!

​صرختُ بأعلى صوتي من هول الفاجعة وأنا أتراجع للخلف: "ما الذي يحدث بحق السماء؟!".

​لكن الصرخة التي مزقت سكون المرسم.. خرجت رقيقةً، ناعمةً، وأنثويةً تماماً! لقد صرختُ بصوت نارين!

​فزعت هي من صرختي، ونظرت إليّ بعينين تحملان رعباً مماثلاً. التقت نظراتنا المذعورة، وفي تلك اللحظة المجنونة، أدركنا الكارثة التي حلت بنا. أنا أنظر إلى وجهي الذي يجلس أمامي، وهي تنظر إلى وجهها الذي أسكنه أنا!

​لعبة "روح الحب" لم تفشل لأننا أصدقاء، بل نجحت بطريقةٍ ملعونة ومأساوية لأنني أحبها في السر.. والشيطانة لم تحقق أمنية، بل نفذت أكثر الألاعيب رعباً وصدمة: لقد تبادلنا الأجساد!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 9

    سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. ​«أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. ​تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». ​أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. ​في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. ​«مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 8

    مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.​وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!​حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!​«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.​جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 7

    ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. ​عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". ​هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". ​لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. ​في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل6

    مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. ​كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. ​في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. ​سألتها

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 5

    جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. ​قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». ​اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». ​أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل4

    ​في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.​ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!​شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!​وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!​سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status