Share

الفصل6

Author: Juli
last update publish date: 2026-10-28 22:42:48

مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق.

​كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها.

​في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي.

​سألتها متذمراً وأنا أحاول إنقاذ مجسمي: "ما الخطب يا نارين؟ هل يطاردك أحد المعجبين المزعجين مجدداً؟"

​تجاهلت سخريتي تماماً، واقتربت مني بصوتٍ خافتٍ أقرب إلى الهمس، وكأنها تحمل سراً خطيراً: "فارس.. لقد عثرت على شيءٍ مجنونٍ تماماً! انظر إلى هذا".

​أخرجت من حقيبتها ملفاً أسود سميكاً، يبدو أنه طُبع وغُلّف يدوياً بعناية، مليئاً بالأوراق التي تحمل نصوصاً ورموزاً غريبة. عقدتُ حاجبيّ وسألتها وأنا أتأمل الغلاف الخالي من أي عنوان: "ما هذا؟ مراجع جديدة لمساق التاريخ؟"

​ضحكت بخفةٍ وقالت وعيناها تتسعان إثارة: "لا، هذا أسوأ بكثير. لقد حصلت على هذه النصوص من منتدى سري ومغلق في (الدارك ويب). هو عبارة عن تجميع لطقوسٍ قديمة ولعبةٍ خطيرة جداً لا يُنصح بتجربتها أبداً.. تتعلق بالشعوذة واستحضار كيانٍ يُعرف باسم (روح الحب)".

​توقفت يدي عن تعديل المجسم، ونظرتُ إليها بملامح خاليةٍ من التعبير، ثم ابتسمت بسخريةٍ لاذعة؛ فأنا رجلٌ تحكمه لغة الأرقام، والزوايا، والمنطق الهندسي الصارم، ولا مكان في عقلي لهذه الترهات. قلت لها بنبرةٍ هادئة: "روح الحب؟ ومن الإنترنت المظلم أيضاً؟ نارين، هل تضيعين وقتك في تصفح خرافات المراهقين وتصدقين هذه السخافات؟ الشياطين لا تخرج من شاشات الحواسيب ولا من الأوراق المطبوعة".

​ضربت بقبضتها الصغيرة على الطاولة بعنادها المعهود وقالت: "أنا لا أقول إنني أؤمن بها تماماً يا فارس، ولكنني أريد خوض التجربة كنوعٍ من التحدي! المنتدى كان مليئاً بالتحذيرات، والأسطورة المكتوبة هنا تقول إن هذه الشيطانة لا تظهر أو تستجيب للطلاسم إلا بشرطٍ واحد: أن يقوم بالطقوس شخصان بينهما حبٌ حقيقي.. أي مرتبطان يحبان بعضهما، أو على الأقل أحدهما يحمل حباً صادقاً ومخفياً للآخر. وحين تحضر، إما أن تحقق أمنية مستحيلة، أو توجه رسالة، أو تقوم بشيءٍ صادمٍ جداً يقلب حياة الشخصين رأساً على عقب".

​صمتت للحظة، ثم أضافت بثقةٍ تامة جعلت قلبي ينقبض: "لهذا السبب تحديداً اللعبة آمنة تماماً بالنسبة لنا ولن يحدث شيءٌ سيء! نحن مجرد صديقين مقربين، ولا يوجد بيننا أي مشاعر عاطفية، وبالتالي فإن الطقوس ستفشل ولن تحضر، ولكننا سنعيش أجواء الرعب والغموض كأننا في فيلمٍ سينمائي داخل المرسم.. ما رأيك في هذه المغامرة؟".

​تصلبت ملامحي للحظة، ودارت في عقلي عاصفةٌ من الأفكار المتناقضة. هي تظن بكل براءةٍ أن الطقوس ستفشل لأننا "مجرد أصدقاء"، وهي لا تعلم قط أنني واقعٌ في غرامها حتى النخاع! قلبي كان يخفق بحبها منذ أشهر، وكنت أراقب أدق تفاصيلها، لكن غروري وعزة نفسي وخجلي منعوني من الاعتراف. إذا كانت هذه الأسطورة حقيقية بطريقةٍ ما، فهذا يعني أن شرط "الحب من طرفٍ واحد" متحققٌ تماماً بسببي أنا!

​لكن عقلي التحليلي الصارم تدخل فوراً ليسخر من ارتباكي السخيف: "لا تكن أبلهاً يا فارس، هذه مجرد خرافات مجمعة من الإنترنت لإخافة السذج، والطلاسم لا تحمل أي قوةٍ حقيقية".

​رسمتُ على وجهي ابتسامةً متكلفة، ونظرت إلى عينيها الخضراوين اللتين تشعان بالفضول، وتجاهلت كل نبضات قلبي المحذرة. أزحتُ مجسمي المعماري جانباً، وأخليت مساحةً واسعة في منتصف طاولة المرسم، وقلت بنبرةٍ متحدية:

"حسناً يا نارين.. إذا كنتِ تريدين إثبات أن نصوص (الدارك ويب) هذه مجرد هراء وتضييع للوقت، فأنا جاهزٌ لتجربة هذه اللعبة. دعينا نبدأ الآن".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 9

    سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. ​«أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. ​تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». ​أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. ​في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. ​«مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 8

    مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.​وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!​حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!​«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.​جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 7

    ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. ​عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". ​هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". ​لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. ​في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل6

    مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. ​كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. ​في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. ​سألتها

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل 5

    جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. ​قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». ​اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». ​أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه

  • أراك في مرآتي: حين تبادلنا الأجساد   الفصل4

    ​في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.​ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!​شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!​وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!​سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status