LOGINمرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.
وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة! حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين! «كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة. جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد الذي كان يخفق داخل قفصٍ صدريٍ أصغر بكثير مما عهدت. قلتُ بنبرةٍ حازمة، ولكن بصوتها الرقيق الأنثوي الذي لا يحمل أي طابعٍ للصرامة: «نارين، اسمعيني جيداً! البكاء والانهيار لن يحلا شيئاً. يجب أن نتفق فوراً على أمرٍ واحد ومصيري؛ مستحيل أن نخبر أحداً بما حدث. لا عائلتي، ولا عائلتك، ولا أي شخصٍ في العالم. هل تفهمين؟». رفعت وجهي المبلل بالدموع، وقالت بحدةٍ تتناقض مع ملامحي الهادئة عادة: «هل جننت؟ وكيف سأعيش هكذا؟ أنا أختنق داخل جسدك! كل شيءٍ فيك ثقيل وضخم! يجب أن نخبر أهلي فوراً ليبحثوا عن حل أو يستدعوا أحداً لإبطال هذا السحر!». أجبتها ببرودٍ وأنا أستند إلى الطاولة محاولاً استيعاب طولي الجديد القصير: «إذا خرجتِ الآن لوالدكِ وأنتِ بملامحي، وقلتِ له "أبي، أنا ابنتك نارين".. سيطلق عليكِ النار فوراً ظناً منه أنكِ شخص مجنون اقتحم بيته. وإذا أقنعته بطريقةٍ ما، سيتم إيداعنا نحن الاثنين في مصحةٍ للأمراض العقلية مدى الحياة، وسنكون فئران تجارب. الحل الوحيد أمامنا هو تقمص شخصيات بعضنا البعض بدقة حتى نجد طريقةً لإبطال هذه اللعنة بأنفسنا». نظرت إليّ بضياعٍ طويل، ثم أومأت برأسها بصعوبة مستسلمةً. أدركنا أن الوقت قد تأخر، وعلينا العودة إلى بيوتنا ومواجهة المجهول. كان الموقف مرعباً بحق؛ كيف سأنام في غرفتها وسريرها؟ وكيف ستواجه هي عائلتي التي لا تعرف عنها شيئاً؟ بدأنا خطة الطوارئ السريعة. أخرجتُ هاتفها من جيب معطفي، بينما أخرجت هي هاتفي. تبادلنا الأجهزة وكلمات المرور في صمتٍ ثقيل، وكأن كل منا يسلم حياته وخصوصيته بأكملها للآخر. أخذتُ مفاتيحها، وناولتُها مفاتيحي، وبدأنا نتبادل التعليمات كجاسوسين ذاهبين في مهمةٍ انتحارية. وقفتُ أمامها، وأمسكتُ بكتفيها القويين بيديّ الرقيقتين، وقلت محذراً بجدية: «اسمعي يا نارين.. عائلتي بسيطة ولا تتدخل في شؤوني كثيراً. حين تصلين إلى بيتي، افتحي الباب بهدوء. غرفتي هي الثانية على اليمين في الممر. إذا صادفتِ أمي أو أبي، لا تتحدثي كثيراً، ولا تبتسمي، ولا تظهري أي لطافة مبالغ فيها! أنا شخصٌ صامت وعبوس في المنزل. قولي "مساء الخير" وادخلي غرفتكِ فوراً. وإياكِ أن تمشي بتلك الطريقة الأنثوية المترنحة، أو تستخدمي يديّ في الشرح والتعبير كما تفعلين دائماً.. امشي بصلابة وضعي يديك في جيوبك!». تنهدت بضيقٍ وقالت وهي تمسح دموعها بخشونة أتلفت ملامحي: «فهمت! وأنتَ.. إذا دخلتَ من باب الحديقة الآن إلى الصالة، قد تجد أمي تشاهد التلفاز. غرفتي في الطابق العلوي، الباب الأبيض ذو المقبض الذهبي. لا تتصرف كالرجال الآليين، ولا تعقد حاجبيك هكذا لتبدو غاضباً. ابتسم لها، وقبّل رأسها إذا اقتربت منك، وقل لها "أنا متعبة يا أمي وسأنام". ولا تنسَ.. أنا لا أمشي بتصلبٍ عسكريٍ مثلك، حرك كتفيك قليلاً بمرونة! وحين تستيقظ، أرجوك لا تغسل وجهي بالصابون العادي الذي تستخدمه، هناك غسولٌ خاص على المرآة!». ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وأنا أستمع لتعليماتها التي تبدو مستحيلة التطبيق. تبادلنا النظرات الأخيرة في المرسم المظلم؛ نظراتٍ تحمل رعباً مشتركاً ووداعاً لهوياتنا القديمة. راقبتها وهي تتسلل من باب الحديقة الخارجي إلى الشارع المظلم، لتبحث عن سيارة أجرة وتأخذ جسدي الذي بدا ضخماً ومرتبكاً نحو حياتي. وبعد أن اختفت في العتمة، استدرتُ ببطءٍ وثقل. سحبتُ نفساً عميقاً ملأ صدري الجديد، ووضعتُ يدي الناعمة المرتجفة على مقبض باب المنزل الداخلي.. واستعديتُ لمواجهة عائلةٍ كاملةٍ تظن أنني ابنتهم المدللة.سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. «أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. «مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن
مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد
ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.
مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. سألتها
جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه
في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س







