LOGIN3
جود
لم أنام جيدًا
أنا متوترة وأشعر بالتوتر، أصبحت أشعر بالتوتر في كل صباح، كأنني على وشك الدخول لاختبار قدرات، أكره أن أصبح بهذا التوتر، وأتجنب اكتشاف السبب.
تهاديت نحو غرفتي الصغيرة ووضعت حقيبتي في مكانها المعتاد، تأكدت من ثيابي، الشورت الأسود والتيشيرت الأبيض، والضفيرة المنخفضة المرتخية، وقرط الفروالة الصغيرة، بشرتي متوجهة اليوم لأنني بقيت أتلقب على جمر فراشي دون نوم، استيقظت متوردة ومجهدة.
أثناء عودتي لصالة المسبح الأولميبي، رأيت السيدة كريستين مدربة فريق الفتيات، ورمقتني بنظرة منزعجة، لأنني لا أعجبها لأن ملابسي وهيئتي وعمري ليسوا صارمين كفاية، فهي لديها فتيات في عمري في فريقها فكيف أكون مساعدة مدرب، وكيف لا أربط شعري حتى تؤلمني رأسي مثلها، ولا أرتدي بدلة رياضية صارمة مثلها، لماذا لستُ مثلها؟
لذا هي لا تحبني، وأنا لا أستطلفها، ولستُ في مزاج جيد لها، تحاشيتها نحو الصالة.
وقفت أستعد على مقربة من المسبح كالعادة في الخامسة من صباح اليوم، كان الهواء المحيط بالمسبح يحمل برودة جافة، لكن شيئا ما داخل صدري كان ما زال مضطربًا ومشتعلًا.
وقفتُ عند الحافة مرتدية، أحاول مراجعة تقييمات الأمس والتركيز على تقسيم خطة اليوم، أتحسس بأصابعي حلق الفراولة الصغير المطاطي المعلق في أذني، بينما عيناي تلاحقان رغماً عني ذلك الجسد الذي اخترق الماء كالسهم بسرعة دون كلمة أو انتظار، قفزة عالية حادة.
ظهر الكابتن قادمًا من مكتبه في المبنى، اتجه نحوى وهو يهتف كي يستعد الجميع.
-صباح الخير جود.
ابتسمت، التحديث الجديد بأنه هو من يلقى تحية الصباح الآن، نعمل معًا منذ شهر واحد فقط، ولكننا متفاهمين ومنسجمين تمامًا، أسفل صرامة كابتن مونتي ليون هناك رجل لطيف ومهذب ويمنح الجميع المساعدة، ولديه زوجة لطيفة للغاية.
-صباح الخير أيها المتدرب.
نظر نحوى ثم إلى تي جيه الماء، والبقية تمارس الأحتماء خارجه بينما يتابعون تي جيه:
-ما الخطة اليوم؟
بما أنني وضعتها مع الكابتن فأنا أعرف جيدًا تفاصيلها، رددت دون أن أنظر لجهازي اللوحي:
-التدريب اليوم يتكون من 800 متر إحماء لتجهيز العضلات، يليه مجموعات سرعة شاقة لمسافة 1500 متر مع كتم الأنفاس، وننتهي بتبريد هادئ لمنع الشد العضلي، ثم تكنيك ذراع واحدة، السباحة بذراع واحدة مع تثبيت الذراع الأخرى للأمام، لمراقبة زاوية دخول الكوع للماء.
-جيد.. استعد الجميع واتبع ما تقوله.
تنحنحت واقتربت من المدرب:
-أنت كذلك كابتن.. خذ الأقراص الخاصة بك.
قطب جبينه، زوجته تصادقت معي كي أتابع جدول علاجه الذي ينساه رغم بساطته، أشاح بيده:
-بعد التمرين.
-الأن كابتن.
أصررت بابتسامة، بينما يصعد تي جيه ليستعد مع الجميع، شعرت بحرارة جسده حينما مر جانبي، يقف على مقربة مني يتمتم للمدرب:
-استبداد.
وافقه الكابتن بابتسامة صغيرة للغاية:
-لا يمكنني الموافقة أكثر.
قلبت عيني نحوه ورفعت جهازي اللوحي:
-يمكنني استعداء قوات أعلى؟
أعني الاتصال بزوجته، فانصاع وأخرج القرص الصغير من غلبة الأقراص في جيبه وأخذه.
لم يكن هناك شجار لفظي اليوم؛ بل هدنة مشحونة بالتوتر فرضها غرور كل واحد منا.
كان تي جيه يسبح بقوة ضارية، لكني لاحظتُ بذهول أنه يتعمد ألا يعدل زاوية كوعه، يسرع بشدة، ولا يسيطر على تنفسه وحركته كأنه يتحدني أن أتحداه، ثم يعدل كل ذلك في اللفة التالية ولا يترك مجال لأي ملاحظات.
يقصد زيادة ارتباكي، يزعجني لا لشيء سوى إنه يحب ذلك، وليثبت لي أنه الأفضل.
وعندما رفع رأسه عند نهاية الحافة لتلتقي عيناه الزرقاوان بعيني، امتدت بيننا نظرة صامتة وثقيلة عبر الماء، نظرة حملت بقايا ارتباك ليلة الأمس والدقيقة التي غلفنا فيها ارتباك غريب.
بابتسامة مغرورة ونبرة صوت عميقة ومتهكمة:
-أخبريني جود؛ هل جربتِ من قبل النزول للماء وفهم ديماميكية السباحة وما يحدث داخل الماء وكيف يتغير كيمياء وفيزياء الجسد في الماء وليس على الورق.
رفعت نظرت من فوق الساعة والجهاز اللوحي، كان يستند فوق على حافة المسبح ولم يخرج بعد، مطيت شفتي:
-ديناميكية الجسد التي تتحدث عنه تخضع لقوانين الفيزياء التي تكتب على الورق، وهو ما. يجعلني أعرف أنك خرقتها في أخر جولة.
رفع حاجبه بغرور، فتابعت:
-مثلًا هل تعرف لماذا وقتك في آخر 50 متر تراجع بـ 0.4 ثانية؟
عقد ذراعيه مستهزأً وهو في الماء كأنه يملك الإجابة:
-لأنني شعرت ببعض الإرهاق، هذا كل ما في الأمر، نحن تتدرب منذ ثلاث ساعات.
نهضت من المقعد الذي أجلس عليه بعدما أغلقت الحاسوب اللوحي:
-خطأ جسدك يمكنه تحمل أكثر من ذلك وأنت تعرف ذلك.
قلتها لأنها حقيقة ولكن غروره برز كهالة حوله، فتابعت بنبرة واثقة علمية وواضحة:
-دراستي في الهندسة الحيوية للحركة تقول أن السبب هو أنك أثناء سحبة الذراع، زاوية كوعك تهبط بمقدار 15 درجة عن الوضع المثالي. هذا الهبوط الصغير يحول ذراعك من مجداف يدفع الماء للخلف، إلى مساحة سطح تزيد من مقاومة الماء ضد جسدك.
تختفي ابتسامته تدريجياً، وينظر إلىَّ باهتمام وجدية:
-ماذا تقصدين؟
أتقدم خطوة نحو حافة المسبح، وأشير بقلمي إلى كتفه لأتفادى ملامسته:
-أقصد أنك تستهلك طاقة مضاعفة في الدوران لتعويض هذا الخلل، لو أنك رفعت كوعك بمقدار إنش واحد إضافي عند الانزلاق، ستخترق الماء مثل السكين، وستوفر 8% من طاقة عضلاتك للنهاية وتبقى الأول.
يصمت لثوانٍ، يمرر يده في شعره المبتل، ثم يقترب من الحافة وينظر نحوى بنظرة مليئة بالتحدي شيئا ما آخر سرعان ما يخفيه عائد تحوى التحدى:
- حسنًت، كلامكِ يبدو منطقيًا على الورق، ولكن ما رأيكِ إذن أن تنزلي إلى الماء وتعدلي لي زاوية كوعي بنفسك؟ لنرى إن كانت نظرياتكِ الأكاديمية تعمل في الأعماق.
شعرت بوخزة خوف مفاجئة في قلبي من فكرة نزول الماء خصوصًا أنه من مهامي فعل ذلك ولكن لم يطلب المدرب أو أحد، حافظت على قناع البرود وتراجعت خطوة للخلف كأنه صبي صغير يمكنه جذبي فجأة كمزحة سخيفة:
-وظيفتي هي أن أكون العقل الذي يوجهك من الخارج، أما التطبيق... فهذا عملك أنت، إن كنت ذكيًا بما يكفي لتستمع وتنفذ.
صعد فجأة من المسبح، حركاته سريعة ورشيقة وجسده لديه الكثير من العضلات، وأحاول ملاحقة عيني من تتبعهم.
مرر لسانه داخل وجنته، ابتسامته متلاعبة متسلية ونظراته ثاقبة تحاول احترافي:
-حسنًا كابتن، سوف انتظرك حتى تريني كيف أصلاح أخطائي.
ارتفع حاجبي وجدت نفسي أتحديه بالمثل:
-تدريبك اليوم انتهي، حتى المرة القادمة تي جيه.
--
مرت ساعات النهار بطيئة وقاتلة بين أروقة الجامعة والكتب، ثم ذهبت للغداء ومحاولة النوم في أحدى غرف صديقاتي التي تعيش في الحرم الجامعي، ولكنني وجدت اتصال من المدرب مونتي يطلب مني الذهاب للتدريب الجاف مع الفريق في الصالة الرياضية لأنه لن يستطيع المجئ بسبب اجتماع ما.
جررت نفسي واستعرت ثياب للرياضة من صديقتي، سروال ليجنز أسود وتيشيرت أسود واسع، حذاء مطاطي ورفعت شعري في كعكة مرتخية.
حين دقت الساعة السادسة مساءً، وحان موعد تدريب الجيم الجاف، دخلتُ الصالة والأضواء الكبرى للنادي قد أُطفئت لتعوضها إضاءة خافتة تناسب هدوء المساء، وهناك، في زاوية معزولة خلف أجهزة الحديد، كان تي جيه بانتظاري، بينما تومي يحملون الأوزان!
بالطبع اليوم يوجد أي جيه مرة أخرى!
بدأ كلا منهم، يعرفون نظامهم، ولكن أنا هنا للمراقبة، تي جيه يؤدي تمارين الرفع المميت.
كان يقف في زاوية بعيدة، يرتدي قميص أسود بلا أكمام كشف عن اتساع أكتافه العريضة، وشورت رياضي أسود كذلك يرتفع فوق ركبتيه ليبرز عضلات فخذيه القويتين والمنحوتتين وهي تشتد بعنفوان مع كل رفعة للبار الحديدي.
جسده يفرز حرارة ملموسة، أنا بعيدة عنه أشعر بها، حبات العرق تلمع على بشرته البيضاء الدافئة تحت الضوء الخافت، لتبدو بنيته المثالية كمنحوتة تنبض بالحياة وسط عتمة الصالة.
تشتت تركيزي ثم تشتت من جديد مع تومي ذو البنية الضعيفة قليلًا، محاولاته لصناعة عضلات ضخمة سوف تسبب له بالعجز، ثم عدت للنظر نحو متخفية خلف كوني مساعدة مدرب، مدربة ثانية وهذه وظيفتي.
خطوت نحوه بخطوات واثقة، وتتحدثت بنبرة حادة:
-توقف فوراً تي جيه، انحناء أسفل ظهرك أثناء رفع الوزن كارثي، ولا نحتاج في الفريق لسباح مصاب بإنزلاق غضروفي الأسبوع القادم.
أخفض الوزن الثقيل على الأرض بضربة أحدثت صدى قويًا، كيف يحمل كل ذلك ببساطة، يبدو كفيديوهات التيك توك حين يدخل رجل ضعيف الجيم ويحمل بار ضخم بمنتهى السهولة، التفت إلىَّ ببطء، أنفاسه متلاحقة وعضلات صدره تتحرك بعنف، وينظر إلىَّ بنظرة مستفزة:
-أوه جود جاءت هنا كذلك لإصدار الأوامر، لو كنتِ تشعرين بالملل من الورق، يمكنكِ ببساطة الاعتراف بأنكِ تحبين التحديق والتأمل عضلاتي وهي تعمل.
تقدمت خطوة إضافية بعناد، متجاهلة سخافته، وضعت زجاجة المياه الخاصة بيه:
-وفر ثقتك الذكورية الزائدة لنفسك, اقترب واعتدل، وسوف أريك هذه المرة أين يكمن الخلل في ارتكازك.
اشتعل التحدي مرة أخرى في عيناه، تقدم خطوتين وكاد يرتطم به، مستغلًا فارق الطول وبنيته الضخمة التي تحجب عني الضوء وتمنحني الحرارة، يهمس بنبرته الجهورية العميقة والمبحوحة من الرياضة:
-أنا مستعد، أريني كيف تعدلين وضعيتي.
حبيت أنفاسي لثانية بسبب جاذبيته القريبة ورائحة مزيل العرق القوبة والجهد المنبعث منه، وددت التراجع والشرح من بعيد لكن كبريائي منعني من ذلك، دفعت يدي لأشير له بوضيعة الرفع، ثم دفعت أطراف أصابعى لأسفل ظهره المقوس بعناية لتعديل الاستقامة، جسده حار أسفل يدي، حرارته تخترق قميصه نحو بشرة يدي، كلماتي بطيئة وأحاول بشدة التركيز عليها كي لا تهرب:
-افرد جذعك هنا، عضلات بطنك السداسية التي تتفاخر بها يجب أن تكون مشدودة للداخل لتدعم العمود الفقري، وليس مرتخية للاستعراض.
يتصلب جسده بالكامل عند ملامسة أصابعى الباردة لجلده الدافئ، وتختفي ابتسامته الساخرة ليحل محلها وجم غريب، لا أفهمه، ينظر لأسفل نحو عيني مباشرة ويقول بصوت منخفض وهامس جدًا:
-يدكِ باردة جداً يا جود، هل متوترة جود؟
ابتلعت أنفاسي ولا أستطيع الهرب من نظراته، أشعر كأنني فتاة صغيرة، يتابع ببطء وتنفسه عالي حاد:
-أشعر بدقات قلبكِ من خلال أناملكِ، هل يرتجف قلبكِ هكذا دائمًا عندما تقتربين من المعادلات الحية؟
يرفع عينه نحوى، حيز تنفسنا واحد، رائحته وصوت نفسه وحرارة جسده وعمق صوته، يجعلنا قدمي كالورق، بالكاد يمكنني الوقوف.
أشعر بكهرباء تسري في جسدي، وأدرك في هذه اللحظة أن الشد والجذب بيننا تخطى حدود العمل، تحدي بين اثنين لا يحبان بعضهما، أسحب يدى بسرعة والتقطت زجاجتي كدرع حامي، أتراجع خطوة للخلف بنبرة متلعثمة تحاول إخفاءها:
-أنا.. الـ.. المعادلات لا تملك غرور لا نهائي مثل غرورك، ارفع الوزن الآن بالوضعية الصحيحة، أو تابع حتى تحصل على انزلاق غضروفي.
يمرر يده في شعره الأسود الكثيف ببطء، وتلمع عيناه الزرقاوان بنظرة تحمل مزيجاً من التحدي والجاذبية الآسرة، جاذبية تزعجني:
-هل تعرفين ماذا؟ سوف أرفعه من أجلكِ فقط لكي تستمري في مراقبتي لأنكِ لا يمكن أن تفعلي شيء أخر جود.
وطوال الساعة التالية لم يرفع تي جيه عينه عني، في كل تمرين وحركة وحتى وهو يجترع الماء من زجاجته الباهظة التي تحمل أحرف اسمه.
لم أستطع التركيز، لم أستطع التنفس بشكل طبيعي، لم أستطع فعل أى شيء سوى مراقبته.
لا أعرف ماذا أفعل، قلبي يدق بسرعة، ساقي ضعيفة، أنفاسي ثقيلة، وعقلي مشوش.
تي جيه استغربت كلماتي وتسألت بحيرة: -أنا؟ هززت رأسى لها بثبات، ثم أدرتُ وجهي هاربًا من سحر نظراتها التي ترتبكني، أنتهج الصراحة لأنني أريد ذلك معها: -أنتِ تعرفين أنني كان لدي علاقات قبلكِ. عبر شيئا فوق رأسها، تذكرت الفيل الذي يقف بيننا، فانزعجت على آثره وتهكمت بقسوة: -وكان لديك علاقات بعدي. أحسستُ بالحرج الشديد وعصرني شعور الحمق، وكنتُ أريد أن أُوصل لها كيف أنني أريد محو كل تلك الندبات والأشخاص من ذاكرتي لكن الأمر ليس بيدي، كما قالت الزمن لا يسير للخلف، فأردفت بنبرةٍ صادقة: -أنا لم أركض قط في أى علاقة، خطواتي ثابتة في كل ما له علاقة بي ولكنها ليست خطوات سريعة، لم أركض سوى معكِ، لدرجة أنني أشعر أنكِ من تتحكمين في عجلة القيادة. فكرت في كلامي لبرهة، وبعد ذلك همهمت بنبرة نصفها دفء نصفها ارتباك: -ولكنني لا أتحكم في عجلة القيادة أيضًا، وإلا لما وصلت لهذه النقطة. هززتُ رأسي بموافقة ونظرتُ في عينيها، أمنح كل نفسي في صدق جملة: -أعرف من كان يتحكم الآن، ولكن وصولنا لهذه النقطة خطأي، ليس خطأ أي شخص آخر. همهمت بتأكيد فيها تدلل: -أجل خُطأك. ابتسمتُ، وفي هذه اللحظة بال
تي جيه كنتُ في سلام هدوء كل الضجيج خفت في رأسي حتى لم يعد هناك سوى الهدوء. إن كنت أختار مكان أبقى فيه للأبد سيكون هذا. سكون غريب غلفني وتوقف كل شيء آخر. نمتُ بعمق نومًا بلا أضغاث أحلام، وبلا كوابيس، فقط محيط من السكون. كان نومًا عميقًا وهادئًا، رغم أن وضعية النوم التي لم تكن مريحة إطلاقًا ولا يمكن لكائن أن يستريح فيها إلا أنني استرحت. شعرتُ وكأنني غارق في برزخ، لستُ متأكدًا ما هو الواقع وما هو الخيال. ببطء شديد فتحت عيني، لا يوجد إضاءة مزعجة، لون رمادي باهت أظنه انعكاس السماء، كان هذا الوقت الذي اعتد جسدي الاستيقاظ فيه تلقائيًا في الغالب. أضطربت أهدابي عده مرات ثم استقرت عيني، وبدأتُ أشعر بحرارة ذراعي وهما تحوطان جسدًا دافئًا، وأن هناك يدًا ناعمة تمر برقة بين صلات شعري. تنفست ببطء وأنا أشعر أنني في حلم حتمًا، أنني نائم، فأغمضتُ عيني وهمستُ لنفسي بخفوت: -أنا أحلم. شعرتُ بتلك اليد تتردد في شعري ثم ترتفع ببطء، وبعد نصف دقيقة من الصمت التام الذي خيم على تلك اللحظة، سمعتُ صوتها الهامس الناعم يجيبني: -لا. أحسستُ بضربات قلبي تتسارع ببطء، متوترًا، مض
جود رفع رأسه ببطء، ونظر إليَّ نظرةً عميقةً جدًا دافئة، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ صغيرة أذابت كل المسافات في تلك اللحظة. أخذ الزجاجة من يدي، وبدأ يتجرع الماء، شربها كلها تقريبًا حتى أفرغها، فقد كان يبدو عليه العطش والإجهاد إلى أقصى حد. بلعتُ أنفاسي وأنا أراقب تحرك حنجرته، ثم سألتُه بعفويةٍ: -متى كانت آخر مرة أكلتَ فيها شيئًا؟ مدّ شفتيه باستغرابٍ وابتسامة، وكأنه لم يصدق ما سمع، وخمس بتعجب: -توقعتُ أن تسأليني عما حدث هناك، وليس متى كانت آخر مرة أكلتُ فيها! تنهدتُ أنظر إلى الأرض بين قدمي، وهمست بصوت خافت: -ربما ليس من حقي أن أسألك، وربما لا تريد أن تقول ما حدث أو تفضل الاحتفاظ به لنفسك، لكني متأكّدة تمامًا من أنك فعلتَ ما كان يجب أن يُفعل، وبالطريقة الصحيحة التي كان يجب أن يتم بها. تنهد بقوة وهو يعيد يصوب عين نحوي، يهمس بذهول: -بعد كل ما رأيتِه مني وكل الأخطاء في حقكِ، هل أنتِ متأكّدة حقًا أنني تصرفتُ بذكاء؟ وتصرفت بالطريقة الصحيحة؟ ربكني سؤالُه، فأبعدت نظراتي بعيدًا، هربًا من عينيه اللتين تلتهمانني، وهمست للأرض: -ربما هي سذاجةٌ مني، أو ربما غباء، لكني متأكدة أن الرجل الذ
جود هناك شئ لا يخبركِ به أحد عن الحب؛ هو إنه لا يتحول إلى كره. الكراهية هي تضاد يوازيه، تضاده خلف يقبع نفس المعنى. الحب لا ينتهي بأن يتحول لكراهية، بل يخبو ويذبل وينتهى فقط، لا يخلف شيئا، كأنه لم يحدث. وأنا كرهته في مرحلة ما كرهته لأنني ببساطة أحببته. تلك الحقيقة جعلتني أمر بيوم ضبابي، لا شيء واضح فيه. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا حين قررتُ الخروج من الشقة. مرّ اليوم بطيئًا، ثقيلًا ومملًا إلى حدٍ لا يُطاق، ناتالي لم تذهب إلى العمل، بل فضلت البقاء في المنزل غارقةً في صمتها وغرفتها المظلمة، وظللتُ معها أراقب انفعالاتها الصامتة، لم أحاول أن أعرف أى شيء غير مستعدة للبوح به، فقط حاولت تخفيف وطأة ما تمر به، حتى استسلمت أخيراً وقررت تناول قرصين منومين لتسقط في نومٍ عميق هادئ. نوم كيميائي ولكنه نوم. حين غطت في نومها، شعرتُ أن جدران البيت تضيق حولي، وأن رأسي يوشك على الانفجار من كثرة الأفكار وتزاحم المشاعر. كنتُ بحاجةٍ ماسة لتفريغ تلك الطاقة المحتبسة داخل صدري، فلم أجد مفرًا سوى التوجه إلى الصالة الرياضية الواقعة في شارعنا. هذا ليس مخصص فقط للرجال،
تي جيه انتفخت عروق رقبتها وهي تصرخ بثورة: -أنا لم يكن في ذهني أن يحدث كل هذا، أنا لم أحب أباك يومًا! قبل أبيك كنتُ أحب شخصًا آخر، أول حبٍ في حياتي وأنا في الخامسة عشرة، كنا معًا في المدرسة وجيرانًا، وظللنا أربع سنوات معًا، وكنتُ أظن أنني سأكمل حياتي معه.. لكن أتعرف ماذا قال لي في آخر صيف؟ قال إنه مسافر لأن جامعة في إنجلترا قبلته، ولما سألته عني، قال لي إننا قضينا وقتًا لطيفًا وعلاقة مراهقة عشنا فيها أيامًا جميلة، لكن لا يمكن أن نبدأ حياتنا ونحن صغار ولا يمكن أن نكمل على مشاعر عاطفية في سن السادسة عشرة، هو يحتاج أن يسافر ويبني مستقبله ولن يجلس هنا ليعمل أي شيء، هكذا ببساطة رحل. تغيرت نبرتها، تشوهت ملامحها في ذكريات ولكنها تابعت بذات العنف: -وأنتَ كل ما تعرفه هي جدتكَ الأديبة العظيمة، لا تعرف أمي.. أمي التي كانت ترى أن وظيفة المرأة الوحيدة هي أن تتزوج رجلًا له مستقبل، عندما سافر حولت حياتي لجحيم لأنني ضيعتُ أجمل سنين عمري دون فائدة، ولم أستطع حتى دخول الجامعة، ولهذا كنتُ مستعدةً لفعل أي شيء لأدخل أي جامعة، وفعلت، درجاتي لم تكن كافية لكن كان لدي أشياء أخرى كافية جدًا. شعرتُ بالت
تي جيه تنهدت ليلى وشعرت أنها تستعيد زمام الأمور وتفرض سيطرتها مجددًا بعد أن كادت تفلت منها، وهمهمت بنبرةٍ أكثر حدة وصوتٍ أعلى: -أسئلتكِ هذه لا معنى لها الآن خصوصًا إن ذلك لم يؤثر عليك وأصبحت بطل سباحة وتبني طريقك في الهندسة. رددتُ بنبرةٍ أخفض لكنها محتدة وصارمة وهازئة: -هل تعتقدين أنها لم تؤثر علىَّ؟ حتى إنسان أعمى لن يقول ذلك! هززت رأسي وكررت السؤال بنبرة أكثر حدة: -عندما تطلقتِ من أبي وأخذتِ كل الأموال التي ما زلتِ تأخذينها حتى اليوم.. لماذا تركتِني؟ لماذا قررتِ أنكِ لا تريدينني؟ توترت ليلى وأرجعت خصلة شعرٍ وراء أذنها: -كان أمامك ثلاث سنوات وتذهب للجامعة وتستقل بحياتك، لم أرد أن أغير نظام حياتك وآخذك لمكانٍ جديد لأجل ثلاث سنوات أو أقل. ابتسمتُ بسخريةٍ مريرة؛ فهذه ليلى بكامل أدائها التمثيلي. هززتُ رأسي وارتفع صوتي مجددًا: -أنا أريد إجابةً حقيقية، أريد أن أعرف لماذا تركتِني، لا الإجابة النموذجية التي تردديها لأبى ولأى شخص يسألكِ صرخت ليلى بغضب: -ولماذا تريد هذه الإجابة؟ ما الفارق التي ستشكله الآن لك؟ فجأة تذكرتُ كلام جود، أدركتُ كم كنتُ بحاجةٍ لهذه المواجهة حتى وإن
جود التصق جسدي بجسده الضخم ولم أعد أفرق بين دقات قلبي ودقات قلبه الشرسة التي تضرب صدري العاري إلا من حمالة صدر سوداء مبتلة تمامًا. القبلات لم تعد مجرد قبلات حارة؛ كانت التهمامًا لاهثًا، صراعًا جارف أسقط كل حصوني وعنادي تحت أقدام رغبته الطاغية. كانت يده الكبيرة تدفع ظهري بقوة نحو سيراميك الحا
جود كنت أغرق في محيط أزرق يدعى عينيه. هذا النوع من الغرق الذي لا ترغب أبدًا من النجاة منه، غرق لذيذ يوازي لذة وجودي هنا في غرفة الاستحمام الخاصة به معه وحدنا. التوتر الحسي المشتعل، الحرارة والجاذبية، التحدى والرغبة العميقة في الاستسلام؛ كل المشاعر التي نثيرها في بعضنا دون تحكم منا تصاعدت في
2 جود لماذا أجعل تدريبه جحيم؟إجابة سهلة؛ لأنه يجعل تدريبي كذلك.-أسرع تي جيه.يضرب الماء بعنف يتردد صداه في الصالة، يفزعني حين يعبر عن غضبه في حركة الماء ولكنني لوحة جامدة.-عدل من وضعية ذراعك تي جيه.أسير بتهادي على طول المسبح أحاكي حركاتهم، وصوت تنفسه وصرباته صاخبين بالغضب.-يمكنكِ جعل جسدك مس
1جود فتحت الباب الزجاجي لأدخل لصالة المسبح، يحتل أكثر من نصف مساحة مباني الجامعة، الهيكل الأرضي بالكامل مصنوع خصيصًا لفريقان السباحة.الضباب يلف صالة المسبح الأولمبي المغلقة كغشاء رقيق ولكنه بارد، تخترقه أضواء الفلورسنت البيضاء القوية منعكسة على سطح الماء الساكن كمرآة ضخم، الرائحة الحادة للكلور ت







