Masuk3
جود
لم أنام جيدًا
أنا متوترة وأشعر بالتوتر، أصبحت أشعر بالتوتر في كل صباح، كأنني على وشك الدخول لاختبار قدرات، أكره أن أصبح بهذا التوتر، وأتجنب اكتشاف السبب.
تهاديت نحو غرفتي الصغيرة ووضعت حقيبتي في مكانها المعتاد، تأكدت من ثيابي، الشورت الأسود والتيشيرت الأبيض، والضفيرة المنخفضة المرتخية، وقرط الفروالة الصغيرة، بشرتي متوجهة اليوم لأنني بقيت أتلقب على جمر فراشي دون نوم، استيقظت متوردة ومجهدة.
أثناء عودتي لصالة المسبح الأولميبي، رأيت السيدة كريستين مدربة فريق الفتيات، ورمقتني بنظرة منزعجة، لأنني لا أعجبها لأن ملابسي وهيئتي وعمري ليسوا صارمين كفاية، فهي لديها فتيات في عمري في فريقها فكيف أكون مساعدة مدرب، وكيف لا أربط شعري حتى تؤلمني رأسي مثلها، ولا أرتدي بدلة رياضية صارمة مثلها، لماذا لستُ مثلها؟
لذا هي لا تحبني، وأنا لا أستطلفها، ولستُ في مزاج جيد لها، تحاشيتها نحو الصالة.
وقفت أستعد على مقربة من المسبح كالعادة في الخامسة من صباح اليوم، كان الهواء المحيط بالمسبح يحمل برودة جافة، لكن شيئا ما داخل صدري كان ما زال مضطربًا ومشتعلًا.
وقفتُ عند الحافة مرتدية، أحاول مراجعة تقييمات الأمس والتركيز على تقسيم خطة اليوم، أتحسس بأصابعي حلق الفراولة الصغير المطاطي المعلق في أذني، بينما عيناي تلاحقان رغماً عني ذلك الجسد الذي اخترق الماء كالسهم بسرعة دون كلمة أو انتظار، قفزة عالية حادة.
ظهر الكابتن قادمًا من مكتبه في المبنى، اتجه نحوى وهو يهتف كي يستعد الجميع.
-صباح الخير جود.
ابتسمت، التحديث الجديد بأنه هو من يلقى تحية الصباح الآن، نعمل معًا منذ شهر واحد فقط، ولكننا متفاهمين ومنسجمين تمامًا، أسفل صرامة كابتن مونتي ليون هناك رجل لطيف ومهذب ويمنح الجميع المساعدة، ولديه زوجة لطيفة للغاية.
-صباح الخير أيها المتدرب.
نظر نحوى ثم إلى تي جيه الماء، والبقية تمارس الأحتماء خارجه بينما يتابعون تي جيه:
-ما الخطة اليوم؟
بما أنني وضعتها مع الكابتن فأنا أعرف جيدًا تفاصيلها، رددت دون أن أنظر لجهازي اللوحي:
-التدريب اليوم يتكون من 800 متر إحماء لتجهيز العضلات، يليه مجموعات سرعة شاقة لمسافة 1500 متر مع كتم الأنفاس، وننتهي بتبريد هادئ لمنع الشد العضلي، ثم تكنيك ذراع واحدة، السباحة بذراع واحدة مع تثبيت الذراع الأخرى للأمام، لمراقبة زاوية دخول الكوع للماء.
-جيد.. استعد الجميع واتبع ما تقوله.
تنحنحت واقتربت من المدرب:
-أنت كذلك كابتن.. خذ الأقراص الخاصة بك.
قطب جبينه، زوجته تصادقت معي كي أتابع جدول علاجه الذي ينساه رغم بساطته، أشاح بيده:
-بعد التمرين.
-الأن كابتن.
أصررت بابتسامة، بينما يصعد تي جيه ليستعد مع الجميع، شعرت بحرارة جسده حينما مر جانبي، يقف على مقربة مني يتمتم للمدرب:
-استبداد.
وافقه الكابتن بابتسامة صغيرة للغاية:
-لا يمكنني الموافقة أكثر.
قلبت عيني نحوه ورفعت جهازي اللوحي:
-يمكنني استعداء قوات أعلى؟
أعني الاتصال بزوجته، فانصاع وأخرج القرص الصغير من غلبة الأقراص في جيبه وأخذه.
لم يكن هناك شجار لفظي اليوم؛ بل هدنة مشحونة بالتوتر فرضها غرور كل واحد منا.
كان تي جيه يسبح بقوة ضارية، لكني لاحظتُ بذهول أنه يتعمد ألا يعدل زاوية كوعه، يسرع بشدة، ولا يسيطر على تنفسه وحركته كأنه يتحدني أن أتحداه، ثم يعدل كل ذلك في اللفة التالية ولا يترك مجال لأي ملاحظات.
يقصد زيادة ارتباكي، يزعجني لا لشيء سوى إنه يحب ذلك، وليثبت لي أنه الأفضل.
وعندما رفع رأسه عند نهاية الحافة لتلتقي عيناه الزرقاوان بعيني، امتدت بيننا نظرة صامتة وثقيلة عبر الماء، نظرة حملت بقايا ارتباك ليلة الأمس والدقيقة التي غلفنا فيها ارتباك غريب.
بابتسامة مغرورة ونبرة صوت عميقة ومتهكمة:
-أخبريني جود؛ هل جربتِ من قبل النزول للماء وفهم ديماميكية السباحة وما يحدث داخل الماء وكيف يتغير كيمياء وفيزياء الجسد في الماء وليس على الورق.
رفعت نظرت من فوق الساعة والجهاز اللوحي، كان يستند فوق على حافة المسبح ولم يخرج بعد، مطيت شفتي:
-ديناميكية الجسد التي تتحدث عنه تخضع لقوانين الفيزياء التي تكتب على الورق، وهو ما. يجعلني أعرف أنك خرقتها في أخر جولة.
رفع حاجبه بغرور، فتابعت:
-مثلًا هل تعرف لماذا وقتك في آخر 50 متر تراجع بـ 0.4 ثانية؟
عقد ذراعيه مستهزأً وهو في الماء كأنه يملك الإجابة:
-لأنني شعرت ببعض الإرهاق، هذا كل ما في الأمر، نحن تتدرب منذ ثلاث ساعات.
نهضت من المقعد الذي أجلس عليه بعدما أغلقت الحاسوب اللوحي:
-خطأ جسدك يمكنه تحمل أكثر من ذلك وأنت تعرف ذلك.
قلتها لأنها حقيقة ولكن غروره برز كهالة حوله، فتابعت بنبرة واثقة علمية وواضحة:
-دراستي في الهندسة الحيوية للحركة تقول أن السبب هو أنك أثناء سحبة الذراع، زاوية كوعك تهبط بمقدار 15 درجة عن الوضع المثالي. هذا الهبوط الصغير يحول ذراعك من مجداف يدفع الماء للخلف، إلى مساحة سطح تزيد من مقاومة الماء ضد جسدك.
تختفي ابتسامته تدريجياً، وينظر إلىَّ باهتمام وجدية:
-ماذا تقصدين؟
أتقدم خطوة نحو حافة المسبح، وأشير بقلمي إلى كتفه لأتفادى ملامسته:
-أقصد أنك تستهلك طاقة مضاعفة في الدوران لتعويض هذا الخلل، لو أنك رفعت كوعك بمقدار إنش واحد إضافي عند الانزلاق، ستخترق الماء مثل السكين، وستوفر 8% من طاقة عضلاتك للنهاية وتبقى الأول.
يصمت لثوانٍ، يمرر يده في شعره المبتل، ثم يقترب من الحافة وينظر نحوى بنظرة مليئة بالتحدي شيئا ما آخر سرعان ما يخفيه عائد تحوى التحدى:
- حسنًت، كلامكِ يبدو منطقيًا على الورق، ولكن ما رأيكِ إذن أن تنزلي إلى الماء وتعدلي لي زاوية كوعي بنفسك؟ لنرى إن كانت نظرياتكِ الأكاديمية تعمل في الأعماق.
شعرت بوخزة خوف مفاجئة في قلبي من فكرة نزول الماء خصوصًا أنه من مهامي فعل ذلك ولكن لم يطلب المدرب أو أحد، حافظت على قناع البرود وتراجعت خطوة للخلف كأنه صبي صغير يمكنه جذبي فجأة كمزحة سخيفة:
-وظيفتي هي أن أكون العقل الذي يوجهك من الخارج، أما التطبيق... فهذا عملك أنت، إن كنت ذكيًا بما يكفي لتستمع وتنفذ.
صعد فجأة من المسبح، حركاته سريعة ورشيقة وجسده لديه الكثير من العضلات، وأحاول ملاحقة عيني من تتبعهم.
مرر لسانه داخل وجنته، ابتسامته متلاعبة متسلية ونظراته ثاقبة تحاول احترافي:
-حسنًا كابتن، سوف انتظرك حتى تريني كيف أصلاح أخطائي.
ارتفع حاجبي وجدت نفسي أتحديه بالمثل:
-تدريبك اليوم انتهي، حتى المرة القادمة تي جيه.
--
مرت ساعات النهار بطيئة وقاتلة بين أروقة الجامعة والكتب، ثم ذهبت للغداء ومحاولة النوم في أحدى غرف صديقاتي التي تعيش في الحرم الجامعي، ولكنني وجدت اتصال من المدرب مونتي يطلب مني الذهاب للتدريب الجاف مع الفريق في الصالة الرياضية لأنه لن يستطيع المجئ بسبب اجتماع ما.
جررت نفسي واستعرت ثياب للرياضة من صديقتي، سروال ليجنز أسود وتيشيرت أسود واسع، حذاء مطاطي ورفعت شعري في كعكة مرتخية.
حين دقت الساعة السادسة مساءً، وحان موعد تدريب الجيم الجاف، دخلتُ الصالة والأضواء الكبرى للنادي قد أُطفئت لتعوضها إضاءة خافتة تناسب هدوء المساء، وهناك، في زاوية معزولة خلف أجهزة الحديد، كان تي جيه بانتظاري، بينما تومي يحملون الأوزان!
بالطبع اليوم يوجد أي جيه مرة أخرى!
بدأ كلا منهم، يعرفون نظامهم، ولكن أنا هنا للمراقبة، تي جيه يؤدي تمارين الرفع المميت.
كان يقف في زاوية بعيدة، يرتدي قميص أسود بلا أكمام كشف عن اتساع أكتافه العريضة، وشورت رياضي أسود كذلك يرتفع فوق ركبتيه ليبرز عضلات فخذيه القويتين والمنحوتتين وهي تشتد بعنفوان مع كل رفعة للبار الحديدي.
جسده يفرز حرارة ملموسة، أنا بعيدة عنه أشعر بها، حبات العرق تلمع على بشرته البيضاء الدافئة تحت الضوء الخافت، لتبدو بنيته المثالية كمنحوتة تنبض بالحياة وسط عتمة الصالة.
تشتت تركيزي ثم تشتت من جديد مع تومي ذو البنية الضعيفة قليلًا، محاولاته لصناعة عضلات ضخمة سوف تسبب له بالعجز، ثم عدت للنظر نحو متخفية خلف كوني مساعدة مدرب، مدربة ثانية وهذه وظيفتي.
خطوت نحوه بخطوات واثقة، وتتحدثت بنبرة حادة:
-توقف فوراً تي جيه، انحناء أسفل ظهرك أثناء رفع الوزن كارثي، ولا نحتاج في الفريق لسباح مصاب بإنزلاق غضروفي الأسبوع القادم.
أخفض الوزن الثقيل على الأرض بضربة أحدثت صدى قويًا، كيف يحمل كل ذلك ببساطة، يبدو كفيديوهات التيك توك حين يدخل رجل ضعيف الجيم ويحمل بار ضخم بمنتهى السهولة، التفت إلىَّ ببطء، أنفاسه متلاحقة وعضلات صدره تتحرك بعنف، وينظر إلىَّ بنظرة مستفزة:
-أوه جود جاءت هنا كذلك لإصدار الأوامر، لو كنتِ تشعرين بالملل من الورق، يمكنكِ ببساطة الاعتراف بأنكِ تحبين التحديق والتأمل عضلاتي وهي تعمل.
تقدمت خطوة إضافية بعناد، متجاهلة سخافته، وضعت زجاجة المياه الخاصة بيه:
-وفر ثقتك الذكورية الزائدة لنفسك, اقترب واعتدل، وسوف أريك هذه المرة أين يكمن الخلل في ارتكازك.
اشتعل التحدي مرة أخرى في عيناه، تقدم خطوتين وكاد يرتطم به، مستغلًا فارق الطول وبنيته الضخمة التي تحجب عني الضوء وتمنحني الحرارة، يهمس بنبرته الجهورية العميقة والمبحوحة من الرياضة:
-أنا مستعد، أريني كيف تعدلين وضعيتي.
حبيت أنفاسي لثانية بسبب جاذبيته القريبة ورائحة مزيل العرق القوبة والجهد المنبعث منه، وددت التراجع والشرح من بعيد لكن كبريائي منعني من ذلك، دفعت يدي لأشير له بوضيعة الرفع، ثم دفعت أطراف أصابعى لأسفل ظهره المقوس بعناية لتعديل الاستقامة، جسده حار أسفل يدي، حرارته تخترق قميصه نحو بشرة يدي، كلماتي بطيئة وأحاول بشدة التركيز عليها كي لا تهرب:
-افرد جذعك هنا، عضلات بطنك السداسية التي تتفاخر بها يجب أن تكون مشدودة للداخل لتدعم العمود الفقري، وليس مرتخية للاستعراض.
يتصلب جسده بالكامل عند ملامسة أصابعى الباردة لجلده الدافئ، وتختفي ابتسامته الساخرة ليحل محلها وجم غريب، لا أفهمه، ينظر لأسفل نحو عيني مباشرة ويقول بصوت منخفض وهامس جدًا:
-يدكِ باردة جداً يا جود، هل متوترة جود؟
ابتلعت أنفاسي ولا أستطيع الهرب من نظراته، أشعر كأنني فتاة صغيرة، يتابع ببطء وتنفسه عالي حاد:
-أشعر بدقات قلبكِ من خلال أناملكِ، هل يرتجف قلبكِ هكذا دائمًا عندما تقتربين من المعادلات الحية؟
يرفع عينه نحوى، حيز تنفسنا واحد، رائحته وصوت نفسه وحرارة جسده وعمق صوته، يجعلنا قدمي كالورق، بالكاد يمكنني الوقوف.
أشعر بكهرباء تسري في جسدي، وأدرك في هذه اللحظة أن الشد والجذب بيننا تخطى حدود العمل، تحدي بين اثنين لا يحبان بعضهما، أسحب يدى بسرعة والتقطت زجاجتي كدرع حامي، أتراجع خطوة للخلف بنبرة متلعثمة تحاول إخفاءها:
-أنا.. الـ.. المعادلات لا تملك غرور لا نهائي مثل غرورك، ارفع الوزن الآن بالوضعية الصحيحة، أو تابع حتى تحصل على انزلاق غضروفي.
يمرر يده في شعره الأسود الكثيف ببطء، وتلمع عيناه الزرقاوان بنظرة تحمل مزيجاً من التحدي والجاذبية الآسرة، جاذبية تزعجني:
-هل تعرفين ماذا؟ سوف أرفعه من أجلكِ فقط لكي تستمري في مراقبتي لأنكِ لا يمكن أن تفعلي شيء أخر جود.
وطوال الساعة التالية لم يرفع تي جيه عينه عني، في كل تمرين وحركة وحتى وهو يجترع الماء من زجاجته الباهظة التي تحمل أحرف اسمه.
لم أستطع التركيز، لم أستطع التنفس بشكل طبيعي، لم أستطع فعل أى شيء سوى مراقبته.
لا أعرف ماذا أفعل، قلبي يدق بسرعة، ساقي ضعيفة، أنفاسي ثقيلة، وعقلي مشوش.
جود انطلقتْ نبرةُ صوتِهِ العميقة الخافتة المبحوحةُ يملؤهُ الصدقُ والجوع، والإرهاق، كأن يوم واحد أنهاكه: -أنا لا أهتم بالمكان والوقت، لا أهتم بأي شيء، سوف نتكلم وننهى ذلك الآن.. ماذا سمعتِ عن رينيا ومَمن؟ هذا الحسم القاطع يزيده جاذبية لحد يفوق قدرة أي امرأة على التحمل، هذه السيطرة التي يفرضها دون أن بمسني تصهرني لحد أنصهر معه، ابتلع ريقي، أنفاسي تضرب وجهه المنحنى علىَّ، جسدي ينجذب للاحتكاك بجسده كقطبين مضادان. -من رينيا نفسها، كانت تتخدث لخالتها التي هي البروفيسورة المشرفة على بحثى، والتي كنت في مكتبها. لم يفك حصاري، بل انحنى أكثر وفكه يتشدد، يهز رأسه بهمهمة عميقة لأتابع: -أخبرتها أنها لديها مشاعر لك، وأنكما علاقة مستمرة منذ فترة، وأنك في مرحلة انتقالية مهمة وتحتاج الاستقرار وهي الخيار الأنسب لك. مررت لساني فوق شفتي، وعيناه توقفت فوقهما، الهواء يثقل ويتباطئ حولنا، أضافت بنبرة واضحة المعني: -وأي شيء آخر هو علاقة عابرة في مرحلة انتقالية. ضغط شفتيه معًا، عيناه دارت ثم عادت تركز على وجهي: -أي هراء المرحلة الانتقالية هذا؟ أنا لست في مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما أفعله، أنا
جود حينَ دَلَفْتُ عبرَ البابِ الحديديِّ المؤدي إلى المسبحِ الأولمبي في تمامِ الخامسة وخمسة عشرة دقيقة فجرًا، كانَ الضبابُ الكثيفُ يلتفُّ حولَ الحوافِّ الرخاميةِ كغشاء رماديّ. لماذا متأخرة؟ لأنني أردت تجنب وجودي معه وحدنا، أردت التأكد من وصول الجميع أولًا لأنني لازلت أرتعش داخليًا، لازال كل شيء متصخم في نفسي، ولا أفهمه، أو لا أريد أن أدركه. وقد كنتُ أظنُّ أنني واجهتُ الأسوأ بالأمسِ، أنني أدركت كل شيء، ثم خسرت كرامتى حينَ استسلمتُ لدموعي خلفَ بابِ شقتي، منحته صك بأنني أهيم وغير قادرة على السيطرة على مشاعرى. لكنَّ ما رأيتهُ في تلكَ الثانيةِ جعلَ نبضَ ساعتي الرقميةِ يثبُ وثبةً جنونيةً أطاحتْ بكلِّ ثباتي مرة أخرى بعد أن بالكاد لملمت أشلائه. كانَ يقفُ هناك، بجسدِهِ الرياضيِّ الطاغي وعضلاتِ ظهرِهِ العريضةِ التي تقطرُ ماءً إثرَ سباحةٍ عنيفة، وأمامه تمامًا، كانتْ تقفُ رينيا. كانتْ تضعُ يدَها على ذراعِهِ المبللةِ بجرأةٍ أشعلتْ في عروقي موجةً من الغليانِ لم أعهدْها في نفسي أبدًا، في تلكَ اللحظةِ تحديدًا، انقشعَ البرودُ الذي كنتُ أحتمي خلفَهُ دائمًا، واكتشفتُ وجهًا مرعبًا لـ نفس
تي جيه دخلتْ ترتدي معطفًا شتويًّا، وعيناها تلمعانِ بإصرارٍ غريبٍ ونوعًا سخيف، تراجعتُ خطوةً للخلف، وهتفت بنبرةٍ حادةٍ وقاطعةٍ كالسكين: -ماذا بحق الجحيم تفعلين هنا رينيا؟ منذُ متى وأنتِ تأتي إلى هنا؟ لم تلتفتْ لغضبي، بل تقدمتْ بعنادٍ، وضعتْ يدَها على ذراعي، نبرة لاهثة، وجنتيها متوردة وأنفاسها متقطعة قليلًا: -أعرف أنك تأتي مبكرًا.. وأنا حقًا أريد أن أتحدث معك. -في ماذا؟ كادت أن ترد لكنني أضافت وعيني تتابع البوابة: -لقد تحدثنا في كل شيء، ووضحت كل شيء. التقطت أنفاسها، هدأت ثم استقامت، كأنه تصطنع ما تفعل: -تي جيه، اسمعني أرجوك!، أنا لا أستطيعُ العيشَ بدونك.. تلكَ العلاقةُ لم تكنْ كافيةً لي.. صمتت هنية، ثم سحبت نفسًا عميقًا: -أنا أحبكَ، وأريدُ فرصةً حقيقيةً معك، فرصة حقيقية لعلاقتنا. -لا يوجد علاقتنا! هتفتُ بعدم صبر، وسحبتُ ذراعي بعنفٍ مفرطٍ جعلَها تترنح، وتابعتُ بغليان: -نحن كنا نمارس الجنس بشكل عابر، لم أمنحكِ أي ألتزام، لم أقل أي شئ يوحى لكِ عكس ذلك. احتدت نظرتها، نظرت حولها ثم نحوي في عناد غبي: -ولكن هذه مرحلة انتقالية مهمة في حياتك، تحتاج لعلاقة مستقرة و
جود كانت شقتي غارقةً في ظلامٍ دامسٍ باستثناء الوميض الأزرق الخافت الذي ينبعثُ من شاشةِ هاتفي المحمول. جلستُ على الأرضِ الباردة، مسندةً ظهري إلى خشبِ باب غرفتي، بعد أن أغلقتُ باب الشقة في وجهِ تي جيه، ودموعي تنسابُ في صمتٍ مالحٍ حررَ كلَّ الكبتِ والتوترِ اللذَينِ عشتُهما طوالَ اليوم. لقد مر ساعة وأنا جالسة خلف باب غرفتي، أبكى كما لو أنه هذا كل ما أريد فعله في الحياة، كل ما أنا قادرة عليه، على الأقل في هذه الليلة. كلماته، ما قاله لى بدا كمجرة جديدة يدخلني إليها عنوة، مجرة للتو خاضت لحظة انفجارها، ووسط هذا أدخلني بفعل الجاذبية، والأسوأ أنني لا أريد الرحيل، أريد البقاء وسط هذه الانفجارات وأشكل بناء المجرة معه. وهذا خاطئ. لا أعرف لماذا، ولا النتائج التي جعلتني أفكر في ذلك ولكنه خاطئ، لأن هذا النوع من الجاذبية النارية المشتعلة التي تتفجر بيننا من مجرد نظرة أو مكالمة أو رسالة ليست صحية، لا توحي بعلاقة صحية، سوف نحترق فيها لا محالة. ولكنني أريد هذه الجاذبية، أريد ذلك الأنصهار، لكن إذا كان هذا مجرد مرحلة عابرة، علاقة جنسية سوف تخفت وتبهت وأصبح مثل رينيا! أريده وهو مع أخرىى سوف يق
تي جيه توقفت أنفاسي، رينيا؟ أين سمعتها؟ ماذا قالت بالضبط؟ هذا سيء! تابعت جود بصوت متهدج يملؤه البكاء، وأنا عاجز عن فعل شئء، وكسر الباب اللعين يبدو الحل الوحيد لكنني لا أريد إخافتها أكثر: -أنت.. أنت.. لا أنا.. أنا لن أكون مجرد رقم في قائمة علاقاتك السخيفة، لن أكون الفتاة التالية حتى لو كنت رقم واحد على قائمتك الآن. شعرت وكأن جدارًا أسمنتيًا هبط على رأسي، لقد مزحت في وقت خاطئ، زدت شعورها فوق التفسير الخاطئ، لقد أساءت فهم كل شيء، وتلك رينيا التي تحكي أشياء عن علاقة تجمعنا سوف أتعامل معها! ومالها ومرحلتي الانتقالية، أي مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما الذي أريد فعله. أندفع اهتياج يأس داخلي، حاولت دفع الباب بقوة كفي، وهتفت بلهفة يائسة: -جود! هذا هراء، لا تجمعني برينيا أي علاقة.. كانت هناك ولكن ليست تلك النوعية من العلاقات، وأنا لست في مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما الذي سوف أفعله.. أرجوكِ أفتحي الباب ودعيني أشرح لكِ، أقسم أن الأمر ليس كما تظنين. -رفيقتي هنا.. من فضلك أذهب. ردت من بين بكائها: -لا لقد ذهبت، أنا رأتها، أنا جلست لمدة أربعين دقيقة لا أعرف ما الذي أفعله حتى
تي جيه هي تريد أن تجعلني أجن هذه هدفها، وهي جيدة للغاية في الوصول إليها، لأنها بكل الطرق تفيدني عقلي. في البداية بالوحدة والعتاد، ثم الرقة في أن تفضي لى بخوفها والحادثة، ثم بحرارتها المشتعلة بيني بدي وكونني أول رجل يلمسها، ثم بذكائها وسخريتها، ثم بالغيرة التي تشعلها فيه، وأخيرًا ببرودها الذي يشتعل مثلها تمامًا! في كل مرة تنجح في أن تجعلني أجن، تفقدني تعلقي وسيطرتي. سحبتُ شهيقًا حادًّا كاد يمزق صدري وأنا أراقب طيف مؤخرة سيارتها يختفي وسط ضباب سياتل ومطرها اللعين. تبًا، لم أكن أفهم أي شيء أبدًا، تلك المرأة التي كانت تنام بين ذراعيّ قبل يومين، مستسلمة تمامًا لنبرة صوتي وضربات قلبي، تحولت اليوم إلى جدار من الجليد الصلب، تتعمد الإطاحة بي، مصابقتي، وتوجه اهتمامها لبقية أعضاء فريقي وتلقي بخاص باهتمامها ونبرتها التشجيعية لجاك اللعين وكأن كل ما بيننا لم يحدث. أقسم أنني بسببها سوف أقتل جاك، أنا لا أحبه على أي حال. ارتديت كنزتي السوداء على عجل، والدم يغلي في عروقي بغضب. ركبت سيارتي، وشغلت المحرك الذي زأر بعنف يماثل الإعصار داخل رأسي. لم يكن هناك مجال للتفكير أو التردد؛ شخصيتي لم







