Masukساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشرة وصارمة من "مالك الراوي" لحسم ملف الشيك البنكي الملعون الذي تركه الماضي كاللغم الموقوت ليهدد شرف العائلة. كان وجه آسر شاحباً من فرط الإرهاق، لكن عينيه كانت تلمعان ببريق الجدية؛ فالمهمة الليلة لم تكن تصفية حسابات مالية في البورصة، بل كانت عملية بتر لأخر عروق الخيانة قبل أن تلوث اسم الراوي في المحاكم الدولية.
انفتح الباب الحديدي للزنزانة بصوت صرير حاد ومزعج، ليتفاجأ "طارق الراوي" القابع على الكرسي الحديدي بدخول آسر. كان طارق يرتدي ملابس السجن الزرقاء، ووجهه ملطخ بالكدمات والندوب إثر المطاردة القديمة، لكن عينه كانت ما تزال تشع بحقد دفين وجنون لا ينطفئ. رفع رأسه ببطء، ورمق آسر بابتسامة شماتة ثعلبية، وقال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:
— أهلاً أهلاً يا آسر.. يا كلب مالك الراوي المطيع! جيت لغاية هنا في نص الليل ليه؟ مالك باشا بعتك عشان تترجاني وتطلب الأمان؟ الشيك البنكي اللي موقع باسم شاهيناز هانم لتمويل الشحنة الدولية هيحرق إمبراطوريتكم كلها، ومالك بكره الصبح هيلاقي نفسه مطلوب للإنتربول الدولي لو الورقة دي راحت للنيابة!
لم يحرك كلام طارق المستفز شعرة واحدة في وجه آسر الصارم؛ بل تقدم خطوة، وبحركة خاطفة وسريعة، قبض بيده القوية على ياقة قميص طارق الزرقاء وعنّفه بقوة جعلت الكرسي الحديدي يرتطم بالجدار الخرساني بعنف، وقرب وجهه منه ليتحدث بصوت منخفض كالموت الحتمي:
— اسمعني كويس يا طارق.. وقت اللعب والمساومات الرخيصة انتهى. مالك الراوي بعتلك رسالة واحدة ونهائية.. الشيك الأصلي والتحويلات القديمة اللي مخبيها تتسلم لرجالتنا في ظرف 24 ساعة، وبالمقابل مالك هيضمن إنك تفضل عايش في زنزانتك وميتنفذش فيك حكم الإعدام بتهمة الإرهـ،ـاب الدولي وتخريب الأمن القومي اللي لبستهالك كارما السيوفي بارح! لو الورقة دي مظهرتش قبل فجر بكره.. قسماً بجلال الله، مالك بنفسه هيطلع أمر بتصفيتك جوه الزنزانة دي قبل ما تلمح ضوء النهار! اللي بيلعب مع عيلة الراوي في الشرف والاسم، بيكون حفر قبره بإيده يا طارق!
امقع وجه طارق تماماً، وتلاشت ابتسامة الشماتة من عينه ليحل محلها رعب حقيقي وشحوب الموت؛ فهو يعلم جيداً أن مالك الراوي إذا غضب، لا يعرف الرحمة، وأن كبرياءه وجبروته بعد الحادثة جعلاه أشد شراسة وقدرة على محو أعدائه بكلمة واحدة. بلع ريقه بتلعثم وتوتر، وقال بنبرة مكسورة:
— الملف.. الملف الأصلي بالشيك والتحويلات مخبى في شقة سرية باسم وهمي في منطقة التجمع الخامس.. المفتاح مع البواب القديم للعمارة، خذوه وسيبوني نعيش.. أنا مش عايز نموت هنا يا آسر!
أفلته آسر بعنف طبعه على الأرض، والتفت لرجال الحراسة وقال بحسم:
— خذوا المفتاح والتحريات، وتحركوا حالا مع القوة الخاصة للتجمع الخامس! مش عايز ورقة واحدة تفلت من إيدكم، والملف ده يتحرق قدام عيني قبل ما الفجر يصحى! اللعبة انتهت يا طارق، والاسم هيفضل نظيف غصب عن عينك!
وفي نفس الليلة، وداخل قصر عائلة "الراوي" الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي.. كانت الأجواء غارقة في رداء من السكينة والرومانسية الدافئة التي تلتئم معها جروح المآسي القديمة تحت ظلال العهد المكتوب بالحب الصادق ونقاء القلوب.
في الجناح الرئيسي الفخم، كانت خيوط الليل المتأخر تتسلل بنعومة من بين شقوق الستائر الحريرية الشفافة، لتلقي بظلالها الدافئة على "تولين" التي كانت تجلس على حافة الفراش الملكي الفسيح، وترتدي ثوب نوم رقيق من الستان الأبيض المطرز بدانتيل ناعم يبرز رقة جسدها وعينيها الواسعتين اللامعتين ببريق المشاعر الدافئة والعشق الجارف. كانت تمسك بفرشاة صغيرة وتصفف شعرها الحريري الداكن بعفوية ساحرة، وعيناها معلقتان بـ"مالك" الذي كان يقف أمام مكتبه الصغير داخل الجناح، يلملم بعض الأوراق المالية بحركة بطيئة أظهرت الإنهاك الجسدي العنيف الذي ينهش موضع بتر ساقه اليمنى إثر وقفته الطويلة طوال النهار في اجتماع مجلس الإدارة بالشركة.
التفت "مالك" نحوها، وترك أوراقه جانباً، وتناول عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص ليستند عليها بخطوات باتت أكثر ثباتاً وعناداً. مشى نحو الفراش، وصوت ضربات عصاه على الأرضية الخشبية يصدر نغمة متزنة وحازمة تملأ الأركان بالهيبة والأمان. جلس بجانبها ببطء، وألقى بالعصا جانباً، ونظر في عينيها الواسعتين مباشرة بنظرة طويلة، عميقة، صهرت بقايا الجليد والجفاء القديم في صدره، وامتدت يده الكبيرة الطويلة لتمسح على وجنتها الوردية الخلابة بحنان حارق جعل نبضات قلبها تتسارع بعنف.
قال "مالك" بصوته الجهوري المنخفض والدافئ الذي تفيض منه أصدق معاني الرومانسية العذبة والوجع الشافي:
— تولين.. أنا طول عمري كنت فاكر إن الجواز والستات مجرد فرض عائلي وواجب بنعمله عشان نضمن الحصص وتوزيع الثروة في السوق.. الحادثة دي، والكلاب اللي غدروا بيا من دمي، علموني إن الثروة الوحيدة الحقيقية اللي بتخلي الراجل يقف بطوله ويهز الدنيا هي نقاء قلبك وحضنك ده يا تولين. أنا آسف.. آسف على كل ليلة سبتك فيها تبكي جنب حوض الورد وأنا قافل قلبي بقفل حديد وجاي أتعامل معاكي كأني لوح ثلج.. أنتي بقيتي روحي، والساق اللي بتمشى بيها والعين اللي بتشوف بيها الدنيا بجد.
انهمرت دمعة حارة من عين "تولين" وسقطت فوق كفه الكبيرة الدافئة، واقتربت منه أكثر لتدفن وجهها الشاحب في صدره العريض وتستمع لدقات قلبه المتسارعة التي تنبض باسمها وحده، وهمست بنبرة صوت ناعمة كالحرير أذابت كيانه:
— مفيش أسف بيننا يا مالك.. أنا قولتلك وعيني في عينيك إن وجعك هو وجعي، وكبرياءك هو كبريائي.. أنا مش عايزة من الدنيا دي كلها غير إنك ترجعلي كل ليلة بالسلامة، وتقفل عليا باب أوضتك وحضنك ده عشان ننسى سوا قذارة الوحوش بره. عيلتنا صانت شرفها، وحبك ليا هو التاج اللي بتربع بيه على عرش القصر ده للأبد.. ارتاح يا حبيبي.. ارتاح في حضني وم تخافش من بكرة طول ما إيدي في إيدك.
شعر "مالك" بغصة خنقت حنجرته من فرط الامتنان والعشق الجارف، وأحاط خصرها بذراعه اليسرى القوية، وضامها إلى صدره العريض بقوة كادت تدمج جسديهما وروحيها معاً في كيان واحد لا ينفصل. انحنى وطبع قبلة حانية دافئة وطويلة وطاغية فوق شفتيها الرقيقتين، قبلة امتزجت فيها لوعة ماضيه القاسي بنقاء حاضرها الصادق العذب، قبلة أعلنت سيادتهما المطلقة وعرشهما الجديد الذي بُني فوق حطام المؤامرات والدسائس الدولية. امتدت يده لتقبّل كفها الصغيرة وتضمد جروح معصميها بقبلات حانية جعلت وجنتيها تشتعلان بالخجل الخلاب، وأسند رأسه الفاخر فوق كتفها الرقيق ليستسلم تماماً لدفء أمانها ونقائها الذي حماه من الموت وثبّت حصون حبهما للأبد.
عند الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي..
أشرقت الشمس بالكامل لتنير المقر الرئيسي لشركات "الراوي" بوسط العاصمة، وأصداء الانتصار في البورصة كانت ما تزال تملأ الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. دخل "آسر" إلى المكتب الرئيسي بوجه تملأه الراحة والابتسامة الواسعة، وقدم لـ"مالك" الذي كان يجلس خلف مكتبه بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي وبجانبه عصاه الأبنوسية الفخمة، ملفاً معدنياً محروق الأطراف:
— مالك باشا.. كله تمام يا صاحبي. الرجالة كبست على الشقة السرية في التجمع الخامس الفجر وجبنا الملف الأصلي بالشيك والتحويلات القديمة بتاعة شاهيناز هانم.. وتم حرق المستندات بالكامل قدام عيني ومبقاش ليها أي أثر قانوني أو رسمي في الدنيا! اسم أبوق الله يرحمه وشرف العيلة بريء ونظيف بنسبة مية في المية، وطارق وقع على تنازل وصمت كامل ومش هيفتح بقه تاني لحد ما يتنفذ فيه الحكم القانوني! الإمبراطورية صفت ل وبقيت الملك المطلق للسوق من غير أي لغم يهدد حصوننا!
تنفس "ياسين" الصعداء وقال بفرحة عارمة وهو يحتضن آسر:
— الحمد لله يا رب.. كابوس وانتهى بالكامل، والنهارده بنعلن تصفية كل الحاقدين بره وجوه البيت! شركات الراوي قايمة على الأصول والنقاء الصادق، ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمس شعرة من بيتنا تاني بعد ما الأقنعة كلها سقطت وانقشعت العاصفة الدولية برضاها!
هز "مالك" رأسه بصلابة كالصخر ووقار حازم، وضرب بعصاه الأبنوسية على الأرضية الرخامية ضربة أحدثت رنيناً مدوياً هز أركان البرج الزجاجي، ونظر في عيني شقيقه وصديقه بنبرة صوت استعادت كل الجبروت والسيادة المطلقة:
— عيلة الراوي مش بتلوي دراعها يا جماعة.. والكلاب اللي حاولوا يهدوا حصون حبنا وشغلنا بقوا تحت رجلينا وفي السجون.. من النهارده، إحنا بندير السوق بقوانيننا إحنا وبس، والشركة هتكبر وتوسع بنقاء الأصول اللي اتربينا عليها.. ياسين.. آسر.. جهزوا أوراق الصفقة الدولية الجديدة لقطاع الموانئ، إحنا داخلين مرحلة السيادة المطلقة وما حدش هيوقفنا!
وفي نفس اللحظة، وعودة إلى حديقة القصر بجاردن سيتي.. ومع نسمات الظهيرة المنعشة التي كانت تداعب أوراق الياسمين والورد البري، كانت "تولين" تقف بجوار "حوض الورد" المفضل لديها. كانت تمسك بدلو صغير وترش الماء فوق الزهور البيضاء والحمراء المتفتحة بشرود تلمس فيه جرح الماضي الذي شُفي بالكامل تحت ظلال العهد الجديد. لم تعد تلك الفتاة الحساسة المكسورة التي تبكي خلف الجدران؛ بل أصبحت الملكة المتوجة الممتلئة بالثقة والنقاء الصادق.
انفتح الباب الجانبي للفيلا، وخرج "مالك" بعد عودته المبكرة من الشركة ليكون بجوار زوجته وحبيبته بناءً على وعده القديم. كان يتحرك بخطوات بطيئة لكنها ثابتة وقوية مستنداً على عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي والماس اللامع تحت أشعة الشمس. عندما رأته "تولين"، تركت الدلو من يدها وركضت نحوه بخطوات رقيقة مفعمة بالعشق، وارتمت بين أحضانه العريضة وهي تبتسم بنقاء وسعادة غامرة.
أحاطها "مالك" بذراعه القوية، وترك عصاه تستند على سور الرخام لحوض الورد، وقبل رأسها بحنان حارق وطول أذاب بقايا الوجع البشري في روحهما. تلاقت أعينهما في نظرة طويلة تفيض بالرومانسية الدافئة والسيادة المطلقة، ونظرا معاً نحو الأفق الواسع الواعد، وتيقنا في تلك اللحظة الساحرة والخالدة أن فصول الدموع والمؤامرات قد انقشعت بالكامل دون رجعة، وأن ملحمة العشق والسيادة لعائلة "الراوي" قد تربع نقاؤها الصادق فوق عرش القلوب للأبد، لتكتب بحروف من نور تاريخ "أسياد الوجع" الذين انتصروا على الوجع بالحب الأبدي الصامد!
وعلى الرغم من أن الهدوء قد لفّ "حوض الورد" وتوج عهدهما بالقبلات والوعود الصادقة، إلا أن القدر في عالم رجال الأعمال لا يترك العروش مستقرة لفترة طويلة.
بينما كانت "تولين" تستند برأسها على صدر "مالك" العريض وتستمع لدقات قلبه الدافئة، رنّ هاتف مالك الشخصي بنغمة خاصة صامتة لا يملك سرها سوى "آسر". أخرج مالك الهاتف ببطء، وضغط على زر الرد ليأتيه صوت آسر من الطرف الآخر، لكن النبرة لم تكن نبرة ارتياح بحرق الملف القديم.. بل كان صوتاً يرتعش برعب حقيقي وجنون شلّ الأنفاس:
— مالك.. المصيبة مخلصتش بحرق شيك شاهيناز هانم وطحن رأفت المنشاوي! الرجالة وهم بيفتشوا الخزنة السرية للشقة في التجمع، لقوا مذكرات ومراسلات مخفية لـ"شاكر الجويلي" قبل ما يدخل السجن.. مذكرات مكتوبة بخط إيده وبتاريخ قديم من عشرين سنة!
تصلب جسد "مالك" فجأة، وابتعدت تولين عنه بنظرة توجس وقلق أعادت عقارب الساعة للوراء. انخفض صوت مالك ليتحول إلى فحيح صارم:
— انطق يا آسر.. المذكرات دي فيها إيه يقلب الدنيا كدا؟ شاكر الجويلي مات قانونياً بالنسبة لينا.
جاءه صوت "آسر" لاهثاً وكأنه يلقي بقنبلة موقوتة ستهد جدران القصر فوق رؤوسهم:
— شاكر كاتب إن عاصم الراوي.. عمك عاصم اللي ربّاك واللي سلمك تولين بارح.. مش هو الشريك النظيف اللي كبر الإمبراطورية بالأصول! شاكر كاتب بالورق والمستندات إن عاصم هو المحرك الخفي القديم اللي قتل أبوك وأمك في حادثة طريق الصعيد من عشرين سنة عشان يستولي على الحصص الحاكمة ويصبح هو كبير العيلة! والمصيبة الأكبر.. إن شاكر كاتب إن تولين كانت عارفة بالسر ده من وهي طفلة، وإنها وافقت تتجوزك وتدخل جناحك دلوقتي بس عشان تضمن إنك متنبشش ورا الماضي وتكتشف إن أبوها هو اللي دمر حياتك ورجلك!!
تسمر "مالك" في مكانه كأن صاعقة من الجحيم قد ضربت كيانه، واهتزت قبضته على العصا الأبنوسية الفخمة حتى كادت تنكسر بين أصابعه. التفت ببطء مرعب نحو "تولين" التي كانت تنظر إليه بعينين متسعتين برعب طفلي، بعد أن رأت ملامحه الوادعة تتحول في ثانية واحدة إلى قناع من الرخام الأسود القاتل وعينين تشعان بنيران الشك والموت الحتمي.
فهل كان عشق "تولين" نقاءً خالصاً أم كان قناعاً جميلاً لحماية أب ملوث بالدماء؟ وكيف سيواجه "مالك" عمّه وعروسه بعد أن انفتح باب الجحيم القديم ليعلن عن بدء حرب عائلية دامية ومزلزلة ستحرق الأخضر واليابس في قصر "الراوي"؟!
لم يكن صمت الحديقة المحيطة بـ"حوض الورد" في تلك اللحظة صمتَ طمأنينة، بل كان أشبه بالبرود الذي يسبق انفجار المدافع في ساحات القتال. انقطع خط الهاتف مع "آسر" فجأة، لكن كلماته الأخيرة بقيت تدوي في أذن "مالك الراوي" كصاعقة مسمومة شطرت روحه إلى نصفين، وهشمت ذلك الحصن الدافئ الذي ظن أنه بناه فوق رماد المؤامرات الدولية.تصلب جسد "مالك" القوي بكامل طوله، وعروق جبهته ورقبته برزت بشكل مخيف حتى تلونت ملامحه الحادة بحُمرة الدم المكتوم. قبضته اليمنى على مقبض عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس اشتدت بعنف، لدرجة أن الخشب الثقيل أصدر صريراً مكتوماً تحت ضغط أصابعه المرتعشة من هول الصدمة. كان ذهوله أكبر من غضبه؛ فكل تفصيلة في تلك الرواية التي ألقاها آسر كانت بمثابة مِشرط يمزق طبقات الثقة والنقاء التي استسلم لها طوال الأيام الماضية. التفت ببطء مرعب، حركة جسده كانت بطيئة كحركة قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام، وعيناه الصقريتان الحادتان اللتان كانتا منذ ثوانٍ تفيضان بعشق جارف، تحولتا إلى جمرتين من الشك والموت الحتمي.في المقابل، كانت "تولين" تقف بفستانها الشيفون الوردي الناعم، وجسدها الرقيق
ساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشرة وصارمة من "مالك الراوي" لحسم ملف الشيك البنكي الملعون الذي تركه الماضي كاللغم الموقوت ليهدد شرف العائلة. كان وجه آسر شاحباً من فرط الإرهاق، لكن عينيه كانت تلمعان ببريق الجدية؛ فالمهمة الليلة لم تكن تصفية حسابات مالية في البورصة، بل كانت عملية بتر لأخر عروق الخيانة قبل أن تلوث اسم الراوي في المحاكم الدولية.انفتح الباب الحديدي للزنزانة بصوت صرير حاد ومزعج، ليتفاجأ "طارق الراوي" القابع على الكرسي الحديدي بدخول آسر. كان طارق يرتدي ملابس السجن الزرقاء، ووجهه ملطخ بالكدمات والندوب إثر المطاردة القديمة، لكن عينه كانت ما تزال تشع بحقد دفين وجنون لا ينطفئ. رفع رأسه ببطء، ورمق آسر بابتسامة شماتة ثعلبية، وقال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:— أهلاً أهلاً يا آسر.. يا كلب مالك الراوي ا
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر







