Accueil / الرومانسية / أسياد الوجع / نبش القبور القديمة

Partager

نبش القبور القديمة

last update Date de publication: 2026-05-28 18:00:00

لم يكن صمت الحديقة المحيطة بـ"حوض الورد" في تلك اللحظة صمتَ طمأنينة، بل كان أشبه بالبرود الذي يسبق انفجار المدافع في ساحات القتال. انقطع خط الهاتف مع "آسر" فجأة، لكن كلماته الأخيرة بقيت تدوي في أذن "مالك الراوي" كصاعقة مسمومة شطرت روحه إلى نصفين، وهشمت ذلك الحصن الدافئ الذي ظن أنه بناه فوق رماد المؤامرات الدولية.

تصلب جسد "مالك" القوي بكامل طوله، وعروق جبهته ورقبته برزت بشكل مخيف حتى تلونت ملامحه الحادة بحُمرة الدم المكتوم. قبضته اليمنى على مقبض عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس اشتدت بعنف، لدرجة أن الخشب الثقيل أصدر صريراً مكتوماً تحت ضغط أصابعه المرتعشة من هول الصدمة. كان ذهوله أكبر من غضبه؛ فكل تفصيلة في تلك الرواية التي ألقاها آسر كانت بمثابة مِشرط يمزق طبقات الثقة والنقاء التي استسلم لها طوال الأيام الماضية. التفت ببطء مرعب، حركة جسده كانت بطيئة كحركة قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام، وعيناه الصقريتان الحادتان اللتان كانتا منذ ثوانٍ تفيضان بعشق جارف، تحولتا إلى جمرتين من الشك والموت الحتمي.

في المقابل، كانت "تولين" تقف بفستانها الشيفون الوردي الناعم، وجسدها الرقيق تيبّس في مكانه كتمثال من المرمر. تلاشت الابتسامة العذبة من وجهها الساحر ليحل محلها رعب طفلي شلّ أطرافها تماماً حين رأت ذلك التحول المفاجئ والقاتل في ملامحه. كانت أنفاسها متلاحقة، وتراجعت خطوة إلى الخلف مستندة بظهرها على حافة حوض الورد الرخامية، وعيناها الواسعتان المتسعتان بوجل تراقبان عاصفة الغضب التي تجمعت في عيني زوجها ورجلها، وقالت بنبرة صوت مرتعشة ومبحوحة:

— مالك.. حبيبي.. في إيه؟ تليفون آسر فيه إيه خلاك تبصلي بالنظرة دي؟ أنت.. أنت شكلك بيخوفني يا مالك، أرجوك اتكلم وقولي في إيه جرى في الشركة؟

لم يجبها "مالك" بكلمة واحدة؛ بل خطا خطوة واحدة نحوها، وصوت عصاه الأبنوسية يرتطم بالبلاط الرخامي للحديقة بقوة أحدثت رنيناً مخيفاً هز سكون المكان. وقف أمامها مباشرة، والمسافة بينهما لم تتعدَّ السنتيمترات، لكن الفجوة التي خلقتها كلمات آسر كانت أعمق من محيطات العالم. انخفض صوته ليتحول إلى فحيح غاضب يحمل برود المقابر، ونظر في عينيها مباشرة وعيناه تضيقان بتركيز صاعق:

— تولين.. أنا هسألك سؤال واحد.. وأقسم بجلال الله لو حسيت للحظة إن لسانك بيكدب أو بيلف ويدور معايا، هنهي كل حاجة بيننا النهارده بطريقة مش ه تتخيليها. أنتي كنتي عارفة إيه عن حادثة طريق الصعيد من عشرين سنة؟ كنتي عارفة إيه عن موت أبويا وأمي يا بنت عاصم الراوي؟

اتسعت عينا "تولين" بصدمة ألجمت لسانها بالكامل، وشحب وجهها حتى صار كلون الموت. تراجعت خطوة أخرى، وكادت تسقط لولا أن يدها تمسكت بحافة الرخام، وتلعثمت بنبرة تملأها الفزع والذهول:

— حادثة.. حادثة طريق الصعيد؟! موت عمي ومراته؟! مالك.. أنت بتقول إيه؟ إيه اللي جاب السيرة دي دلوقتي بعد عشرين سنة؟ أنا.. أنا كنت طفلة صغيرة ومفتكرش حاجة غير إني صحيت لقيت نفسي يتيمة الأم وعمي مات وأنت جيت عشت معانا هنا في القصر! والله العظيم ما أعرف حاجة تانية! ليه بتسألني أنا بالذات السؤال ده وبانبرة دي؟

حدق "مالك" في عينيها بنظرة اخترقت أنسجة روحها، يحاول نبش الحقيقة من بين ملامحها المرتعبة؛ فكبرياءه وجرحه الدفين جعلاه يرى في خوفها دليلاً على إدانتها، وفي ارتباكها تأكيداً لكلام شاكر الجويلي المكتوب في المذكرات السرية. مال بجسده للأمام، وقال بنبرة صوت جافة وحادة كالشفرة:

— لأن شاكر الجويلي ساب مذكرات سرية وراه في الشقة بتاعة التجمع يا تولين.. مذكرات كاتب فيها بالورق والمستندات إن أبوكي "عاصم الراوي".. عمي الوقور اللي رباني وصان ثروتي.. هو اللي رتّب لحادثة العربية من عشرين سنة عشان يقتل أبويا وأمي ويستولي على الإمبراطورية لوحده! والمصيبة الأكبر.. إن شاكر كاتب إنك أنتي كنتي عارفة بالسر ده من صغرك، وإن جوازك مني ودخولك جناحي الأسبوع ده مكنش حب ولا نقاء.. ده كان تمثيلية رخيصة اتفقتي عليها مع أبوكي عشان تضمنوا إن مالك الراوي يفضل مغمى عينه ومينبشش ورا الماضي ويفركش ورا موت أبوه! انطقي يا تولين!! الكلام ده صح ولا لاء؟! أنتي كنتي بتخدعيني طوال السنين دي كلها؟!

انفجرت "تولين" في بكاء هستيري مرير، وسقطت على ركبتيها فوق نجيل الحديقة الأخضر، واحتضنت وجهها بيدها المرتعشة وهي تصرخ بنحيب مزق سكون القصر:

— كدب!! كدب وافتراء يا مالك!! والله العظيم شاكر الجويلي كداب وهو وبنته وطارق عايزين يدمروا بيتنا حتى وهما جوه السجن! أنا أحبك وأموت فيك من صغري، وعمري ما عرفت حاجة عن الكلام القذر ده! بابا عاصم مستحيل يقتل أخوه، ومستحيل يكون مجرم! أنت ازاي تصدق فيا كدا بعد كل اللي عملته عشانك؟! أنا فديت حياتي بدمي في المخزن عشان بحبك، تقوم تصدق ورقة كتبها مجرم قبل ما يدخل السجن وتتمني ليا الموت؟! حرام عليك يا مالك.. حرام عليك كبرياءك وعجزك يخلوك تشوف كل الناس خاينين!!

نظر إليها "مالك" باحتقار مكتوم وجرح ينزف داخله بعنف؛ فصوت صدقها كان يخترق حصونه، لكن دلائل المؤامرة القديمة التي ألقاها آسر كانت أثقل من أن يتجاهلها عقله العملي الصارم. التفت عنها دون أن يمد يده ليرفعها من على الأرض، والتقط عصاه الأبنوسية وقبض عليها بصلابة كالصخر، وقال بصوت جهوري تملأه القسوة والجفاء:

— أنا مش هصدق دموعك دي تاني يا تولين لحد ما أشوف الورق والمستندات بنفسي.. من اللحظة دي، أنتي مبقتيش مرأتي في الجناح ده.. أنتي هتفضلي هنا في أوضتك، والحراسة مشددة على بوابات القصر.. ومفيش فوت واحد هيتحرك بره القصر لحد ما آسر يوصل بالملف وأقعد مع عاصم بيه وأعرف الحقيقة بالكامل.. ولو طلع كلام شاكر صح.. قسماً بجلال الله، هدمّر عاصم الراوي وبناته، وهخليكم تتمنوا الموت وم تلاقوهوش!

تحرك "مالك" بخطواته الحديدية الثقيلة، يصدر من عصاه وساقه الاصطناعية ذلك الصوت الجنائزي المرعب، ودلف إلى داخل الفيلا متوجهاً نحو المكتب السفلي، تاركاً "تولين" ساجدة على الأرض تبكي بقهر وانكسار مروّع، تشعر بأن كل حصون عشقها ونقائها قد تهاوت وتحولت إلى شظايا تناثرت فوق كرامتها المداسة بسب ظلال الماضي الملوث بالدماء.

وفي غضون ساعة، وداخل بهو القصر السفلي الفخم.. كانت الأجواء قد تحولت إلى قطعة من الجحيم المستعر. كان "عاصم الراوي" يجلس في مقعده الكلاسيكي المعتاد، ويداه تضغطان فوق مقبض عصاه الخشبية بوجوم وثبات، لكن ملامحه الوقورة كانت تحمل اليوم علامات التوتر الشديد والغليان المكتوم بعد أن بلغه "ياسين" بـ جنون أخيه الأكبر وقطعه للحركة بره القصر.

انفتح الباب الخشبي الثقيل للمكتب بعنف، ودلَف "مالك" بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الغاضب. ألقى بعصاه الأبنوسية فوق الطاولة الكبيرة بضربة أحدثت رنيناً مدوياً، ووقف أمام عمه مباشرة، وعيناه الحمراوان تشعان بنيران الانتقام والتحدي، وقال بصوت جهوري زلزل أركان الفيلا العتيقة:

— عاصم بيه.. أنا مش هلف وأدور معاك، والوقت م بقاش فيه مكان للمجاملات والأصول.. آسر لسه جايب مذكرات سرية لـ شاكر الجويلي من شقة التجمع الفجر.. مذكرات كاتب فيها بالورق والمستندات والتحويلات القديمة من عشرين سنة.. إنك أنت اللي قتلت أبويا وأمي في حادثة طريق الصعيد عشان تاخد الشركات وتكبر اسمك!! انطق يا عمي.. الكلام ده صح ولا لاء؟! أنت اللي دمرت حياتي وحرمتني من أهلي وأنا طفل صغير؟!

انتفض "ياسين" واقفاً بصدمة شلت أطرافه، وتراجع خطوتين للخلف وكأن صاعقة قد ضربت الغرفة، وصاح بنبرة هستيرية لاهثة:

— مالك!! أنت بتقول إيه؟! بابا يعمل كدا؟! مستحيل!! بابا مستحيل يكون مجرم أو يقتل عمه وأخوه!! أنت اتجننت بسب حادثة رجلك وشكاك في الكل؟!

أشار "عاصم الراوي" لـ ياسين بالصمت الحازم بيده العريضة المرتعشة، ونكّس رأسه في الأرض لثوانٍ ساد فيها سكون الموت، ثوانٍ بدت فيها تكتكات ساعة الحائط وكأنها تراتيل جنائزية تعلن سقوط الأقنعة الأخيرة. رفع عاصم رأسه ببطء، ونظر في عيني ابن أخيه "مالك" بنظرة طويلة، عميقة، خلت من الوقار ليحل محلها حزن دافئ وأسى يعتصر قلبه، وقال بصوت رخيم متهدج يحمل نبرة الاعتراف المؤلم:

— شاكر الجويلي م كدبش في كل حاجة يا مالك.. الحادثة مكنتش عادية فعلاً.. وأبوك وأمك ماتوا بسب تدبير مسبق.. بس اللي شاكر مخبيه في مذكراته عشان يحمي رقبة اللي مشغلينه.. إن أنا مكنتش القاتل يا مالك.. أنا كنت الضحية التانية اللي حاولوا يخلصوا منها معاهم!

اتسعت عينا "مالك" بذهول وصدمة ألجمت لسانها، وتراجع خطوة للخلف مستنداً بيده على الطاولة، وتابع عاصم بدموع حارة سالت فوق تجاعيد وجهه الوقور لأول مرة في حياته:

— اللي رتّب لحادثة طريق الصعيد من عشرين سنة يا مالك.. واللي دفع لـ شاكر الجويلي والمهربين القدام عشان يقصوا فرامل عربية أبوك.. مكنش أنا.. كانت "شاهيناز هانم" والدتك بالاتفاق مع أهلها القدام في الصعيد عشان أبوك كان عايز يطلقها ويحرمها من الورث والأسهم بعد ما عرف إنها كانت بتخونه وبتنقل أسرار الشغل لـ عيلة المنشاوي القديمة! أنا شفت الورق ده وعرفته بعد الحادثة بيومين، وخشيت عليك وعلى ياسين وأنتم أطفال صغار إنكم تعيشوا وعارفين إن أمكم هي اللي قتلت أبوكم! أنا لغيت المستندات دي وعشت طول عمري بحمي شاهيناز وبصون سرها وبكبر اسم أبوك وبصون ثروتك عشانك أنت وأخوك.. وتولين بنتي ملهاش أي ذنب ولا كانت تعرف فوت واحد عن القذارة دي كلها! أنا اللي شيلت الوجع ده طول عمري في صمت عشان أحميك يا مالك.. وتقوم النهارده تتهمني أنا بالقتل والخيانة؟!

وقعت هذه الكلمات كالصاعقة المرعبة فوق رأس "مالك" و"ياسين". شعر مالك بأن الأرض تميد من تحت قدميه، وأن كل حساباته وجبروته قد انهاروا وتلاشوا أمام هذه الحقيقة القاتلة والمروّعة؛ فأمه شاهيناز هانم لم تكن مجرد شريكة لـ طارق ورأفت في حادثة بتر ساقه.. بل كانت هي القاتلة الأولى والأساسية التي حرمته من والديه ودمرت حياته منذ عشرين سنة!

وفي غضون ساعة، وتحديداً عند الساعة الثالثة ظهراً..

كانت الأجواء داخل الجناح الرئيسي العلوي لـ"تولين" قد وصلت إلى ذروة الكآبة والانهيار النفسي الكامل. كانت "تولين" مستلقية على فراشها، واضعة وجهها في الوسادة، ودموعها تنهمر بلا توقف، تحرق وجنتيها الرقيقتين. كانت تشعر بإهانة أنثوية وجرح لكرامتها لا يمكن لملمته؛ فالرجل الذي وهبته نبضات قلبها وفدته بدمها وحياتها، استكثر عليها حتى الأمان وشك في نقائها وجعلها سجينة في غرفتها كالمجرمين بسب ورقة كتبها خائن.

انفتح الباب الخشبي للجناح ببطء شديد وبدون أي صوت مسموع. دلَف "مالك الراوي" بخطوات متهادية، ثقيلة، تفتقد كل نبرات الجبروت والكبرياء القديم. كان يستند على عصاه الأبنوسية بجسد يرتعش بالكامل، ووجهه مغطى بشحوب الموت والخذلان البشري المطلق. كان يبدو في تلك اللحظة كعصفور جريح كُسرت أجنحته كلها بأيدي أقرب الناس إليه، وعيناه الصقريتان الحادتان انطفأ منهما البريق ليحل محلهما انكسار وندم يعتصر أحشاءه.

مشى نحو الفراش، وألقى بعصاه جانباً، وسقط على ركبتيه السليمة والاصطناعية بجانب السرير تحت أقدام "تولين". امتدت يداه الكبيرتان المرتعشتان بضعف شديد، وأمسك بطرف فستانها الوردي الملطخ، ونزل برأسه الفاخر ليضعه فوق يدها الصغيرة الباردة، وبدأ يبكي بنشيج مروّع وهستيري هز أركان الغرفة الفخمة، وصدر منه صوت متحشرج ومقطع تفيض منه الرومانسية الحزينة والندم الحارق:

— تولين.. سامحيني.. أنا كلب وغبي ومستاهلش حبك ولا نقاءك ده.. أنا أمي هي اللي قتلت أبويا وأمي من عشرين سنة يا تولين.. شاهيناز هي الحية الكبيرة اللي دمرت حياتي ورجلي وشرفي طول عمري، وعمك عاصم كان بيحميني وبيصون سري وأنا جيت دوست عليه وعليكي واتهمتكم بالخيانة.. أنا خسرت كل حاجة يا تولين، وبقيت عاجز بجد من جوه ومن بره.. أرجوكي متسبنيش.. أنا ماليش مكان في الدنيا دي كلها غير في حضنك ونقاءك ده.. ارحميني وسامحيني يا تولين!

التفتت "تولين" ببطء شديد، ونظرت إلى زوجها ورجلها القوي الراكع تحت قدميها ويبكي كالأطفال من فرط الوجع والخذلان العائلي. تلاشت من قلبها كل نيران الغيظ والرغبة في الانتقام لكرامتها المكسورة؛ فـ"مالك" الآن في أضعف حالاته البشرية، وخيانة أمه له للمرة الثانية كانت طعنة لا يمكن لراجل في مكانه أن يتحملها بمفرده.

نزلت من فوق الفراش برقتها المعهودة، وارتمت بجسدها الرقيق على الأرض بجانبه، وأحاطت عنقه وجسده القوي العريض بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة لتسنده وتحميه من الانهيار الكامل. ضمت رأسه الفاخر إلى صدرها الدافئ، وسمحت لشعرها الحريري الداكن أن يغطي وجهه المجهد، ودموعها تنهمر فوق عنقه الدافئ، وهمست بنبرة صوت تفيض بالعذوبة، والرومانسية الجارفة والنقاء الصادق الذي يذيب الصخر:

— مش هسيبك يا مالك.. مش هسيبك وعمري ما هبعد عنك يا حبيبي! أنا عاذراك وعارفة إن الوجع الصدمة اللي عشتها أكبر من أي بني آدم.. أمك خانتك والماضي طلع ملوث بالدم، بس أنا هنا.. تولين بتاعتك لسه هنا ونظيفة وصادقة ومش هتمشي وتخليك لوحدك في جحيمهم ده.. كبرياءك وجعك، بس حضني هيكون بيتك وأمانك دايماً.. ارتاح في حضني يا مالك.. ارتاح وم تخافش من حاجة طول ما أنا عايشة وبتمشى بيك في الدنيا.

لم يكن دفء حضن "تولين" ليوقف عقارب الساعة عن الدوران، ولا ليمنع بركان القصر من إلقاء حممه الأخيرة التي طالت الجذور العميقة لعائلة "الراوي".

بينما كان "مالك" يستسلم لنقائها ورأسه الفاخر يهبط فوق صدرها الدافئ، انفتح باب الجناح فجأة بعنف أحدث دويّاً مخيفاً في الأركان. دلف "ياسين" ومعه "آسر"، وكان وجه آسر شاحباً كالكفن، وعيناه تتسعان بصدمة وموت حتمي، وفي يده ورقة صغيرة ممزقة الأطراف خرجت لتوّها من أحشاء الملف الذي جُلب من الشقة السرية.

انتفض "مالك" والتقط عصاه الأبنوسية الفخمة بسرعة وجبروت، ووقف بكامل طوله محاصراً أخاه وصديقه بنظرته الصقرية الحادة:

— في إيه تاني يا آسر؟! الملف اتحرق والقصة انتهت.. إيه الورقة اللي في إيدك دي ومخلية وشك زي الميتين؟

بلع "آسر" ريقه بصعوبة، وتقدم بخطوات مرتجفة، وسلم الورقة لـ"مالك" بصوت مخنوق لاهث زلزل أركان الغرفة الفخمة:

— مالك.. المصيبة م طلعتش من شاهيناز هانم وبس.. الورقة دي ملحقناش نحرقها.. دي الملحق السري لتقرير الحادثة القديمة والمكتوب بخط إيد المهربين.. شاهيناز هانم مكنتش بتلعب لوحدها من عشرين سنة يا مالك! الشخص اللي حرّضها ووفر ليها المهربين وقص الفرامل لأبوك وأمك عشان يورث مكانهم ويخلص من العيلة كلها.. هو نفس الشخص اللي دفع لـ"رأفت المنشاوي" و"طارق" الأسبوع اللي فات عشان يقطَعوا رجلك ويخلصوا منك أنت كمان!!

تصلب جسد "مالك" تماماً، واشتعلت عيناه بنيران الجنون المروّع، وصاح بفحيح قاتل:

— انطق يا آسر!!! مين الكلب ده اللي عايش وسطنا وعايز يمحينا من الدنيا؟! اخلص وانطق الاسم!!!

مال "آسر" بجسده للأمام، وهتف بصوت كالصاعقة نسف كل حصون الأمان والنقاء في ثانية واحدة:

— الكلب ده هو "عاصم الراوي" عمك يا مالك!! عاصم كدب عليك وعلينا كلنا الصبح.. هو اللي قتل أبوك وأمك بالاتفاق مع شاهيناز.. وهو اللي خطط لحادثة عربيتك الأسبوع اللي فات بالاتفاق مع طارق ورأفت المنشاوي عشان يضمن إنك تموت وتصفى الإمبراطورية لبناته!! والمصيبة الأكبر.. إن عاصم بيه واقف بره باب الجناح ده دلوقتي ومعاه الحراس بتوعه ومقفلين مخارج القصر كلها بالسـ،ـلاح عشان يخلصوا عليك وعلى ياسين حالا ويمحوا اسمكم من الدنيا للأبد!!

وفي تلك اللحظة الحرجة والحابسة للأنفاس.. دوت بالخارج أصوات تعمير الأسلـ،ـحة النارية خلف الباب مباشرة، وانطفأت أنوار الجناح بالكامل، ليحل صمت الموت الموحش الذي قطع الأنفاس في الصدور، معلناً عن بدء المذبحة الكبرى داخل قصر "الراوي"!

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • أسياد الوجع   نزيف العرش

    امتزج عواء صفارات إنذار سيارات الدعم السيادي وقوات المباحث الكلية بصوت الرياح الصحراوية الباردة التي كانت تعصف بأسوار قصر "الراوي" المهشم. في الممر العلوي الفسيح، حيث تلاقت خيوط فجر جاردن سيتي الباردة باللون القرمزي القاني للدماء النازفة، كان المشهد أشبه بملحمة مأساوية أُسدل ستارها الأول على جثث الخيانة. سقط "عاصم الراوي" جثة هامدة، متيبس الأطراف، بعد أن اخترقت رصاصة حازمة أطلقها "آسر" من الخلف صدره مباشرة، لتنهي في جزء من الثانية عقوداً من الجبروت، والمؤامرات، والأحقاد الدفينة التي دمرت العائلة من جذورها.ولكن، لم تكن جثة عاصم هي ما شلّ الأنفاس في الرواق، بل كان جسد "مالك الراوي" الملقى على الأرضية الرخامية الباردة. كان قميصه الأسود الفاخر يتشرب الدماء بغزارة إثر الطعنة الغادرة والعميقة التي وجهها إليه عمه بالخنجر المسموم في جانبه الأيسر. كان وجهه الفاخر شاحباً ككفن أبيض، وعيناه الصقريتان الحادتان انغلقتا ببطء، بينما كانت أنفاسه تخرج متلاحقة، ضعيفة، كحشرجة أسد يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد معركة طحن فيها أعداءه. سقطت من يده كل أسلحة الكبرياء، وبدت ساقه الاصطناعية الممددة كجسم غريب يعلن عن

  • أسياد الوجع   في سكون الليل

    انثقب سكون الليل في بهو القصر بأصوات المعدن البارد الخشن وهي تلتحم ببعضها خلف الباب الخشبي الثقيل للجناح؛ صدى "تكّة" تعمير الأسلحة الآلية كان كافياً ليعلن أن أسوار جاردن سيتي الأرستقراطية لم تعد ملاذاً للأمان، بل تحولت إلى مقبرة كلاسيكية فاخرة حُفرت حدودها بعناية طوال عشرين عاماً. عندما انطفأت الأنوار بالكامل وصار الجناح قطعة من جوف الظلام الدامس، تلاشت في ثانية واحدة كل ملامح الضعف أو التراجع من جسد "مالك الراوي". لم يعد ذلك الزوج النادم الذي يبكي تحت أقدام عشيقتة قبل قليل، بل انبعث من تحت رماد الخذلان مسخٌ من الجبروت الخالص، مسخٌ قُدّ من صخر وعناد لا يهزه موتٌ قادم.تحرك "مالك" في العتمة بحرفية تكتيكية مرعبة أذهلت آسر القابع بجواره في الفراغ. لم يستند على عصاه الأبنوسية هذه المرة لكي لا يصدر مقبضها الفضي رنيناً فوق الخشب يكشف عن مكانه؛ بل ألقى بها فوق الفراش، واعتمد بالكامل على قوى عضلات جسده العلوي الطاغية وثبات ساقه السليمة التي التحمت بالأرض كجذع شجرة عتيقة. بيده اليسرى، امتدت أصابعه القوية لتقبض على معصم "تولين" برقة حازمة، وسحبها خلفه بخطوات صامتة ليدفعها داخل تجويف خزانة الملا

  • أسياد الوجع   نبش القبور القديمة

    لم يكن صمت الحديقة المحيطة بـ"حوض الورد" في تلك اللحظة صمتَ طمأنينة، بل كان أشبه بالبرود الذي يسبق انفجار المدافع في ساحات القتال. انقطع خط الهاتف مع "آسر" فجأة، لكن كلماته الأخيرة بقيت تدوي في أذن "مالك الراوي" كصاعقة مسمومة شطرت روحه إلى نصفين، وهشمت ذلك الحصن الدافئ الذي ظن أنه بناه فوق رماد المؤامرات الدولية.تصلب جسد "مالك" القوي بكامل طوله، وعروق جبهته ورقبته برزت بشكل مخيف حتى تلونت ملامحه الحادة بحُمرة الدم المكتوم. قبضته اليمنى على مقبض عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس اشتدت بعنف، لدرجة أن الخشب الثقيل أصدر صريراً مكتوماً تحت ضغط أصابعه المرتعشة من هول الصدمة. كان ذهوله أكبر من غضبه؛ فكل تفصيلة في تلك الرواية التي ألقاها آسر كانت بمثابة مِشرط يمزق طبقات الثقة والنقاء التي استسلم لها طوال الأيام الماضية. التفت ببطء مرعب، حركة جسده كانت بطيئة كحركة قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام، وعيناه الصقريتان الحادتان اللتان كانتا منذ ثوانٍ تفيضان بعشق جارف، تحولتا إلى جمرتين من الشك والموت الحتمي.في المقابل، كانت "تولين" تقف بفستانها الشيفون الوردي الناعم، وجسدها الرقيق

  • أسياد الوجع   سقوط الأقنعة الأخيرة

    ساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشرة وصارمة من "مالك الراوي" لحسم ملف الشيك البنكي الملعون الذي تركه الماضي كاللغم الموقوت ليهدد شرف العائلة. كان وجه آسر شاحباً من فرط الإرهاق، لكن عينيه كانت تلمعان ببريق الجدية؛ فالمهمة الليلة لم تكن تصفية حسابات مالية في البورصة، بل كانت عملية بتر لأخر عروق الخيانة قبل أن تلوث اسم الراوي في المحاكم الدولية.انفتح الباب الحديدي للزنزانة بصوت صرير حاد ومزعج، ليتفاجأ "طارق الراوي" القابع على الكرسي الحديدي بدخول آسر. كان طارق يرتدي ملابس السجن الزرقاء، ووجهه ملطخ بالكدمات والندوب إثر المطاردة القديمة، لكن عينه كانت ما تزال تشع بحقد دفين وجنون لا ينطفئ. رفع رأسه ببطء، ورمق آسر بابتسامة شماتة ثعلبية، وقال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:— أهلاً أهلاً يا آسر.. يا كلب مالك الراوي ا

  • أسياد الوجع   طوفان البورصة

    مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق

  • أسياد الوجع   ظلال الماضي

    لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status