Partager

شروخ في القناع

last update Date de publication: 2026-05-23 20:00:00

انقضت الأيام السبعة التالية للزلزال العائلي وكأنها دهرٌ كُتب بمداد من الترقب والحذر. في بهو قصر "الراوي" العتيق، تحولت ردهات الكآبة والوجوم تدريجياً إلى ورشة عمل لا تهدأ؛ استعداداً لحدثٍ أراد له "مالك الراوي" أن يكون بمثابة إعلان سيادة متجدد أمام السوق وأمام مجتمع رجال الأعمال الذي ظل يترقب سقوطه بشغف المتربصين. لم يكن هذا الزفاف مجرد طقسٍ عائلي أو استكمالٍ لصفقة مؤجلة، بل كان حصناً جديداً يُبنى فوق حطام الخيانة، وإعلاناً صريحاً بأن كبير عائلة الراوي لم يمت، ولم يعجز، وبأن زواجه من "تولين" هو الخيط المتين الذي سيمسك بزمام الإمبراطورية من جديد.

في الصباح الباكر ليوم الزفاف، كانت أنوار الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الفخمة المزينة بالزخارف الفرنسية، لتنعكس على باقات الزهور البيضاء النادرة التي استُقدمت خصيصاً من هولندا لتزيين حديقة القصر وممراته. رائحة الياسمين وعطر الأوركيد البري كانت تمتزج بنسمات الصيف المنعشة، لتضفي على الأجواء طابعاً من الرومانسية الكلاسيكية المهيبة. كان كل ركنٍ في الفيلا يتنفس عبير البدايات الجديدة، وكأن المكان نفسه يحاول غسل ندوب الليالي المظلمة التي عاشها تحت وطأة مؤامرة "شاهيناز" و"طارق".

داخل الجناح الشرقي الفسيح، كانت "تولين" تقف أمام مرآة مذهبة ضخمة ترتفع حتى السقف. كانت تبدو كحورية انبعثت من أساطير الإغريق؛ ترتدي فستان زفاف أسطوري من الدانتيل الفرنسي المطرز يدوياً بحبات اللؤلؤ الدقيقة وخيوط الحرير الأبيض، ينسدل بنعومة بالغة حول جسدها الرقيق ليرسم تفاصيل أنوثتها الطاغية ونقائها الساحر. كان شعرها الحريري الداكن قد رُفع في تصفيفة كلاسيكية أنيقة، وتدلت منه خصلات ناعمة تلامس وجنتيها اللتين صبغتا بحمرة الخجل الطبيعي والتوتر العذب.

كانت عيناها الواسعتان تلمعان ببريق يجمع بين لوعة الماضي القاسي وعشق الحاضر الواعد. التفتت نحو شقيقتها "ليان" التي كانت تضع اللمسات الأخيرة على طرحة الزفاف الطويلة، وقالت بنبرة خفيضة متهدجة:

— ليان.. أنا مش مصدقة إن اليوم ده جه فعلاً. حاسة إني بحلم وخايفة أصحى فجأة على صوت الحادثة أو قسوة مالك.. تفتكري مالك فعلاً اتغير؟ تفتكري قلبه صفى ليا بالكامل ومبقاش شايف فيا مجرد واجب عائلي؟

اقتربت منها "ليان" بابتسامة حانية دافئة، واحتضنت كتفيها برقة من خلفها وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة:

— اهدي يا توتة.. مالك اتغير فعلاً، والضربة اللي متموتش بتقوي. هو شاف بنفسه إنك الإنسانة الوحيدة اللي صانته وضحت بكرامتها عشانه لما الكل خانوه. مالك قاسي بكبرياءه، بس لما بيحب بيحب بصدق وجنون.. والنهارده أنتي الملكة اللي هتحكم قلبه وقصره، بلاش تخلي الخوف يسرق منك فرحة اللحظة دي.

دخلت السيدة "فريدة" في تلك اللحظة، وكانت ترتدي ثوباً أرستقراطياً وقوراً بلون كحلي فخم، وعيناها تفيضان بدموع الفرحة والأمومة. اقتربت من ابنتها وقبلت جبينها برقة:

— ما شاء الله يا بنتي.. قمر في ليلة تمامه. ربنا يسعدك ويهدي سرك مع ابن عمك.. مالك راجل، وبكره لما يدخل حياتك أكتر هتعرفي إنه بيشيلك جوه عيونه، بس طبعه ناشف زي أبوه الله يرحمه. يلا يا حبيبتي.. عاصم بيه مستني تحت عشان ياخد بإيدك ويسلمك لعريسك.

وفي الجانب الآخر من القصر، وتحديداً في الجناح الرئيسي لـ"مالك الراوي"..

كانت الأجواء تضج بنوع مختلف من الهيبة والتوتر الصامت. كان "مالك" يقف أمام المرآة الكبيرة، يرتدي حُلة رسمية سوداء فاخرة صُممت خصيصاً له لتناسب جسده القوي ومظهره المهيب. كان مفرود الظهر، حاد الملامح كعادته، لكن عينيه الصقريتين كانتا تحملان اليوم عمقاً جديداً وتركيزاً شديداً. تحرك ببطء وثبات، مستنداً على عصاه الأبنوسية الجديدة ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص، والتي باتت تمثل جزءاً من هيبته وسلطته الجديدة وليست دليلاً على العجز.

كان "ياسين" يقف بجانبه، ومعه "آسر" الذي كان يراجع بعض الترتيبات الأمنية على هاتفه. التفت ياسين إلى شقيقه الأكبر ونظر إليه بابتسامة فخر واضحة، وقال بمرحه المعتاد محاولاً كسر التوتر:

— إيه الشياكة دي كلها يا مالك باشا! قسماً بالله عريس زي الفل، والسوق كله مقلوب بره.. القصر محاصر بالصحفيين ورجال الأعمال اللي جايين يتأكدوا إن الأسد رجع لعرينه بكامل قوته.

ابتسم "مالك" ابتسامة خفيفة باهتة لم تصل لعينيه، ونظر إلى آسر وقال بنبرة جادة:

— آسر.. كل حاجة تمام بره؟ الترتيبات الأمنية؟ مش عايز أي غلطة، ولا عايز أي صحفي يدخل منطقة الحديقة الخاصة بالعائلة. الزفاف ده إعلان قوة للسوق، بس هو خصوصية كاملة لتولين وعيلتي.

رد "آسر" بحسم:

— متقلقش يا مالك.. الحراسة مشددة على كل المداخل، ورجالتنا منجدين المكان. طارق وشاكر الجويلي اتحولوا للنيابة الكلية النهارده الصبح، والموضوع اتقفل قانونياً ومفيش أي ثغرة.. وأمك شاهيناز هانم استقرت في المزرعة وتليفونها اتقفل تماماً بناءً على أوامرك. عيش ليلتك وانبسط يا صاحبي.. تولين تستاهل تفرح.

تنهد "مالك" بعمق، ونظر إلى عصاه المستقرة على الأرض، ثم قال بصوت خفيض يحمل نبرة دافئة ونادرة:

— تولين هي الحاجة الوحيدة الصح اللي باقية في حياتي يا آسر.. وأنا النهارده مش داخل أعمل صفقة، أنا داخل أصون الجوهرة اللي حمتني من الموت. يلا بينا ننزل.

عند الساعة الثامنة مساءً.. تحولت حديقة قصر "الراوي" إلى قطعة من الجنة المضيئة بآلاف الشموع وفوانيس الكريستال المتدلية من أغصان الأشجار العتيقة. عزفت الفرقة الموسيقية الكلاسيكية تراتيل الزفاف المهيبة، واصطف الحضور من كبار رجال الأعمال والوزراء والشخصيات المرموقة، يترقبون هبوط العروسين.

انفتح الباب الرئيسي للقصر، وخرجت "تولين" تستند على ذراع والدها "عاصم الراوي" الذي كان يسير بوقار وثبات وعيناه تفيضان بالفخر. كانت تولين تخطو كالملكة، وطرحتها الطويلة تنجر خلفها فوق السجاد الأحمر المخملي.

وعند نهاية الممر المزين بورود الياسمين البيضاء، كان "مالك" يقف في انتظارها. كان يستند على عصاه الفخمة بيده اليمنى، بينما كانت يده اليسرى موضوعة في جيب بنطاله بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي. عندما اقتربت "تولين" منه، التقت أعينهما في نظرة طويلة، عميقة، صهرت كل عواصف الماضي ومرارة الوجع في ثانية واحدة. تلاشت الوجوه من حولهما، واختفى صخب الحاضرين، ليصبحا وحدهما في كونٍ صُنع لأجلهما.

سلم "عاصم الراوي" يد ابنته لـ"مالك"، وقال بنبرة صوت حازمة ومؤثرة:

— حافظ عليها يا مالك.. تولين مش بس بنتي، دي حتة من قلبي وصانتك في وقت الكل اتخلى عنك.. أنا بسلمك شرفي وأمانتي.

أخذ "مالك" كف "تولين" الرقيقة، وقبلها بحنان حارق أمام الجميع، ونظر في عيني عمه بثبات:

— في عيوني يا عمي.. تولين بقت هي حياتي كلها، واللي يمسها بكلمة هيكون بيمس رقبتي.

تحرك العروسان معاً نحو منصة الزفاف ببطء؛ صوت عصا مالك يرتطم بالأرض بإيقاع متزن وقوي، وتولين تستند على ذراعه الأيسر القوي بكل ثقة وعشق، وكأنها تعلن للعالم كله أنها فخورة برجلها وبكسرته التي تحولت إلى حصن حديدي لا ينكسر. دوت تصفيقات الحاضرين، واشتعلت الأجواء بالبهجة والرومانسية الأسطورية التي تليق بعائلة الراوي.

ولكن.. خلف هذه الأنوار الساطعة وفرحة الزفاف الأسطوري.. كانت هناك خيوط مؤامرة جديدة تُغزل في عتمة الليل المظلم، بعيداً عن أسوار القصر.

داخل أحد الفنادق الفاخرة بوسط القاهرة، وتحديداً في جناح سري يطل على النيل.. كان يجلس رجل أعمال غامض يُدعى "رأفت المنشاوي".. الحوت الأكبر والمنافس التقليدي والتاريخي لعائلة الراوي في السوق، والرجل الذي طالما انتظر لحظة سقوط مالك لكي يستولي على صفقات الحديد والاتصالات.

كان "رأفت" يرتشف سيجاره الفاخر، وأمامه شاشات تعرض صوراً حية لزفاف مالك وتولين منقولة عبر أحد الجواسيس في الحفل. جلس بجانبه رجل قانون خبيث، وقال بنبرة خفيضة:

— رأفت بيه.. مالك الراوي رجع القصر وعمل الفرح ل بنت عمه عشان يثبت للسوق إنه لسه مسيطر بعد حادثة البتر وقضية طارق وشاكر الجويلي.. الأسهم رجعت ليهم بالكامل، والتحالف بين مالك وعاصم بقى أقوى من الأول.

نفث "رأفت المنشاوي" دخان سيجاره بكراهية شديدة، وضيق عينيه ببريق شيطاني مرعب، وقال بصوت فحيح:

— مالك الراوي فاكر إنه لما يركب حتة حديد في رجله ويجوز بت عمه الرقيقة يبقى كدا حمى إمبراطوريته من الخراب.. هو مش عارف إن طارق وشاكر الجويلي كانوا مجرد عيال بتلعب لحسابهم! الخيط الكبير لسه تحت إيدي أنا.. الأوراق اللي طارق زورها مش هي اللي كانت هتوقعه.. في شحنة سلاح ومواد مهربة داخلة باسم شركات الراوي الأسبوع الجاي بالاتفاق مع ناس جوه الجمارك من رجالتنا القدام.. مالك بكره لما يدخل مكتبه، هيلاقي البوليس الدولي مستنيه بتهمة تهريب السلاح الدولي وتخريب الأمن القومي!

ضحك محاميه بخبث:

— كدا اللعبة هتنتهي تماماً يا باشا.. مالك هيدخل السجن المؤبد، وعاصم الراوي مش هيستحمل الصدمة ويموت، والشركات هتقع في إيدينا بالمليم مع أول جلسة بورصة!

رد "رأفت" وهو يطفئ سيجاره بعنف في المنفضة الرخامية:

— الزفاف ده هيكون ليلته الأخيرة في الحرية.. ومن بكره، هيبدأ عهد "أسياد الوجع" الحقيقيين، وهخليه يتمنى لو كان مات في حادثة الفرامل ومقماش منها!

وفي نفس اللحظة.. عودة إلى حديقة القصر..

كانت الأجواء قد وصلت إلى ذروة الرومانسية الدافئة. رقص "مالك" مع "تولين" رقصتهما الأولى على أنغام مقطوعة موسيقية هادئة وساحرة. كان يحيط خصرها بذراعه القوية، وهي تضع رأسها على صدره العريض، تستمع إلى دقات قلبه المتسارعة التي كانت تنبض باسمها وحده.

همس "مالك" أمام شفتيها بنبرة صوت تفيض بالعشق الخالص والنقاء:

— تولين.. أنا بحبك.. بحبك ومقدرش أعيش من غيرك. القصر ده والشركات وكل الفلوس دي ميسووش حاجة من غير ضحكتك ونظرة الأمان اللي في عينيكي.. أنتي حصني يا تولين.

رفعت وجهها ونظرت إليه وعيناها تلمعان بدموع السعادة، وقالت بنبرة ناعمة أذابت بقايا الجليد في روحه:

— وأنا بعشقك يا مالك.. ومش هسيب مخلوق في الدنيا يفرقنا تاني.. إحنا مع بعض هنواجه أي حاجة، وطالما إيدك في إيدي، أنا مش خايفة من بكرة.

انحنى "مالك" وطبع قبلة حانية طويلة وعميقة فوق شفتيها الرقيقتين، قبلة أعلنت عهدهما الأبدي وتثبيت عرشهما الجديد وسط تصفيقات وزغاريد العائلة.. دون أن يعلما أن شياطين السوق ومؤامرة "رأفت المنشاوي" تقف خلف الأسوار، مستعدة لشن هجوم مروّع سيهز أركان الإمبراطورية ويضع حبهما وسلطتهما في اختبار جديد يحبس الأنفاس!

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • أسياد الوجع   محراب العشق وعاصفة الضباب

    ساد الصمت أرجاء القاعة الفسيحة، صمت ثقيل جاثم على الصدور كصخور الجبال، لم يكن يقطعه سوى أنفاس اللورد كرافين المتلاحقة، والتي تحولت غطرسته البريطانية الباردة في ثوانٍ معدودة إلى ذعر بدائي خطّ ملامحه على وجهه الشاحب. كانت وثائق البراءة الرسمية والتنازلات الدولية الموثقة التي يحملها "عبد السلام باشا" تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية كأنها مقصلة قانونية نُصبت خصيصاً لقطع دابر النفوذ الأجنبي.وقف مالك الراوي بطوله الفارع وكبريائه الذي لا يلين، وعيناه السوداوان تطلقان شرارات من الهيبة والصرامة. يمسك بعصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي، مشكّلاً مع رجال الصعيد الأشداء الذين جاءوا لرد جميله جداراً منيعاً من النصر الحاسم. لقد كان مالك طوال عمره صاحب فضل ونفوذ، والآن يقف هؤلاء الرجال خلفه كدرع بشري لا يمكن اختراقه. وعلى مقربة منه، كانت تولين تتنفس الصعداء، تشعر بدفء خفي يسري في أوصالها وهي متشبثة بعضده العريض، مستمدة من صلابته أماناً ظنت أنها فقدته للأبد في دهاليز المؤامرات الدولية.لكن السكون الذي أعقب العاصفة لم يكن سوى خديعة أخرى من خبايا القدر.في اللحظة التي تقدم فيها عبد الس

  • أسياد الوجع   وَلِيمَةُ الأَفَاعِي

    امتصّ الصمتُ الكثيف الصارم صدى تلك الطلقات الغامضة التي اخترقت العتمة الموحشة، وانقشع غبار الخوف سريعاً بعدما تهاوت أجساد المرتزقة الذين حاولوا تصفية تولين وآسر في الغرفة السرية. لم تكن تلك الرصاصات المباغتة الدقيقة إلا طلقات القناصة المحترفين التابعين لرجال "مالك الراوي" الأشداء، الذين طوقوا مقر اللورد البريطاني ومحيط القصر قبل أن تكتمل فصول الخيانة بالدم. لملمت العاصمة خيوط ليلها الدامي المليء بالهزات، واستيقظت الإمبراطورية المالية في اليوم التالي على حقيقة واحدة لا شريك لها: الصقر كسر قيده واسترد سماءه بكامل سطوته، لكن الأفاعي ما زالت تزحف وتنفث سمومها بره الجدران، والمعركة الكبرى بحاجة إلى مسرح تليق به الأصول الصارمة لآل الراوي. تم التنسيق سريعاً خلف الكواليس لعقد عشاء عمل سري، فخم، وبالغ الخطورة والتعقيد داخل "قصر الراوي" عينه، بعدما تراجعت لجان التحفظ القضائي مؤقتاً تحت وطأة الأوراق والمستندات الرسمية القاطعة التي قدمها آسر وأيدها عبد السلام باشا بدمه. كان الضيف الثقيل ليس سوى "اللورد البريطاني" (آليستر كرافين)، الشريك الثالث الغادر الذي وصل إلى القاهرة فجأ

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   سقوط الأقنعة وبداية العاصفة

    نظر إليه "عاصم" بجمود وثبات، ووضع يديه في جيبي بنطاله ورد بهدوء مخيف:— اسأل في اللي أنت عاوزه يا مالك.. وأنا هجاوبك على كل حاجة بالورق والمستندات.هز "مالك" رأسه بجدية، ثم تحدث بصلابة وعينيه تضيقان بتركيز شديد:— تمام.. عربيات الشركة بتتفحص وتدخل الصيانة دورياً أول بأول ولا الإهمال وصل لدرجة إن عر

  • أسياد الوجع   خطوات من حديد

    مرّت الأيام ثقيلة كالجبال على قصر "الراوي"، وتوالت الأسابيع لتكمل شهراً كاملاً والمستشفى كأنه معسكر مغلق. كُتب لـ"تولين" أمر الخروج بعد أيام قليلة من الحادث بعد أن استعادت جزءاً من تماسكها الجسدي، أما "مالك" فقد رفض الخروج أو العودة إلى القصر إلا بعد أن تنتهي المرحلة الأولى من العلاج الطبيعي ويتم ت

  • أسياد الوجع   كسر لا يجبر

    مرّ أسبوع كامل كأنه دهر على قصر "الراوي". أسبوع لم تتوقف فيه عقارب الساعة عن الدوران، ولم تتوقف فيه "تولين" عن مراقبة شرفة مكتب "مالك" الخالية، متأملة أن تجد فيها طيفه الذي غادر بجفاء. طوال هذه الأيام السبعة، كانت حديقة الفيلا شاهدة على قلقها؛ هاتفها لم يفارق يدها، وعيناها معلقتان بالشاشة، تنتظر أن

  • أسياد الوجع   صوت الإنهيار

    نهضت "ميرا" سريعاً، وقد تبدلت خططها تماماً في ثانية واحدة، وقالت بنبرة متحمّسة:— تمام يا مامي.. كلامك مظبوط، يدوبك ألحق أروح الشركة آخد الفلوس من بابي وأشوف الأجواء هناك عاملة إزاي.. سلام يا جوجو!اندهشت "هاجر" من ردة فعل ابنتها السريعة وتحول موقفها المفاجئ بعد سماع الخبر، لكنها هزت كتفيها بطريقة

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status