Home / الرومانسية / أسياد الوجع / شروخ في القناع

Share

شروخ في القناع

last update publish date: 2026-05-23 20:00:00

انقضت الأيام السبعة التالية للزلزال العائلي وكأنها دهرٌ كُتب بمداد من الترقب والحذر. في بهو قصر "الراوي" العتيق، تحولت ردهات الكآبة والوجوم تدريجياً إلى ورشة عمل لا تهدأ؛ استعداداً لحدثٍ أراد له "مالك الراوي" أن يكون بمثابة إعلان سيادة متجدد أمام السوق وأمام مجتمع رجال الأعمال الذي ظل يترقب سقوطه بشغف المتربصين. لم يكن هذا الزفاف مجرد طقسٍ عائلي أو استكمالٍ لصفقة مؤجلة، بل كان حصناً جديداً يُبنى فوق حطام الخيانة، وإعلاناً صريحاً بأن كبير عائلة الراوي لم يمت، ولم يعجز، وبأن زواجه من "تولين" هو الخيط المتين الذي سيمسك بزمام الإمبراطورية من جديد.

في الصباح الباكر ليوم الزفاف، كانت أنوار الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الفخمة المزينة بالزخارف الفرنسية، لتنعكس على باقات الزهور البيضاء النادرة التي استُقدمت خصيصاً من هولندا لتزيين حديقة القصر وممراته. رائحة الياسمين وعطر الأوركيد البري كانت تمتزج بنسمات الصيف المنعشة، لتضفي على الأجواء طابعاً من الرومانسية الكلاسيكية المهيبة. كان كل ركنٍ في الفيلا يتنفس عبير البدايات الجديدة، وكأن المكان نفسه يحاول غسل ندوب الليالي المظلمة التي عاشها تحت وطأة مؤامرة "شاهيناز" و"طارق".

داخل الجناح الشرقي الفسيح، كانت "تولين" تقف أمام مرآة مذهبة ضخمة ترتفع حتى السقف. كانت تبدو كحورية انبعثت من أساطير الإغريق؛ ترتدي فستان زفاف أسطوري من الدانتيل الفرنسي المطرز يدوياً بحبات اللؤلؤ الدقيقة وخيوط الحرير الأبيض، ينسدل بنعومة بالغة حول جسدها الرقيق ليرسم تفاصيل أنوثتها الطاغية ونقائها الساحر. كان شعرها الحريري الداكن قد رُفع في تصفيفة كلاسيكية أنيقة، وتدلت منه خصلات ناعمة تلامس وجنتيها اللتين صبغتا بحمرة الخجل الطبيعي والتوتر العذب.

كانت عيناها الواسعتان تلمعان ببريق يجمع بين لوعة الماضي القاسي وعشق الحاضر الواعد. التفتت نحو شقيقتها "ليان" التي كانت تضع اللمسات الأخيرة على طرحة الزفاف الطويلة، وقالت بنبرة خفيضة متهدجة:

— ليان.. أنا مش مصدقة إن اليوم ده جه فعلاً. حاسة إني بحلم وخايفة أصحى فجأة على صوت الحادثة أو قسوة مالك.. تفتكري مالك فعلاً اتغير؟ تفتكري قلبه صفى ليا بالكامل ومبقاش شايف فيا مجرد واجب عائلي؟

اقتربت منها "ليان" بابتسامة حانية دافئة، واحتضنت كتفيها برقة من خلفها وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة:

— اهدي يا توتة.. مالك اتغير فعلاً، والضربة اللي متموتش بتقوي. هو شاف بنفسه إنك الإنسانة الوحيدة اللي صانته وضحت بكرامتها عشانه لما الكل خانوه. مالك قاسي بكبرياءه، بس لما بيحب بيحب بصدق وجنون.. والنهارده أنتي الملكة اللي هتحكم قلبه وقصره، بلاش تخلي الخوف يسرق منك فرحة اللحظة دي.

دخلت السيدة "فريدة" في تلك اللحظة، وكانت ترتدي ثوباً أرستقراطياً وقوراً بلون كحلي فخم، وعيناها تفيضان بدموع الفرحة والأمومة. اقتربت من ابنتها وقبلت جبينها برقة:

— ما شاء الله يا بنتي.. قمر في ليلة تمامه. ربنا يسعدك ويهدي سرك مع ابن عمك.. مالك راجل، وبكره لما يدخل حياتك أكتر هتعرفي إنه بيشيلك جوه عيونه، بس طبعه ناشف زي أبوه الله يرحمه. يلا يا حبيبتي.. عاصم بيه مستني تحت عشان ياخد بإيدك ويسلمك لعريسك.

وفي الجانب الآخر من القصر، وتحديداً في الجناح الرئيسي لـ"مالك الراوي"..

كانت الأجواء تضج بنوع مختلف من الهيبة والتوتر الصامت. كان "مالك" يقف أمام المرآة الكبيرة، يرتدي حُلة رسمية سوداء فاخرة صُممت خصيصاً له لتناسب جسده القوي ومظهره المهيب. كان مفرود الظهر، حاد الملامح كعادته، لكن عينيه الصقريتين كانتا تحملان اليوم عمقاً جديداً وتركيزاً شديداً. تحرك ببطء وثبات، مستنداً على عصاه الأبنوسية الجديدة ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص، والتي باتت تمثل جزءاً من هيبته وسلطته الجديدة وليست دليلاً على العجز.

كان "ياسين" يقف بجانبه، ومعه "آسر" الذي كان يراجع بعض الترتيبات الأمنية على هاتفه. التفت ياسين إلى شقيقه الأكبر ونظر إليه بابتسامة فخر واضحة، وقال بمرحه المعتاد محاولاً كسر التوتر:

— إيه الشياكة دي كلها يا مالك باشا! قسماً بالله عريس زي الفل، والسوق كله مقلوب بره.. القصر محاصر بالصحفيين ورجال الأعمال اللي جايين يتأكدوا إن الأسد رجع لعرينه بكامل قوته.

ابتسم "مالك" ابتسامة خفيفة باهتة لم تصل لعينيه، ونظر إلى آسر وقال بنبرة جادة:

— آسر.. كل حاجة تمام بره؟ الترتيبات الأمنية؟ مش عايز أي غلطة، ولا عايز أي صحفي يدخل منطقة الحديقة الخاصة بالعائلة. الزفاف ده إعلان قوة للسوق، بس هو خصوصية كاملة لتولين وعيلتي.

رد "آسر" بحسم:

— متقلقش يا مالك.. الحراسة مشددة على كل المداخل، ورجالتنا منجدين المكان. طارق وشاكر الجويلي اتحولوا للنيابة الكلية النهارده الصبح، والموضوع اتقفل قانونياً ومفيش أي ثغرة.. وأمك شاهيناز هانم استقرت في المزرعة وتليفونها اتقفل تماماً بناءً على أوامرك. عيش ليلتك وانبسط يا صاحبي.. تولين تستاهل تفرح.

تنهد "مالك" بعمق، ونظر إلى عصاه المستقرة على الأرض، ثم قال بصوت خفيض يحمل نبرة دافئة ونادرة:

— تولين هي الحاجة الوحيدة الصح اللي باقية في حياتي يا آسر.. وأنا النهارده مش داخل أعمل صفقة، أنا داخل أصون الجوهرة اللي حمتني من الموت. يلا بينا ننزل.

عند الساعة الثامنة مساءً.. تحولت حديقة قصر "الراوي" إلى قطعة من الجنة المضيئة بآلاف الشموع وفوانيس الكريستال المتدلية من أغصان الأشجار العتيقة. عزفت الفرقة الموسيقية الكلاسيكية تراتيل الزفاف المهيبة، واصطف الحضور من كبار رجال الأعمال والوزراء والشخصيات المرموقة، يترقبون هبوط العروسين.

انفتح الباب الرئيسي للقصر، وخرجت "تولين" تستند على ذراع والدها "عاصم الراوي" الذي كان يسير بوقار وثبات وعيناه تفيضان بالفخر. كانت تولين تخطو كالملكة، وطرحتها الطويلة تنجر خلفها فوق السجاد الأحمر المخملي.

وعند نهاية الممر المزين بورود الياسمين البيضاء، كان "مالك" يقف في انتظارها. كان يستند على عصاه الفخمة بيده اليمنى، بينما كانت يده اليسرى موضوعة في جيب بنطاله بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي. عندما اقتربت "تولين" منه، التقت أعينهما في نظرة طويلة، عميقة، صهرت كل عواصف الماضي ومرارة الوجع في ثانية واحدة. تلاشت الوجوه من حولهما، واختفى صخب الحاضرين، ليصبحا وحدهما في كونٍ صُنع لأجلهما.

سلم "عاصم الراوي" يد ابنته لـ"مالك"، وقال بنبرة صوت حازمة ومؤثرة:

— حافظ عليها يا مالك.. تولين مش بس بنتي، دي حتة من قلبي وصانتك في وقت الكل اتخلى عنك.. أنا بسلمك شرفي وأمانتي.

أخذ "مالك" كف "تولين" الرقيقة، وقبلها بحنان حارق أمام الجميع، ونظر في عيني عمه بثبات:

— في عيوني يا عمي.. تولين بقت هي حياتي كلها، واللي يمسها بكلمة هيكون بيمس رقبتي.

تحرك العروسان معاً نحو منصة الزفاف ببطء؛ صوت عصا مالك يرتطم بالأرض بإيقاع متزن وقوي، وتولين تستند على ذراعه الأيسر القوي بكل ثقة وعشق، وكأنها تعلن للعالم كله أنها فخورة برجلها وبكسرته التي تحولت إلى حصن حديدي لا ينكسر. دوت تصفيقات الحاضرين، واشتعلت الأجواء بالبهجة والرومانسية الأسطورية التي تليق بعائلة الراوي.

ولكن.. خلف هذه الأنوار الساطعة وفرحة الزفاف الأسطوري.. كانت هناك خيوط مؤامرة جديدة تُغزل في عتمة الليل المظلم، بعيداً عن أسوار القصر.

داخل أحد الفنادق الفاخرة بوسط القاهرة، وتحديداً في جناح سري يطل على النيل.. كان يجلس رجل أعمال غامض يُدعى "رأفت المنشاوي".. الحوت الأكبر والمنافس التقليدي والتاريخي لعائلة الراوي في السوق، والرجل الذي طالما انتظر لحظة سقوط مالك لكي يستولي على صفقات الحديد والاتصالات.

كان "رأفت" يرتشف سيجاره الفاخر، وأمامه شاشات تعرض صوراً حية لزفاف مالك وتولين منقولة عبر أحد الجواسيس في الحفل. جلس بجانبه رجل قانون خبيث، وقال بنبرة خفيضة:

— رأفت بيه.. مالك الراوي رجع القصر وعمل الفرح ل بنت عمه عشان يثبت للسوق إنه لسه مسيطر بعد حادثة البتر وقضية طارق وشاكر الجويلي.. الأسهم رجعت ليهم بالكامل، والتحالف بين مالك وعاصم بقى أقوى من الأول.

نفث "رأفت المنشاوي" دخان سيجاره بكراهية شديدة، وضيق عينيه ببريق شيطاني مرعب، وقال بصوت فحيح:

— مالك الراوي فاكر إنه لما يركب حتة حديد في رجله ويجوز بت عمه الرقيقة يبقى كدا حمى إمبراطوريته من الخراب.. هو مش عارف إن طارق وشاكر الجويلي كانوا مجرد عيال بتلعب لحسابهم! الخيط الكبير لسه تحت إيدي أنا.. الأوراق اللي طارق زورها مش هي اللي كانت هتوقعه.. في شحنة سلاح ومواد مهربة داخلة باسم شركات الراوي الأسبوع الجاي بالاتفاق مع ناس جوه الجمارك من رجالتنا القدام.. مالك بكره لما يدخل مكتبه، هيلاقي البوليس الدولي مستنيه بتهمة تهريب السلاح الدولي وتخريب الأمن القومي!

ضحك محاميه بخبث:

— كدا اللعبة هتنتهي تماماً يا باشا.. مالك هيدخل السجن المؤبد، وعاصم الراوي مش هيستحمل الصدمة ويموت، والشركات هتقع في إيدينا بالمليم مع أول جلسة بورصة!

رد "رأفت" وهو يطفئ سيجاره بعنف في المنفضة الرخامية:

— الزفاف ده هيكون ليلته الأخيرة في الحرية.. ومن بكره، هيبدأ عهد "أسياد الوجع" الحقيقيين، وهخليه يتمنى لو كان مات في حادثة الفرامل ومقماش منها!

وفي نفس اللحظة.. عودة إلى حديقة القصر..

كانت الأجواء قد وصلت إلى ذروة الرومانسية الدافئة. رقص "مالك" مع "تولين" رقصتهما الأولى على أنغام مقطوعة موسيقية هادئة وساحرة. كان يحيط خصرها بذراعه القوية، وهي تضع رأسها على صدره العريض، تستمع إلى دقات قلبه المتسارعة التي كانت تنبض باسمها وحده.

همس "مالك" أمام شفتيها بنبرة صوت تفيض بالعشق الخالص والنقاء:

— تولين.. أنا بحبك.. بحبك ومقدرش أعيش من غيرك. القصر ده والشركات وكل الفلوس دي ميسووش حاجة من غير ضحكتك ونظرة الأمان اللي في عينيكي.. أنتي حصني يا تولين.

رفعت وجهها ونظرت إليه وعيناها تلمعان بدموع السعادة، وقالت بنبرة ناعمة أذابت بقايا الجليد في روحه:

— وأنا بعشقك يا مالك.. ومش هسيب مخلوق في الدنيا يفرقنا تاني.. إحنا مع بعض هنواجه أي حاجة، وطالما إيدك في إيدي، أنا مش خايفة من بكرة.

انحنى "مالك" وطبع قبلة حانية طويلة وعميقة فوق شفتيها الرقيقتين، قبلة أعلنت عهدهما الأبدي وتثبيت عرشهما الجديد وسط تصفيقات وزغاريد العائلة.. دون أن يعلما أن شياطين السوق ومؤامرة "رأفت المنشاوي" تقف خلف الأسوار، مستعدة لشن هجوم مروّع سيهز أركان الإمبراطورية ويضع حبهما وسلطتهما في اختبار جديد يحبس الأنفاس!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسياد الوجع   نبش القبور القديمة

    لم يكن صمت الحديقة المحيطة بـ"حوض الورد" في تلك اللحظة صمتَ طمأنينة، بل كان أشبه بالبرود الذي يسبق انفجار المدافع في ساحات القتال. انقطع خط الهاتف مع "آسر" فجأة، لكن كلماته الأخيرة بقيت تدوي في أذن "مالك الراوي" كصاعقة مسمومة شطرت روحه إلى نصفين، وهشمت ذلك الحصن الدافئ الذي ظن أنه بناه فوق رماد المؤامرات الدولية.تصلب جسد "مالك" القوي بكامل طوله، وعروق جبهته ورقبته برزت بشكل مخيف حتى تلونت ملامحه الحادة بحُمرة الدم المكتوم. قبضته اليمنى على مقبض عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس اشتدت بعنف، لدرجة أن الخشب الثقيل أصدر صريراً مكتوماً تحت ضغط أصابعه المرتعشة من هول الصدمة. كان ذهوله أكبر من غضبه؛ فكل تفصيلة في تلك الرواية التي ألقاها آسر كانت بمثابة مِشرط يمزق طبقات الثقة والنقاء التي استسلم لها طوال الأيام الماضية. التفت ببطء مرعب، حركة جسده كانت بطيئة كحركة قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام، وعيناه الصقريتان الحادتان اللتان كانتا منذ ثوانٍ تفيضان بعشق جارف، تحولتا إلى جمرتين من الشك والموت الحتمي.في المقابل، كانت "تولين" تقف بفستانها الشيفون الوردي الناعم، وجسدها الرقيق

  • أسياد الوجع   سقوط الأقنعة الأخيرة

    ساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشرة وصارمة من "مالك الراوي" لحسم ملف الشيك البنكي الملعون الذي تركه الماضي كاللغم الموقوت ليهدد شرف العائلة. كان وجه آسر شاحباً من فرط الإرهاق، لكن عينيه كانت تلمعان ببريق الجدية؛ فالمهمة الليلة لم تكن تصفية حسابات مالية في البورصة، بل كانت عملية بتر لأخر عروق الخيانة قبل أن تلوث اسم الراوي في المحاكم الدولية.انفتح الباب الحديدي للزنزانة بصوت صرير حاد ومزعج، ليتفاجأ "طارق الراوي" القابع على الكرسي الحديدي بدخول آسر. كان طارق يرتدي ملابس السجن الزرقاء، ووجهه ملطخ بالكدمات والندوب إثر المطاردة القديمة، لكن عينه كانت ما تزال تشع بحقد دفين وجنون لا ينطفئ. رفع رأسه ببطء، ورمق آسر بابتسامة شماتة ثعلبية، وقال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:— أهلاً أهلاً يا آسر.. يا كلب مالك الراوي ا

  • أسياد الوجع   طوفان البورصة

    مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق

  • أسياد الوجع   ظلال الماضي

    لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف

  • أسياد الوجع   حياكة الدسائس

    انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ

  • أسياد الوجع   أصداء المعركة

    مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status