Share

العهد الجديد

last update publish date: 2026-05-23 19:00:00

عقارب الساعة كانت تقترب من منتصف النهار حين بدأت خيوط الشمس الذهبية الحارقة تخترق النوافذ الزجاجية العملاقة لصالون القصر، لتنعكس على الأرضية الرخامية وتكشف عن آثار المعركة الصامتة التي دارت رحاها قبل قليل. كانت الأجواء مفعمة برائحة القهوة المسكوبة المخلوطة بعبير عطر الأوركيد الدافئ الذي كانت تفوح به "تولين". ساد سكون غريب، هدوء يشبه ذلك الذي يعقب الزلازل المدمرة، حيث يقف الناجون وسط الحطام يتأملون ما تبقى من حياتهم ويحاولون استيعاب حجم الخسائر.

على الأريكة المخملية الكبيرة ذات اللون الزيتي الداكن، كان "مالك" يرقد بجسده المفرود، وقد استعاد وعيه ببطء بعد نوبة الإغماء المؤقتة التي أصابته إثر الانهيار العصبي والجسدي التام. كانت ملامحه الحادة ما تزال تحمل شحوباً مخيفاً، وعيناه الصقريتان غائرتين تحت وطأة الخذلان الذي تلقاه من المرأة التي حملت اسم أمه. لم يعد ذلك العملاق الذي يلقي الأوامر العسكرية بجبروت لا يلين، بل بدا في تلك اللحظات كقائد جيش مهزوم، جُرح في كبريائه قبل جسده.

بجانبه تماماً، كانت "تولين" تجلس على حافة الأريكة، ممسكة بكفه العريضة الباردة بين كفيها الرقيقتين الدافئتين، تضغط عليها بنعومة وكأنها تضخ الحياة في عروقه من جديد. كانت عيناها الحمراوان تفيضان بحنان جارف، ونظراتها معلقة بوجهه الشاحب، متناسية كل الطعنات اللفظية التي وجهها إليها قبل ساعات. بالنسبة لتولين، لم يكن هناك مكان للعتاب الآن؛ فرجلها يمر بأقسى اختبار بشرى، وخيانة الدم أصعب من بتر الجسد بمراحل.

على المقاعد المقابلة، كان "عاصم الراوي" يجلس بوقاره المعهود، يضع يديه فوق مقبض عصاه الخشبية الكلاسيكية، وعيناه الثاقبتان تراقبان ابن أخيه بتركيز شديد ومزيج من الأسى والاحترام. وبجانبه يقف "ياسين" الذي كان يمسك بيد زوجته "ليان"، وكانت ملامحهما تحمل مزيجاً من الراحة لانتهاء المؤامرة، والقلق على مستقبل العائلة التي انشطرت أجنحتها.

تنحنح "عاصم الراوي" بصوته الرخيم المهيب، ليكسر الصمت الجاثم في الغرفة:

— حمد الله على سلامتك يا مالك.. أظن دلوقتي الصورة وضحت بالكامل، والكلاب اللي حاولوا يهدوا البيت ده بقوا ورا القضبان. شاهيناز هانم اتحركت عربيتها للمزرعة في الفيوم تحت حراسة مشددة من رجالتنا، ومش هترجع هنا تاني.. والشركة رجعت بالكامل تحت سيطرتنا بعد ما آسر قفل الحسابات الوهمية في إيطاليا وصادر الأسهم المزورة.

فتح "مالك" عينيه ببطء، ونظر إلى عمه، ثم تحولت نظراته تلقائياً نحو "تولين" الجالسة بجانبه. شعر بغصة خنقت حنجرته وهو يرى يدها الصغيرة تحتضن كفه الكبيرة. حاول أن يعتدل في جلسته، لكن الألم الفظيع في موضع البتر داهمه مجدداً، فصدرت منه تنهيدة متألمة خفيثة. سارعت "تولين" بوضع وسادة خلف ظهره لتسنده، وهمست بنبرة تفيض بالعذوبة:

— ارتاح يا مالك.. متضغطش على نفسك دلوقتي، الشغل مش هيهرب، وإحنا كلنا جنبك.

نظر مالك إلى عينيها، ولأول مرة اختفت نبرة الجحود والبرود من صوته، ليحل محلها صوت مبحوح يحمل انكساراً حقيقياً:

— تولين.. أنا.. أنا آسف. آسف على كل كلمة قولتها ليكي بارح والنهارده الصبح.. كبريائي وعجزي عموني، ومكنتش شايف إنك الإنسانة الوحيدة الصادقة في وسط الغابة دي. كنت فاكر إن وجودك جنبي شفقة على رجلي اللي ضاعت.. ومكنتش أعرف إن اللي من دمي هما اللي قطوعها عشان الفلوس.

انهمرت دمعة حارة من عين "تولين" وسقطت فوق كفه، وابتسمت بنقاء هز كيانه:

— مفيش أسف بيننا يا مالك.. أنا قولتلك أنا الساق اللي بتمشي بيها والعين اللي بتشوف بيها الدنيا. وجعك هو وجعي، وكبرياءك هو كبريائي.. المهم عندي دلوقتي إنك تقوم بالسلامة وترجع تقف على رجليك وتهز السوق من تاني.. عيلة الراوي مش هتنكسر طول ما إحنا ايدينا في إيد بعض.

شعر "مالك" بدفء غريب يجتاح صدره، وضغط على يدها بقوة لم يعهدها فيه من قبل، وكأنه يستمد منها الطاقة ليعود إلى الحياة.

التفت "عاصم الراوي" نحو ياسين وآسر الذي كان قد دخل لتوّه إلى الصالون حاملاً بعض الملفات الرسمية، وقال بحسم:

— ياسين.. من بكره تنزل الشركة وتستلم مكتب الإدارة العامة مع آثر.. مالك محتاج فترة راحة مش هتقل عن أسبوعين عشان الجرح يقفل تماماً ويتعود على الحركة الكاملة بالساق الجديدة من غير إجهاد.. وأنت يا آسر، تتابع مع النيابة تحقيقات طارق وشاكر الجويلي، مش عايز ثغرة واحدة تخليهم يشموا حرس الحدود أو يهربوا من حبل المشنقة.

رد "آسر" بجدية واحترام:

— كله تمام يا عاصم بيه.. طارق وشاكر لبسوا القضية كاملة، والتحريات أثبتت إن ميرا وأمها هاجر كانوا شركاء في التستر والتسهيل، ومكانهم السجن مفيش فيه نقاش. الشؤون القانونية في الشركة بدأت من ساعة تصفية كل المستندات القديمة عشان نضمن إن مفيش أي ورقة مزورة باقية.

هز "مالك" رأسه بالموافقة، ثم التفت إلى عمه وقال بنبرة استعادت جزءاً من صلابتها المعتادة:

— عمي عاصم.. في قرار تاني لازم يتحسم النهارده وبأسرع وقت.. فرحي أنا وتولين هيكون الأسبوع الجاي هنا في الفيلا.. مش هأجل يوم واحد تاني، والاتفاق القديم هيتنفذ بس المرة دي مش عشان حصص الأسهم ولا توزيع الثروة.. المرة دي عشان تولين بقت هي الثروة الوحيدة اللي باقية ليا في الدنيا دي، وأنا مش مستعد أخسرها أو أسيبها تبعد عني خطوة واحدة.

اتسعت عينا "تولين" بصدمة ممزوجة بفرحة عارمة كادت تجعل قلبها يقفز من صدرها. نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع والخجل، بينما ابتسمت "ليان" واحتضنت زوجها "ياسين" بفرحة حقيقية هتف معها:

— مبروك يا صاحبي! هو ده الكلام الصح اللي كنت مستنيه منك من زمان.. أخيراً فقت وعرفت قيمة الجوهرة اللي معاك!

وافق "عاصم الراوي" بابتسامة وقار هادئة، ووقف مستنداً على عصاه:

— على بركة الله يا ابني.. الأسبوع الجاي تولين هتكون في جناحك كزوجة وشريكة عمر.. ودلوقتي هسيبكم ترتاحوا، وياسين وآسر ييجوا معايا المكتب عشان نرتب أوراق بكره في الشركة.

انسحب الجميع من الصالون بهدوء، لتفرغ الغرفة إلا من "مالك" و"تولين" تحت خيوط شمس الظهيرة الدافئة.

التقط "مالك" عصاه الأبنوسية الموضوعة بجانبه، وبمساعدة يد "تولين" الرقيقة، استطاع أن يقف على قدميه بثبات أشد من المرات السابقة. نظر إلى عينيها الواسعتين الجميلتين اللتين كانتا تعكسان ضوء الشمس، وقال بنبرة صوت منخفضة مليئة بالرومانسية العذبة:

— تولين.. تعالي معايا الجنينة.. عند حوض الورد بتاعك.

ابتسمت برقة وأومأت برأسها:

— حاضر يا حبيبي.. يلا بينا.

تحركا معاً بخطوات بطيئة ومتزنة؛ صوت عصاه يرتطم بالرخام ثم بالنجيل الأخضر في الحديقة، لكن هذه المرة لم يكن الصوت يمثل لعنة العجز، بل كان يمثل إيقاع الصمود والبدء من جديد. وصلا إلى "حوض الورد" الذي شهد دموعها وانكسارها طوال الأسابيع الماضية. كانت الزهور الحمراء والبيضاء تفتحت بالكامل مع قدوم الصيف، وتفوح برائحة زكية ملأت الأجواء بنوع من الأمل والنقاء.

توقف "مالك" أمام الحوض، والتفت بكامل جسده القوي نحوها. ترك عصاه تستند على سور الرخام، وأمسك بكلتا يدي "تولين" ورفعهما إلى فمه ليقبلهما بحنان حارق جعل وجنتيها تشتعلان بالخجل:

— هنا يا تولين.. في المكان ده كنت بشوفك من شباك مكتبي وبقول عليكي بنت تافهة وفاضية ومبتفهمش في عالم الصراعات.. والنهارده، في نفس المكان، أنا واقف وبقولك إني كنت أغبى راجل في الدنيا.. الورد ده يشبهك في رقتك، بس أنتي طلعتي أقوى من كل جدران القصر ده.. أنتي اللي حميتي قلبي من الموت.

دمعت عينا "تولين" مجدداً، لكنها كانت دموع الفرحة والانتصار لعشقها:

— أنا مش قوية غير بيك يا مالك.. حبك هو اللي كان بيمشيني، ومكنتش هقدر أشوفك مكسور وأقف أتفرج. المؤامرات انتهت، والناس اللي كانوا عايزين يفرقونا بقوا بره حياتنا.. من النهارده، إحنا هنبني حصن جديد مفيش فيه مكان للشك ولا للكبرياء البارد.. حضني هيكون بيتك وأمانك دايماً.

اقترب "مالك" منها أكثر، وأحاط خصرها بذراعه اليسرى القوية، وقرب وجهه من وجهها لتلتقي أنفاسهما الدافئة في لحظة رومانسية ساحرة غابت عنها كل حسابات الأرقام والشركات، وهمس أمام شفتيها:

— بحبك يا تولين.. بحبك بجروحي، وبعجزي، وبكل ما فيا.. وأوعدك إن مالك الراوي الجديد هيكون الراجل اللي يخليكي أسعد ست في الدنيا.. ومفيش مخلوق هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش.

انحنى "مالك" ليطبع قبلة حانية دافئة وطويلة فوق جبينها، قبلة حملت كل معاني العهد الجديد والوفاء الأبدي، بينما تراقصت أوراق الورد من حولهما مع نسمات الهواء العليلة، لتعلن عن نهاية فصول الوجع وبداية ملحمة العشق والانتصار لعائلة "الراوي" التي ولدت من جديد بين أحضان الحب الصادق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسياد الوجع   محراب العشق وعاصفة الضباب

    ساد الصمت أرجاء القاعة الفسيحة، صمت ثقيل جاثم على الصدور كصخور الجبال، لم يكن يقطعه سوى أنفاس اللورد كرافين المتلاحقة، والتي تحولت غطرسته البريطانية الباردة في ثوانٍ معدودة إلى ذعر بدائي خطّ ملامحه على وجهه الشاحب. كانت وثائق البراءة الرسمية والتنازلات الدولية الموثقة التي يحملها "عبد السلام باشا" تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية كأنها مقصلة قانونية نُصبت خصيصاً لقطع دابر النفوذ الأجنبي.وقف مالك الراوي بطوله الفارع وكبريائه الذي لا يلين، وعيناه السوداوان تطلقان شرارات من الهيبة والصرامة. يمسك بعصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي، مشكّلاً مع رجال الصعيد الأشداء الذين جاءوا لرد جميله جداراً منيعاً من النصر الحاسم. لقد كان مالك طوال عمره صاحب فضل ونفوذ، والآن يقف هؤلاء الرجال خلفه كدرع بشري لا يمكن اختراقه. وعلى مقربة منه، كانت تولين تتنفس الصعداء، تشعر بدفء خفي يسري في أوصالها وهي متشبثة بعضده العريض، مستمدة من صلابته أماناً ظنت أنها فقدته للأبد في دهاليز المؤامرات الدولية.لكن السكون الذي أعقب العاصفة لم يكن سوى خديعة أخرى من خبايا القدر.في اللحظة التي تقدم فيها عبد الس

  • أسياد الوجع   وَلِيمَةُ الأَفَاعِي

    امتصّ الصمتُ الكثيف الصارم صدى تلك الطلقات الغامضة التي اخترقت العتمة الموحشة، وانقشع غبار الخوف سريعاً بعدما تهاوت أجساد المرتزقة الذين حاولوا تصفية تولين وآسر في الغرفة السرية. لم تكن تلك الرصاصات المباغتة الدقيقة إلا طلقات القناصة المحترفين التابعين لرجال "مالك الراوي" الأشداء، الذين طوقوا مقر اللورد البريطاني ومحيط القصر قبل أن تكتمل فصول الخيانة بالدم. لملمت العاصمة خيوط ليلها الدامي المليء بالهزات، واستيقظت الإمبراطورية المالية في اليوم التالي على حقيقة واحدة لا شريك لها: الصقر كسر قيده واسترد سماءه بكامل سطوته، لكن الأفاعي ما زالت تزحف وتنفث سمومها بره الجدران، والمعركة الكبرى بحاجة إلى مسرح تليق به الأصول الصارمة لآل الراوي. تم التنسيق سريعاً خلف الكواليس لعقد عشاء عمل سري، فخم، وبالغ الخطورة والتعقيد داخل "قصر الراوي" عينه، بعدما تراجعت لجان التحفظ القضائي مؤقتاً تحت وطأة الأوراق والمستندات الرسمية القاطعة التي قدمها آسر وأيدها عبد السلام باشا بدمه. كان الضيف الثقيل ليس سوى "اللورد البريطاني" (آليستر كرافين)، الشريك الثالث الغادر الذي وصل إلى القاهرة فجأ

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   شروخ في القناع

    انقضت الأيام السبعة التالية للزلزال العائلي وكأنها دهرٌ كُتب بمداد من الترقب والحذر. في بهو قصر "الراوي" العتيق، تحولت ردهات الكآبة والوجوم تدريجياً إلى ورشة عمل لا تهدأ؛ استعداداً لحدثٍ أراد له "مالك الراوي" أن يكون بمثابة إعلان سيادة متجدد أمام السوق وأمام مجتمع رجال الأعمال الذي ظل يترقب سقوطه

  • أسياد الوجع   مواجهة الجحيم

    سقطت الكلمات في بهو القصر كقنابل هيدروجينية، شطرت سكون المكان إلى شظايا مرعبة، وجمدت الدماء في عروق كل واقف. بدا وكأن الزمن قد توقف فجأة؛ الهواء ثقيل لا يكاد يُتنفس، والوجوه التي كانت قبل ثوانٍ تتصارع في معركة كبرياء وكرامة، تحولت إلى أقنعة من الشمع المشوه تحت تأثير الصدمة القاتلة.أصوات ت

  • أسياد الوجع   زلزال في الحصن العتيق

    ساد صمت رهيب وجاثم في أرجاء الصالون الفسيح، صمتٌ بدت فيه تكتكات ساعة الحائط البندولية القديمة وكأنها دقات قنبلة موقوتة أوشكت على تفجير كل المحرمات العائلية. كانت كلمات "تولين" الأخيرة تدوي في الفراغ كقذائف مدفعية ثقيلة، اخترقت هيبة المكان وهشمت برستيج "مالك الراوي" الذي لم يجرؤ مخلوق يوماً على تو

  • أسياد الوجع   جمر الغيرة

    انغلق الباب الخشبي الثقيل لجناح "مالك" خلف خطى "ميرا" المتبخترة، ليرتطم بقلب "تولين" التي بقيت متجمدة في الرواق البارد. كانت الأجواء المحيطة بها غارقة في صمت الغسق الذي يسبق شروق الشمس، لكن بداخلها كانت البراكين تثور بعنف. نظرت إلى مقبض الباب النحاسي الذي دار ليُعلن عزلها عن عالم الرجل الذي أفنت عم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status