共有

مواجهة الجحيم

last update 公開日: 2026-05-22 18:00:00

سقطت الكلمات في بهو القصر كقنابل هيدروجينية، شطرت سكون المكان إلى شظايا مرعبة، وجمدت الدماء في عروق كل واقف. بدا وكأن الزمن قد توقف فجأة؛ الهواء ثقيل لا يكاد يُتنفس، والوجوه التي كانت قبل ثوانٍ تتصارع في معركة كبرياء وكرامة، تحولت إلى أقنعة من الشمع المشوه تحت تأثير الصدمة القاتلة.

أصوات تناثر فنجان القهوة الصيني الفاخر الذي سقط من يد السيدة "شاهيناز هانم" رنّ في أرجاء البهو كأنه صدى الانهيار الأخير لإمبراطورية "الراوي". كانت القطع المكسورة تسبح في سائل بني دافئ فوق الرخام الأبيض الناصع، تماماً كخططها التي تلوثت وتهشمت عند أقدام ابنها الأكبر. تراجعت "شاهيناز" خطوة إلى الخلف، واهتزت قسوتها الأرستقراطية المعهودة لأول مرة؛ زاغت عيناها الكحيلتان برعب حقيقي، وانفرجت شفتيها المصبوغتين بلون نبيذي داكن دون أن تخرج منهما أية أمل في الإنكار.

بجانبها، كانت "ميرا" تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها. امتقع وجهها بالكامل، واختفى منه كل أثر للدلال أو الأنوثة المصنوعة التي حاولت نسج خيوطها حول مالك طوال ليلة بارحة. قبضت بجلد أظافرها على ثوبها كأنها تحاول التمسك بالحياة، والتفتت بعينين متسعتين تبحث عن مخرج هروب لا وجود له، بعد أن أطبق الحصار على رقبتها ورقبة والدها القابع في الزنزانة.

عند عتبة الباب الخارجي، تسمرت "تولين". كانت يدها القابضة على مقبض حقيبة سفرها الجلدية ترتعد بعنف، وجسدها الرقيق تيبّس كتمثال غارق في مأساة إغريقية. التفتت ببطء شديد، وعيناها اللامعتان بدموع الكرامة المكسورة تتوجهان نحو أعلى الدرج، حيث كان "مالك" يقف.

لم يكن "مالك" في تلك اللحظة مجرد رجل غاضب؛ بل كان أشبه ببركان يوشك أن يقذف حممه ليدمر الأخضر واليابس. تصلب جسده القوي فوق الدرج، واهتزت قبضته على العصا الأبنوسية الفخمة للحظة واحدة، قبل أن يضغط بها على الرخام بقوة جعلت الخشب يصدر صوتاً مكتوماً مرعباً. عيناه الصقريتان الحادتان تلونتا بحُمرة الدم، ووجنتيه المربعتين تشنجتا بعنف وهو ينظر إلى "آسر" الذي كان يلهث أمامه، ثم تحولت نظراته ببطء قاتل نحو الأسفل.. نحو والدته، ونحو "ميرا".

نطق "مالك" بصوت خفيض، صوت لم يكن عالياً، لكنه كان يحمل برود المقابر وفحيح الموت الذي جمد الحاضرين في أماكنهم:

— آسر.. قولت إيه دلوقتي؟.. انطق تاني.. وعيد الكلمة دي عشان أتاكد إني مسمعتش غلط.

بلع "آسر" ريقه بصعوبة، وتقدم خطوة يمسك بذراع مالك خشية أن يفقد توازنه الجسدي أو النفسي، وقال بنبرة متهدجة تفيض بالأسى:

— طارق انهار في التحقيق يا مالك.. اعترف بالاسم والوقت. قال إن تليفون جاله من جوه البيت ده، من خط مسجل باسم مستعار بس التحريات جابت مكانه.. التليفون ده هو اللي بلغه إنك أنت اللي هتسافر الإسكندرية مكان ياسين، وهو اللي قاله إن دي الفرصة اللي مش هتعوض عشان نخلص منك وتفضى الإمبراطورية لطارق وشاكر الجويلي. شاهيناز هانم كانت اتفقت مع شاكر على تزوير الأسهم ونقلها بره مصر لحسابات وهمية عشان تحرم عمك عاصم وبناته.. بس طارق وشاكر لعبوا من وراها وحبوا يخلصوا منك أنت كمان عشان اللعبة تصفى ليهم.. أمك هي اللي فتحت لهم الباب يا مالك.. البت "ميرا" دي وأمها كانوا حلقة الوصل، وتفاصيل صيانة العربية خرجت من تليفونها!

التفت "مالك" بكامل جسده ببطء مرعب نحو والدته. نزل درجات السلم درجة.. درجة.. وصوت ساقه الاصطناعية وعصاه يحدث إيقاعاً جنائزياً مرعباً في البهو. كانت كل خطوة يخطوها لأسفل تبدو وكأنها دهس لقلبه وروحه التي لم يبقَ منها شيء سليم. وقف عند نهاية الدرج، على مسافة مترين من السيدة "شاهيناز"، ونظر إليها بعينين خاليتين من أية عاطفة.. عيون خلت من رداء الابن ليحل محلها قاضي الجحيم.

صاح مالك، وهز صوته ثريات القصر الكريستالية الضخمة حتى اهتزت وسقطت منها حبات صغيرة تحطمت على الأرض:

— ليه؟! ليه يا شاهيناز هانم؟! أنا ابنك!! أنا مالك اللي شيلت اسم العيلة وحميتك وحميت شركاتك بعد وفاة أبويا! أنا اللي دمي ساح على الأسفلت ورجلي اتقطعت بسبب طمعك وأحقادك القديمة! كنتي عايزة تخلصي من عمي وبناته.. تقومي تضحي بيا أنا؟! تبيعي ابنك الكبير لطارق الكلب عشان الفلوس والسيطرة؟!

انفجرت السيدة "شاهيناز" في بكاء هستيري، وسقط قناع البرستيج الأرستقراطي تماماً؛ ارتمت على ركبتيها أمام ابنها، وحاولت التمسك بطرف بنطاله وهي تصرخ بنحيب مزق سكون القصر:

— لا يا مالك!! لا يا حبيبي والله العظيم ما كنت أعرف إنهم هيقتلوك!! طارق وشاكر ضحكوا عليا.. الاتفاق كان إننا نضغط على عمك عاصم ونزيف الأسهم عشان نخرجه بره الشركة ونلغي جوازتك من بنته تولين! أنا مكنتش أطيق أشوف ولاد فريدة بياخدوا حقي وحق عيالي! طارق قالي إن السفرية دي لياسين، وقالي هنعطله في الطريق بس.. مكنتش أعرف إنك أنت اللي هتركب العربية!! مكنتش أعرف إنهم هيقصوا الفرامل عشان يقتلوك يا مالك!! أنا أمك.. مستحيل كنت أرضى بدمك يا ابني!! سامحني يا مالك.. سامحني!!

نظر إليها "مالك" باحتقار لم تشهده امرأة من قبل. أزاح قدمه بعنف من بين يديها المرتعشتين، مما جعلها تسقط على الرخام الملوث بالقهوة، وقال بنبرة حادة كالمشرط:

— أنتي مبقتيش أمي.. من اللحظة دي، اسمك اتشال من حياتي ومن البيت ده. لولا إنك شيلتي اسم أبويا يوماً ما، كنت سبت آسر يرميكي في زنزانة تحت الأرض مع طارق.. لكن أنا هكتفي بنفيك.. هتخرجي من القصر ده حالا، وتروحي تعيشي في المزرعة القديمة في الفيوم، ومشوفش وشك في القاهرة ولا في الشركات لحد ما تموتي.. والشرطة هتاخد مجراها في التحريات من غير ما اسمك يظهر علنياً عشان برستيج العيلة اللي أنتي دوستي عليه.

التفت "مالك" فجأة نحو "ميرا" التي كانت ترتعد كالعصفور في زاوية الصالون. خطا نحوها بغضب أعمى، وقبض بيده اليسرى القوية على ذراعها بعنف جعل عظامها توشك على التكسر، وقرب وجهه من وجهها ليتحدث بفحيح مرعب:

— وأنتي يا حرباية.. فاكرة إن دلالك ولبسك بارح بالليل وخيط الإسكندرية اللي جبتيه كان عشان تحميني؟! كنتي بتغسلي إيدك وإيد أبوكي من دمي! كنتي جاية ترمي طارق بعد ما اللعبة باظت عشان تطلعي منها بريئة وتدخلي جناحي وتسيطري عليا وأنا عاجز!!

صرخت "ميرا" بالألم والخوف:

— ارحمني يا مالك باشا!! أنا ماليش ذنب.. بابا وأمك هما اللي خططوا!! أنا كنت بنفذ الأوامر بس عشان خايفة!!

صاح مالك بـ آسر دون أن ينظر إليه:

— آسر!! خدهم هما الاتنين.. البت دي وأمها هاجر غازي بره القصر في عربية البوكس!! يترموا في التخشيبة مع شاكر الجويلي.. وقضية الشروع في قتل والتزوير تلبسهم تلاتتهم لحد ما يعفنوا في السجن! مش عايز أشوف وش الخيانة ده في بيتي تاني!!

سحب رجال الشرطة "ميرا" وهي تصرخ وتستغيث، بينما كانت السيدة "شاهيناز" تُقاد من قِبل الحراس الشخصيين إلى الخارج وهي تبكي بحرقة وتنادي باسم ابنها الذي أدار لها ظهره تماماً واستند بجسده المنهك على عمود الرخام الكبير في البهو.

انقشعت العاصفة مؤقتاً، وغادرت قوات الشرطة القصر، ليحل محلها صمت مطبق وأشد قسوة. كان البهو فارغاً إلا من أفراد العائلة الباقين: "عاصم الراوي" الذي كان يقف بوجوم وثبات يحمل حزن الدنيا في عينيه، والسيدة "فريدة" التي كانت تبكي بصمت مستندة على ابنتها "ليان" وزوجها "ياسين".

أما "تولين"، فقد كانت ما تزال تقف عند عتبة الباب الخارجي. نظرت إلى "مالك" الذي كان يقف بمفرده عند عمود الرخام.. الرجل القوي، المتكبر، عملاق السوق، كان يبدو في تلك اللحظة كعصفور جريح كسرت أجنحته أقرب الناس إليه. كانت ساقه الاصطناعية ترتعش خفية بفعل الإجهاد العنيف، وعصاه الأبنوسية كادت تفلت من يده المرتعشة، ووجهه مغطى بشحوب الموت والخذلان.

تحركت بداخل "تولين" كل غرائز العشق النقي الذي نمى في قلبها منذ الطفولة. تلاشت غيظها، واختفت رغبتها في الانتقام لكرامتها؛ فـ"مالك" الآن ليس الرجل البارد الذي أهانها بارح، بل هو حبيبها المكسور الذي يوشك على الانهيار أمام عينيها. تركت حقيبتها تسقط على الأرض، وتحركت بخطوات رقيقة ومسرعة عبر البهو نحو وعيناها تفيضان بالدموع والحنان الجارف.

وفي تلك اللحظة، شعر "مالك" بأن طاقته الجسدية والنفسية قد نفدت تماماً. بدأت الدنيا تدور من حوله، واهتزت ساقه السليمة تحت ضغط الألم الفظيع في موضع البتر. كادت عصاه تنزلق من يده، وبدأ جسده القوي يميل نحو الأرض للسقوط في نوبة إغماء إثر الصدمة والإنهاك العصبي.

ولكن قبل أن يرتطم جسده بالرخام البارد، كانت "تولين" قد وصلت إليه. ارتمت بجسدها الرقيق تحت صدره العريض، وأحاطت خصره بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة لتسنده وتحمل جزءاً من وزنه الثقيل. سقطت عصاه الأبنوسية على الأرض برنين عالٍ، لكن "مالك" لم يسقط؛ فقد وجد نفسه مستنداً بالكامل على صدر "تولين" الدافئ، ورأسه الفاخر هبط على كتفها الرقيق، بينما كان شعرها الحريري يغطي وجهه المجهد.

تنفس "مالك" برعب وتعب، وحاول بصوته المتحشرج والضعيف أن يدفعها بعيداً بكبريائه الأخير:

— تولين.. ابعدي عني.. أنا مش عايز.. مش عايز حد يشوفني كدا.. سيبيني أقع..

لم تستمع إليه؛ بل شددت من قَبضتها حول جسده، واحتضنته بقوة أكبر ودموعها تنهمر فوق عنقه الدافئ، وهمست بنبرة صوت تفيض بالرومانسية العذبة، والحب الجارف الذي يذيب الصخر:

— مش هسيبك تقع يا مالك.. مش هسيبك طول ما فيا نَفَس في الدنيا دي! أنا قولتلك أنا الساق اللي بتمشي بيها والعين اللي بتشوف بيها.. كبرياءك وجعك وأمك خانتك، بس أنا هنا.. تولين بتاعتك لسه هنا ومش هتمشي وتخليك لوحدك في جحيمهم ده.. ارتاح يا حبيبي.. ارتاح في حضني وم تخافش من حاجة.

شعر "مالك" بغصة خنقت حنجرته، ولأول مرة في حياته منذ أن أصبح رجلاً، شعر بدمعة حارة وحيدة تسيل من عينه الصقرية المغمضة لتسقط على كتف "تولين". استسلم تماماً لدفء حضنها ونقائها، وشعر بأن حصونه الزجاجية وكبريائه الخشبي قد تهاويا بالكامل، ليس بفعل العجز أو الحادث، بل بفعل هذا العشق الأعمى والصادق الذي قذفته الأقدار في طريقه ليحميه من برد العالم الخارجي.

تحرك "ياسين" وسارع بمساعدتها، وأسناد شقيقه الأكبر برفقة عاصم بيه ليأخذوه نحو الأريكة المخملية الكبيرة في الصالون، بينما بقيت يد "تولين" متشابكة بقوة مع يد "مالك" الباردة، معلنة عن بداية صفحة جديدة تُكتب بدماء المؤامرات وجمر الغيرة، ولكن برداء عشق أرستقراطي لن يزول.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • أسياد الوجع   نزيف العرش

    امتزج عواء صفارات إنذار سيارات الدعم السيادي وقوات المباحث الكلية بصوت الرياح الصحراوية الباردة التي كانت تعصف بأسوار قصر "الراوي" المهشم. في الممر العلوي الفسيح، حيث تلاقت خيوط فجر جاردن سيتي الباردة باللون القرمزي القاني للدماء النازفة، كان المشهد أشبه بملحمة مأساوية أُسدل ستارها الأول على جثث الخيانة. سقط "عاصم الراوي" جثة هامدة، متيبس الأطراف، بعد أن اخترقت رصاصة حازمة أطلقها "آسر" من الخلف صدره مباشرة، لتنهي في جزء من الثانية عقوداً من الجبروت، والمؤامرات، والأحقاد الدفينة التي دمرت العائلة من جذورها.ولكن، لم تكن جثة عاصم هي ما شلّ الأنفاس في الرواق، بل كان جسد "مالك الراوي" الملقى على الأرضية الرخامية الباردة. كان قميصه الأسود الفاخر يتشرب الدماء بغزارة إثر الطعنة الغادرة والعميقة التي وجهها إليه عمه بالخنجر المسموم في جانبه الأيسر. كان وجهه الفاخر شاحباً ككفن أبيض، وعيناه الصقريتان الحادتان انغلقتا ببطء، بينما كانت أنفاسه تخرج متلاحقة، ضعيفة، كحشرجة أسد يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد معركة طحن فيها أعداءه. سقطت من يده كل أسلحة الكبرياء، وبدت ساقه الاصطناعية الممددة كجسم غريب يعلن عن

  • أسياد الوجع   في سكون الليل

    انثقب سكون الليل في بهو القصر بأصوات المعدن البارد الخشن وهي تلتحم ببعضها خلف الباب الخشبي الثقيل للجناح؛ صدى "تكّة" تعمير الأسلحة الآلية كان كافياً ليعلن أن أسوار جاردن سيتي الأرستقراطية لم تعد ملاذاً للأمان، بل تحولت إلى مقبرة كلاسيكية فاخرة حُفرت حدودها بعناية طوال عشرين عاماً. عندما انطفأت الأنوار بالكامل وصار الجناح قطعة من جوف الظلام الدامس، تلاشت في ثانية واحدة كل ملامح الضعف أو التراجع من جسد "مالك الراوي". لم يعد ذلك الزوج النادم الذي يبكي تحت أقدام عشيقتة قبل قليل، بل انبعث من تحت رماد الخذلان مسخٌ من الجبروت الخالص، مسخٌ قُدّ من صخر وعناد لا يهزه موتٌ قادم.تحرك "مالك" في العتمة بحرفية تكتيكية مرعبة أذهلت آسر القابع بجواره في الفراغ. لم يستند على عصاه الأبنوسية هذه المرة لكي لا يصدر مقبضها الفضي رنيناً فوق الخشب يكشف عن مكانه؛ بل ألقى بها فوق الفراش، واعتمد بالكامل على قوى عضلات جسده العلوي الطاغية وثبات ساقه السليمة التي التحمت بالأرض كجذع شجرة عتيقة. بيده اليسرى، امتدت أصابعه القوية لتقبض على معصم "تولين" برقة حازمة، وسحبها خلفه بخطوات صامتة ليدفعها داخل تجويف خزانة الملا

  • أسياد الوجع   نبش القبور القديمة

    لم يكن صمت الحديقة المحيطة بـ"حوض الورد" في تلك اللحظة صمتَ طمأنينة، بل كان أشبه بالبرود الذي يسبق انفجار المدافع في ساحات القتال. انقطع خط الهاتف مع "آسر" فجأة، لكن كلماته الأخيرة بقيت تدوي في أذن "مالك الراوي" كصاعقة مسمومة شطرت روحه إلى نصفين، وهشمت ذلك الحصن الدافئ الذي ظن أنه بناه فوق رماد المؤامرات الدولية.تصلب جسد "مالك" القوي بكامل طوله، وعروق جبهته ورقبته برزت بشكل مخيف حتى تلونت ملامحه الحادة بحُمرة الدم المكتوم. قبضته اليمنى على مقبض عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس اشتدت بعنف، لدرجة أن الخشب الثقيل أصدر صريراً مكتوماً تحت ضغط أصابعه المرتعشة من هول الصدمة. كان ذهوله أكبر من غضبه؛ فكل تفصيلة في تلك الرواية التي ألقاها آسر كانت بمثابة مِشرط يمزق طبقات الثقة والنقاء التي استسلم لها طوال الأيام الماضية. التفت ببطء مرعب، حركة جسده كانت بطيئة كحركة قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام، وعيناه الصقريتان الحادتان اللتان كانتا منذ ثوانٍ تفيضان بعشق جارف، تحولتا إلى جمرتين من الشك والموت الحتمي.في المقابل، كانت "تولين" تقف بفستانها الشيفون الوردي الناعم، وجسدها الرقيق

  • أسياد الوجع   سقوط الأقنعة الأخيرة

    ساد الصمت المطبق زنازين مديرية الأمن الكلية مع انتصاف ليل العاصمة، صمتٌ لم يكن يحمل السكينة، بل كان أشبه بالغسق الخانق الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى. في الممر المظلم المؤدي إلى زنزانة التحقيق السرية، كانت خطى "آسر" تتحرك بحسم وقوة، يرافقه اثنان من حراس القصر الأشداء المدججين بالسلاح وبأوامر مباشرة وصارمة من "مالك الراوي" لحسم ملف الشيك البنكي الملعون الذي تركه الماضي كاللغم الموقوت ليهدد شرف العائلة. كان وجه آسر شاحباً من فرط الإرهاق، لكن عينيه كانت تلمعان ببريق الجدية؛ فالمهمة الليلة لم تكن تصفية حسابات مالية في البورصة، بل كانت عملية بتر لأخر عروق الخيانة قبل أن تلوث اسم الراوي في المحاكم الدولية.انفتح الباب الحديدي للزنزانة بصوت صرير حاد ومزعج، ليتفاجأ "طارق الراوي" القابع على الكرسي الحديدي بدخول آسر. كان طارق يرتدي ملابس السجن الزرقاء، ووجهه ملطخ بالكدمات والندوب إثر المطاردة القديمة، لكن عينه كانت ما تزال تشع بحقد دفين وجنون لا ينطفئ. رفع رأسه ببطء، ورمق آسر بابتسامة شماتة ثعلبية، وقال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:— أهلاً أهلاً يا آسر.. يا كلب مالك الراوي ا

  • أسياد الوجع   طوفان البورصة

    مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق

  • أسياد الوجع   ظلال الماضي

    لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status