FAZER LOGINانقشعت أنوار الحفل الأسطوري مع تباشير الصباح الأولى، وحلّت السكينة المؤقتة على أرجاء قصر "الراوي"، لكنها لم تكن سكينة راحة، بل كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة في الأسواق. في الجناح الرئيسي الفخم، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بنعومة من بين الستائر الحريرية المطرزة، لتلقي بظلالها الدافئة على "تولين" المستلقية في سبات عميق، ووجهها يحمل مسحة من السلام الذي غاب عنها لشهور. كان شعرها الحريري منسدلاً على الوسادة، ويدها الرقيقة ما زالت متمسكة بطرف الغطاء، كأنها تخشى أن يستيقظ قلبها ليجد أن هذا الدفء كله كان مجرد سراب عابر.
بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ ساعات. لم يكن جسده المرهق يمنحه رفاهية النوم الطويل؛ فالألم الطفيف الخفي في موضع البتر كان يذكره دائماً بضريبة الوقوف عنيداً في وجه العواصف. اعتدل في جلسته ببطء شديد مستنداً على ذراعه، وتأمل وجه زوجته وحبيبته بنظرة طويلة تفيض بالرومانسية العذبة والنقاء. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة من شعرها عن وجهها بحنان حارق، ودندن في سره بوعود حماية أقسم ألا ينكثها أبداً. بالنسبة لمالك، أصبحت "تولين" هي الحصن الحقيقي، والملجأ الوحيد الذي يفر إليه من قذارة المؤامرات وصراعات الملايين.
تحرك "مالك" ببطء، وتناول عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المستقرة بجانب الفراش. نهض مستنداً عليها بخطوات باتت أكثر ثباتاً، ورغم الألم، كان عناده وجبروته يمنعانه من إظهار أي ضعف. ارتدى ملابسه الرسمية؛ حُلة سوداء كلاسيكية أنيقة تناسب خروجه الأول كرئيس تنفيذي متوج بعد الأزمة، وتوجه نحو الطابق السفلي حيث كان "ياسين" و"آسر" في انتظاره في مكتب القصر الخاص، والوجوه واجمة تحمل علامات الترقب.
دلَف "مالك" إلى المكتب، وضغط بعصاه على الأرضية الخشبية ليُعلن وجوده، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت الصمت:
— صباح الخير يا جماعة. آسر.. التقرير النهائي لحركة الشحن والجمارك الخاصة بالأسبوع الجديد جاهز؟ عايز أطمن إن الشغل رجع لمجراه الطبيعي قبل ما أتحرك للشركة النهارده.
وقف "آسر" وتقدم نحو طاولة العمل الضخمة، وعيناه تحملان قلقاً لم يستطع إخفاءه، وقال بنبرة خفيضة:
— صباح النور يا مالك.. مبروك مرة تانية يا صاحبي. التقرير جاهز، وحركة الشغل مستقرة بالكامل، والأسهم رجعت لسيطرتنا بنسبة مية في المية بعد تصفية حسابات طارق وشاكر الجويلي. بس في حاجة غريبة ظهرت الصبح في سيستم الميناء بالإسكندرية.. في شحنة ضخمة من قطع غيار المعدات الثقيلة مسجلة باسم شركات "الراوي"، وداخلة الرصيف رقم 7 الأسبوع الجاي.. المصيبة إن الشحنة دي مفيش ليها أي طلب شراء رسمي في دفاتر الإدارة عندنا، ولا عليها إمضاء مني أو من ياسين!
عقد "مالك" حاجبيه الصقريين بتركيز شديد، وضيق عينيه ببريق غاضب:
— يعني إيه الكلام ده؟ شحنة تدخل باسم شركتي من غير علمي؟! مين اللي مصلحته يسجل حاجة زي دي باسمنا بعد القبض على طارق؟
تدخل "ياسين" وعلامات التوتر ترتسم على وجهه المرح:
— مالك.. أنا كلمت مدير الجمارك هناك خفية، وقالي إن الأوراق الرسمية للشحنة دي طالعة من شهور، وعليها إمضاءات وتوثيقات قديمة من مكاتب شاكر الجويلي قبل ما يتم القبض عليه! الأوراق سليمة قانوناً في الميناء، بس بره حساباتنا إحنا تماماً.. أنا خايف يكون طارق ساب لنا لغم ينفجر فينا وهو جوه السجن.
استند "مالك" بكامل ثقله على عصاه، وجالت في عقله أفكار معقدة. التفت إلى آسر وتحدث بصلابة كالحجر:
— آسر.. الشحنة دي وراها حوت كبير في السوق. طارق وشاكر كانوا مجرد واجهة وأدوات غبية. في حد استغل اسم "الراوي" وعلاقاتنا القديمة عشان يمرر حاجة ضخمة بره الرقابة.. تحرك فوراً للإسكندرية، مش عايز الشحنة دي تلمس الرصيف ولا تخرج من الميناء لحد ما نفحص كل صندوق فيها بنفسنا بالورقة والقلم. اللي بيلعب معايا اللعبة دي، مش عارف إن مالك الراوي صاحي لكل نفس في السوق.
رد "آسر" بحسم:
— مفهوم يا مالك.. هتحرك حالا ومعايا القوة القانونية، ومش هسيب صندوق واحد يمر بره عيونا. خلي بالك من نفسك ومن الشركة النهارده.
في نفس الوقت، في الطابق العلوي.. استيقظت "تولين" فجأة بعد مغادرة مالك. التفتت بجسدها فلم تجده بجانبها، فداهمها قلق طفيف تلاشته سريعاً حين تذكرت أنه بات زوجها ورجلها الذي عاد ليمسك بزمام الأمور. نهضت برقة، وارتدت فستاناً من الحرير الناعم بلون وردي هادئ يبرز نقاء بشرتها وشحوبها الجميل الذي بدأ يزول مع مشاعر السعادة الجديدة.
نزلت إلى البهو السفلي، لتجد شقيقتها "ليان" ووالدتها السيدة "فريدة" تجلسان في ردهة الطعام. اقتربت منهما بابتسامة ناعمة تفيض بالخجل:
— صباح الخير يا ماما.. صباح الخير يا ليونتي.
قامت "ليان" بسرعة واحتضنتها بفرحة عارمة:
— يا صباح الورد والياسمين على أحلى عروسة في الدنيا! القصر منور بيكي يا توتة.. طمنيني، عاملة إيه؟ ومالك باشا صحي بدري ونازل المكتب تحت كأنه داخل معركة حربية من أول يوم!
جلست "تولين" ووضعت يدها على وجنتها بخجل:
— مالك طبعه كدا يا ليان.. الشغل في دمه، وأنا مش عايزة أقف في طريقه أو أعطله. المهم عندي إنه يكون مرتاح ونفسيته أحسن بعد الصدمة اللي عاشها بسبب طارق وأمه.
قالت السيدة "فريدة" بنبرة حانية وموجوعة:
— ربنا يهديه ليكي يا بنتي ويحنن قلبه عليكي دايماً.. مالك راجل وصانك قدام الكل بارح، بس الشغل وعالم رجال الأعمال ده مليان وحوش، وأنا قلبي مش مطمن من ساعة موضوع طارق.. خايفة الحقد يكون لسه مخلصش، والناس بره متسيبش جوزك في حاله بعد اللي حصل لرجله.
طمأنتها "تولين" وهي تمسك بيدها:
— متقلقيش يا ماما.. طالما إحنا كلنا مع بعض وإيدي في إيد مالك، مفيش مخلوق هيقدر يكسرنا.. مالك قوي بيا، وأنا هكون حمايته وأمانه دايماً.
عند الساعة الحادية عشرة صباحاً.. وصل "مالك الراوي" إلى المقر الرئيسي لشركاته بوسط القاهرة. انفتح باب السيارة الفارهة، وخرج بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي؛ يستند على عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المصمت، ويخطو بخطوات بطيئة لكنها ثابتة تضرب الرخام بإيقاع حازم هز أركان الشركة. اصطف الموظفون ومديرو الإدارات على الجانبين بتحية تملاها الهيبة والخوف؛ فقد ظن البعض أن حادث البتر سيجعله عاجزاً أو متوارياً عن الأنظار، لكن ظهوره المفاجئ بحُلتة السوداء وعينيه الصقريتين الحادتين أثبت للجميع أن الأسد قد عاد لعرينه أشد شراسة.
دلَف "مالك" إلى مكتبه الفخم، وجلس خلف طاولة العمل الضخمة، ووضع عصاه بجانبه. لم تكد تمر دقائق حتى انفتح الباب ودخل السكرتير الخاص بوجه شاحب يحمل بطاقة عمل فاخرة:
— مالك باشا.. في حد بره طالب يقابل حضرتك فوراً وبشكل شخصي.. مش راضي يتكلم مع سكرتارية الإدارة، وقالي أسلّم لحضرتك الكارت ده بالذات.
أخذ "مالك" الكارت، ونظر إليه لتتسع عيناه ببريق غاضب ومفاجئ. كان الاسم المكتوب بخط مذهب بارز هو: "رأفت المنشاوي".. الحوت الأكبر والمنافس التقليدي لعائلة الراوي!
ضغط "مالك" على الكارت بيده اليسرى بقوة حتى تجعد، وقال بنبرة صوت جافة وخالية من التردد:
— خليه يدخل حالا.
انفتح الباب، ودلَف "رأفت المنشاوي" بكامل وقاره الثعلبي؛ رجل في الخمسين من عمره، يرتدي ملابس فخمة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة تفيض بالمكر والشماتة المبطنة. تقدم بخطوات واثقة وجلس على المقعد المقابل لمالك دون انتظار دعوة، ونظر إلى عصا مالك المستقرة بجانبه، ثم قال بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:
— ألف مبروك على الجواز يا مالك باشا.. والحمد لله على سلامتك بعد الحادثة المأساوية دي. السوق كله كان زعلان عشانك، بس ما شاء الله.. رجعت واقف على رجليك.. أقصد واقف بعصايتك بكامل شياكتك وجبروتك.
لم تحرك كلمات "رأفت" المستفزة شعرة واحدة في وجه مالك الرخامي؛ بل مال بجسده للأمام، ونظر في عيني رأفت مباشرة ببرود قاتل:
— الله يسلمك يا رأفت بيه.. ومظنش إنك جاي تعزيني في رجلي أو تباركلي على جوازي في نص ليل أو أول النهار كدا.. اتكلم دغري وهات اللي عندك، وقت مالك الراوي غالي والشركة مش مكان للمجاملات الرخيصة.
اختفت الابتسامة تدريجياً من وجه "رأفت"، وحلّت مكانها نظرة تملأها الكراهية والتحدي، وقال بصوت منخفض:
— تمام يا مالك.. ندخل في المفيد. أنا جاي أعرض عليك صفقة العمر.. صفقة هتحميك وتحمي اسم عيلتك من فضحية دولية وشيكة. شركات المنشاوي مستعدة تشتري حصتك وحصة عمك عاصم في قطاع الجمارك والنقل البحري بالكامل.. وبالمقابل، أنا هقفل ملف الشحنة الكبيرة اللي داخلة الرصيف رقم 7 الأسبوع الجاي باسم شركات الراوي.. شحنة السـ،ـلاح والمواد المهربة اللي طارق وشاكر الجويلي رتبوها بالاتفاق مع شبكات دولية قبل ما يدخلوا السجن!
تصلب جسد "مالك" تماماً، واشتعلت عيناه بجمر الغضب، لكنه حافظ على بروده المخيف، وتابع "رأفت" بخبث عارم:
— الأوراق طالعة باسم شركتك يا مالك.. والبوليس الدولي والمخابرات عندهم علم بالشحنة ومستنيين أول صندوق يلمس الرصيف عشان يلفوا حبل المشنقة حوالين رقبتك ورقبة عيلتك بتهمة تـ،ـهريب السـ،ـلاح الدولي وتخريب الأمن القومي! لو بعتلي الحصة النهارده.. الشحنة دي هتتحول باسم شركات وهمية بره مصر، واسم الراوي هيفضل نظيف في السوق.. فكر كويس يا عريس، العرض ده مش هيتكرر، والعصاية دي مش هتنفعك جوه الزنزانة!
قام "مالك" من مقعده فجأة بحركة حازمة وقوية، واستند على عصاه الأبنوسية بكل جبروته، واقترب من مكتب رأفت ليقف فوق رأسه كالملاك الحارس الغاضب، وقال بصوت جهوري زلزل جدران المكتب:
— اسم الراوي مبيتلويش دراعه بتهديد من أشكال الصراصير اللي زيك يا رأفت!! طارق وشاكر كلاب ومرميين في السجن، والشحنة اللي بتتكلم عنها دي لو فيها مسمار واحد يمس أمن البلد دي، أنا بنفسي اللي هسلمها للحكومة! شركات الراوي قايمة على الأصول والنقاء، والكلب اللي فكر يلعب من ورا ضهري عشان يوقعني، هيكون حفر قبره بإيده! اطلع بره مكتبي حالا.. وقول للي مشغلينك إن مالك الراوي لسه واقف بطوله، والإمبراطورية دي هتدفنكم كلكم قبل ما تتهز شعرة واحدة منها!!
انتفض "رأفت المنشاوي" واقفاً، وتغير لونه للون الأحمر العنيف من شدة الغيظ، ونظر إلى مالك بوعيد مرعب:
— ماشي يا مالك.. أنت اللي اخترت الخراب بنفسك وبكبرياءك الأعمى! الأسبوع الجاي لما الشحنة توصل والكلابشات تتلف حوالين إيدك، متجيش تعيط وتطلب الأمان.. نهايتك قربت، والمرة دي مش هتلاقي رجل صناعية تقف عليها!
خرج "رأفت" من المكتب وأغلق الباب بعنف أحدث رنيناً قذراً في المكان.. بينما بقي "مالك" واقفاً بمفرده، يستند على عصاه بقلب ينبض بالغضب العارم والتحدي، وتيقن في تلك اللحظة أن الفخ الدولي الجديد قد أُحكم حول رقبة عائلته، وأن مواجهة مروعة وساخنة بانتظاره في الأيام القادمة ستحرق الأخضر واليابس في السوق!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







