LOGINما لا تقوله الحكاية يقولون إن الذئاب لا تنسى. لكن أحدًا لم يخبرهم أن الدم قد ينسى... وقد يتذكّر. قبل مئة عام، في ليلة بلا قمر، احترق قطيع كامل في الجبل الأسود. لم ينجُ منه أحد. هكذا تقول الحكاية التي يرويها الكبار للصغار. لكن الحكاية ناقصة. لم يذكر أحد الطفلة التي وُجدت عند الفجر بين الرماد، حيّة، بلا خدش واحد، وعيناها مفتوحتان تحدّقان في السماء. ولم يذكر أحد أن النار، حين اقتربت منها، انحنت. ولم يذكر أحد آخر ما همست به أمها قبل أن تسكت للأبد: «لا تدعيهم يجدونك». مرّت مئة عام، ونسي العالم الدم الذي لا يحترق. لكن الدم... لا ينسى.
View Moreالفصل الأول: الثمن
كانت العربة تهتزّ فوق الطريق الجبلي الوعر، وكانت ليان تشدّ أصابعها على طرف ثوبها الباهت حتى ابيضّت مفاصلها. لم تبكِ. وعدت نفسها بذلك منذ الليلة الماضية، حين وقف ألفا قطيعها العجوز أمام الجميع وقال بصوت لا يرتجف: «السلام له ثمن، والثمن أوميغا». لم يكن في القطيع كله أوميغا غيرها. وهكذا، ببساطة، صار اسمها ثمنًا. عشر سنوات من الهدوء مقابل فتاة واحدة، هذا كان الاتفاق مع قطيع الجبل الأسود. لم يسألها أحد إن كانت توافق، ولم يجرؤ أحد على النظر في عينيها وهي تغادر. حملت حقيبة صغيرة فيها ثوبان وخاتم أمها القديم، ولا شيء غير ذلك. تذكّرت وجه أمها قبل أن تموت، وهي تهمس لها: «مهما حدث يا ليان، لا تريهم خوفك. الذئاب تشمّ الخوف كما تشمّ الدم». كانت ليان في العاشرة وقتها ولم تفهم. الآن فهمت. استمرّت الرحلة ثلاثة أيام. لم يتكلم السائق معها كلمة واحدة، ولم يمنحها من الطعام إلا ما يكفي لتبقى واقفة على قدميها. كانت تراقب من ثقب صغير في ستار العربة قريتها وهي تصغر وتصغر، حتى صارت نقطة باهتة ثم اختفت خلف الجبال. تذكّرت صديقتها الوحيدة، سلمى، التي ركضت خلف العربة حافية القدمين وهي تصرخ باسمها، حتى سقطت على التراب. لم تلتفت ليان. كانت تعلم أنها لو التفتت لانهارت. وفي الليلة الثانية، تدرّبت على الوجه الذي ستحمله حين تصل: وجه بلا خوف، بلا رجاء، بلا شيء. وجه حجر. لكن قلبها ظلّ يخونها طوال الطريق. توقفت العربة فجأة. سمعت أصواتًا خشنة في الخارج، وخطوات ثقيلة، ثم فُتح الباب بعنف وغمرها ضوء الفجر الشاحب. «انزلي». كان الرجل ضخمًا، بعينين صفراوين تلمعان كعيني ذئب. لم تكن ليان بحاجة لأن يخبرها أحد بأنه من قطيع الجبل الأسود؛ رائحته وحدها كانت تقول ذلك، رائحة الغابة والدخان والقوة. نزلت بساقين ترتجفان، لكنها رفعت رأسها. أمامها امتدّ حصن حجري ضخم محفور في قلب الجبل، أسواره عالية كأنها تحاول لمس السماء. وعلى الأسوار وقف عشرات الرجال والنساء يحدّقون بها، ولم يحاولوا إخفاء احتقارهم. «هذه هي الرهينة؟» قالت امرأة طويلة بشعر أسود وهي تسخر. «أوميغا من قطيع الصخر؟ أرسلوا لنا فأرة». ضحك بعضهم. شعرت ليان بالدم يصعد إلى وجنتيها، لكنها لم تنظر إليهم. ثبّتت عينيها على بوابة الحصن الحديدية، وتذكّرت وصية أمها. «كفى». لم يكن الصوت عاليًا. لكنه أسكت الجميع في لحظة واحدة، كأن أحدهم أطفأ العالم. تقدّم من بين الصفوف رجل نحيل بملامح هادئة وعينين رماديتين، وانحنى لها انحناءة خفيفة. «أنا غيث، بيتا هذا القطيع. أهلًا بكِ يا آنسة ليان. كان السفر طويلًا، أليس كذلك؟» كانت لهجته لطيفة بشكل غريب، وكادت ليان تشكره، لكن شيئًا ما في ابتسامته جعلها تحتفظ بحذرها. «أين... الألفا؟» سألت بصوت خرج أضعف مما أرادت. تبدّلت نظرة غيث لثانية واحدة، ثم عادت ابتسامته كما كانت. «ينتظرك». قادوها عبر ممرات حجرية باردة، مضاءة بمشاعل تتراقص ظلالها على الجدران. كانت النظرات تلاحقها من كل زاوية، وكان الهمس يسبقها إلى كل باب. سمعت كلمة «رهينة» عشر مرات، وكلمة «ضعيفة» أكثر. كان قلبها يخفق بعنف، وكان ذئبها الداخلي، ذلك الصوت الخافت الذي لم تسمعه بوضوح يومًا، ينكمش في أعماقها كأنه يختبئ. في منتصف الممر الطويل، توقفت دون أن تقصد. كان الجدار هناك منقوشًا بنقش قديم، نُحت في الصخر قبل أن يُبنى الحصن نفسه كما يبدو: غابة تحترق، وذئاب تهرب منها، وفي أعلاه هلال كبير يحدّق من السماء. وفي أسفل النقش، بالكاد يُرى، شكل صغير لطفلة تقف وسط النار. شعرت ليان بخاتم أمها، الذي لبسته في إصبعها منذ غادرت قريتها، يسخن ببطء، كأنه يتنفس. مدّت يدها نحو النقش دون وعي. «لا تتأخري» قال غيث بسرعة، وكان صوته أحدّ مما سمعته منه حتى الآن. وحين التفتت إليه، كان قد عاد إلى ابتسامته. وصلوا إلى باب خشبي هائل. فتحه غيث ودفعها برفق إلى الداخل. كانت قاعة واسعة، سقفها عالٍ، وفي آخرها مقعد حجري كبير. وعليه جلس رجل. لم يرفع رأسه حين دخلت. كان يقرأ ورقة في يده ببرود واضح، كأن دخولها حدث لا يستحق الالتفات. شعره أسود فاحم، وكتفاه عريضتان، وأصابعه تطرق ذراع المقعد بإيقاع هادئ مخيف. وحوله ساد صمت لا يشبه صمت الناس، بل صمت من اعتاد أن ينتظره الجميع. «ريان»، قال غيث بصوت منخفض، «الرهينة وصلت». أنزل الرجل الورقة ببطء. ثم رفع عينيه. وفي اللحظة التي التقت فيها نظرتهما، توقّف العالم. كانت عيناه ذهبيتين، حادتين كنصل، وفيهما شيء مظلم يخيف. شعرت ليان بأن ركبتيها تخونانها، وبأن هواء القاعة صار ثقيلًا. وفي صدرها تحرّك شيء غريب، دفء مفاجئ لم تعرفه من قبل، كأن ذئبها الخجول استيقظ فجأة وفتح عينيه. أما ريان، فقد تجمّد في مكانه. اتسعت حدقتاه، وانقبضت يده على الورقة حتى تمزّقت. وللحظة، رأت ليان شيئًا لم تتوقعه من ألفا مرعب مثله. رأت الصدمة. نهض ببطء، خطوة بعد خطوة، حتى وقف أمامها مباشرة، قريبًا بما يكفي لتشمّ رائحته. ثم همس بصوت خشن بالكاد سمعته: «مستحيل...»الفصل التاسع: المجلسأيقظها الحارس قبل الفجر بساعة.كانت قد نامت قليلًا، ورأت في نومها نارًا كبيرة تلتهم غابة، وطفلة تقف في وسطها بلا خوف، وهي لا تعرف إن كانت تلك الطفلة هي أم شخصًا آخر. استيقظت والعرق يبلل عنقها، والخاتم ينبض كقلب صغير في إصبعها.ارتدت ثوبها الأفضل، وكان باهتًا ومرقّعًا في طرفه، ثم سارت بين الحارسين عبر الممرات الحجرية الباردة. وفي آخر ممر وجدت ريان ينتظرها وحده، بوجه من لم ينم. لم يقل صباح الخير. اكتفى بأن مشى إلى جانبها، لا أمامها، وهذا وحده كان تغييرًا.كانت قاعة المجلس مكتظة. خمسة شيوخ على مقاعد عالية في صدرها، وخلفهم صفوف من المقاتلين والنساء، وفي الصف الأول سهى بثوب أسود وعينين ملتهبتين، وغيث إلى جانب مقعد الألفا الفارغ. وعلى رأس الشيوخ جلس الرجل الأشيب الذي رأته ليان في اجتماع الحرب، واسمه الشيخ حمدان.«ليان من قطيع الصخر»، قال بصوت بطيء عميق. «قيل لنا إنك أوميغا ضعيفة، لا ذئب لك يُذكر. ثم قيل لنا إنك أركعتِ أحد أبنائنا بكلمة واحدة، وإن عينيك صارتا فضة. أيّ القولين صحيح؟»«كلاهما»، قالت بهدوء، وهي تشعر بعشرات العيون تثقب ظهرها. «كنت ضعيفة حتى وصلت إلى هنا. وما
الفصل الثامن: ثلاثة أسئلةلم يقل ريان كلمة واحدة طوال الطريق إلى مكتبه.كان يمشي أمامها كما فعل في المرة الماضية، لكن خطواته هذه المرة كانت أبطأ وأثقل، كأن جسده كله يقاوم شيئًا. ومن حولهما انسحب الجميع من الممرات، وأُغلقت الأبواب، وساد الحصن صمت من يعرف أن شيئًا كبيرًا حدث ولا يجرؤ على السؤال عنه.أغلق الباب خلفهما، ثم استدار إليها أخيرًا.كانت رائحة المكتب تجمع بين الحبر والدخان والورق القديم، وكان على الطاولة إبريق ماء وكوبان. سكب لها كوبًا بيد غير ثابتة، وناولها إياه دون أن يقترب أكثر مما ينبغي. شربت دون أن تعرف أنها كانت عطشى، ولاحظت أن كل حركة منه كانت موزونة بدقة من يحمل شيئًا قابلًا للانفجار.«اجلسي».جلست على الكرسي الخشبي القريب من الطاولة، وبقي هو واقفًا. كانت عيناه قد عادتا ذهبيتين تمامًا، لكن بقي في وجهه تعب قديم لم تلحظه من قبل.«سأسألك ثلاثة أسئلة، وأريد جوابًا صادقًا على كل واحد». توقف لحظة. «ولن أعاقبك على أي منها».«اسأل».«هل حدث لك هذا من قبل؟ العينان، والصوت؟»«لا. أقسم لك». شدّت أصابعها على ركبتيها. «كنت أظن أن ذئبي ضعيف، بالكاد أسمعه. لم يتكلم معي يومًا قبل وصولي
الفصل السابع: عيون الفضةفي صباح اليوم التالي، أرسلتها أم سالم إلى البئر في الفناء الخلفي لتملأ الدلاء، وقالت: «خذي وقتك. الهواء يفيدك».كان الفناء الخلفي هادئًا، وفيه البئر القديمة والشجرة الجرداء التي رأتها في الليل. وقفت ليان تدير المقبض الخشبي وتنظر إلى الجبال، وتفكر في الورقة الصغيرة التي أخفتها تحت وسادتها، وفي الحكاية الممزقة، وفي عيني ريان الذهبيتين وهو يقول لها «اخرجي» بذلك الصوت المتحشرج.كانت يداها باردتين من ماء البئر، وقلبها أبرد. لم تكن تعرف إن كانت تخاف منه أو تخاف عليه، وهذا ما أخافها أكثر من كل شيء.«ها هي الفأرة تعمل أخيرًا».رفعت رأسها. كان أمامها ثلاثة شبان، أكبرهم في العشرين، بقامة طويلة وأكتاف عريضة وعينين تلمعان بالشر. عرفت من رائحتهم أنهم ذئاب مقاتلون، وأن الذي تحدث هو القائد بينهم. اسمه زهير، سمعته أمس في المطبخ يتفاخر بأنه سيصير بيتا في يوم من الأيام.«ابتعدوا عن طريقي»، قالت بهدوء.«وإلا ماذا؟» اقترب خطوة، وركل الدلو فانقلب وانسكب ماؤه. «قطيعك باعك مثل خروف. لستِ إلا بضاعة. وهل تظنين أن الألفا يهتم بك؟ لقد رآك وأمر بحبسك في برج ليتخلص من رائحتك».ضحك رفيقاه.
الفصل السادس: المطبخفي اليوم التالي أيقظها صوت المفتاح وهو يدور في القفل.دخلت عجوز نحيلة تحمل إبريق ماء ومنشفة، فتعرّفت عليها ليان: هي نفسها التي همست لها بالتحذير قبل يومين. «صباح الخير يا بنيتي. أنا أم سالم، ولا تدعي أحدًا ينسّيك اسمك».ابتسمت ليان رغمًا عنها، فقد كانت أول ابتسامة تتلقاها منذ غادرت قريتها.«الألفا أمر بفتح الباب في الصباح»، تابعت العجوز وهي ترتب الغطاء. «لكن اسمعي يا ابنتي: في هذا الحصن، من لا عمل له يصير هدفًا. سهى ستطالب بأن تعملي في المطبخ مع الأوميغات. الأفضل أن تقبلي قبل أن يُفرض عليكِ».«ولماذا أقبل؟»«لأن من يختبئ في برج يُنسى، ومن يُنسى لا يعرف شيئًا». غمزت لها العجوز. «والمطبخ هو المكان الوحيد في الحصن الذي يعرف كل شيء».فهمت ليان أن هذه المرأة تعطيها سلاحًا لا نصيحة، وأخذته.وقرّرت أن تسمع أكثر مما تتكلم، وأن تجمع كل كلمة تسقط من أفواه هؤلاء الناس، كما يجمع النمل الفتات تحت المائدة. فمن لا تملك قوة تملك وقتًا وأذنين، ولديها الاثنتان.كان المطبخ قاعة كبيرة تحت الأرض، حارة ومزدحمة، تفوح منها رائحة الخبز واللحم والبصل. عشر نساء ينحنين فوق القدور والطاولات،