LOGINالفصل الثالث: القواعد
استيقظت ليان على صفير الريح عند النافذة. لم تنم جيدًا. كلما أغمضت عينيها رأت ذلك الذهب المشتعل ينظر إليها من الظلام. نهضت وغسلت وجهها بماء بارد، وارتدت أحد ثوبيها، ثم وقفت أمام الباب طويلًا. لم يقل لها أحد إنها ممنوعة من الخروج. ولم يقل لها أحد إنها مسموحة. فتحت الباب. نزلت الدرج الحلزوني ببطء، وكانت كل خطوة تُحدث صدى في الصمت. وفي الأسفل مرّت بخادمات يحملن سلالًا من الخبز، فأخفضن رؤوسهن وابتعدن عنها كأنها مرض معدٍ. وعلى جانب الطريق توقف رجل يحمل حطبًا وبصق على الأرض دون أن ينظر إليها. شدّت كتفيها وواصلت السير. هذا ما كانت أمها تسميه «المشي بلا ظهر»: أن تتصرف كأن أحدًا لا يستطيع أن يطعنك من الخلف. كان فناء الحصن مكتظًا بالمقاتلين يتدرّبون بين الصيحات وصليل الحديد. وحين دخلته، خفت الصوت تدريجيًا كما يخفت المطر. «انظروا من نزل أخيرًا من برجه». كانت المرأة الطويلة ذات الشعر الأسود تتقدم بخطوات بطيئة واثقة، وخلفها ثلاث نساء يضحكن. «أنا سهى، ابنة عمّ الألفا. وأنتِ أيتها الفأرة تنامين في أفضل غرفة في الحصن؟» «لم أختر غرفتي»، قالت ليان بهدوء. «ولم أطلب منك الكلام». رفعت سهى دلوًا من الماء كان على حافة البئر، وأفرغته أمام قدمي ليان، فتناثر الماء البارد على حذائها وثوبها. «نظّفي هذا. فهذا عمل الأوميغا هنا». ساد صمت ثقيل. كان الجميع ينتظر البكاء. نظرت ليان إلى الماء المتناثر، ثم رفعت عينيها ببطء. «في قطيعنا الصغير، كنا نقول إن من يتعمّد إهانة غيره يخاف أن يُقارن به». احمرّ وجه سهى. وارتفعت يدها في الهواء لتصفعها. لكن اليد لم تصل. كانت أصابع قوية قد أطبقت على معصم سهى في منتصف الطريق. ولم تسمع ليان خطواته، ولا رأته يقترب. «ريان»، قالت سهى بصوت ضعيف، «أنا فقط كنت...» «ابتعدي». لم يرفع صوته. تراجعت سهى وصديقاتها كأن الأرض سحبتهن، وتفرّق المقاتلون في ثوانٍ. لم ينظر ريان إلى ليان. «في مكتبي. الآن». مشت خلفه عبر الممرات دون كلمة. كان يسير بخطوات سريعة ثابتة، وكتفاه مشدودتان، ولم يلتفت مرة واحدة ليتأكد أنها تتبعه. لكنها لاحظت أن قبضة يده اليمنى ظلّت مغلقة طوال الطريق، كأنه يمسك شيئًا لا تراه، أو يكبح شيئًا لا يريد إطلاقه. وكانت رائحته، رائحة الغابة والدخان، تملأ الممر وتجعل رأسها يدور قليلًا. كرهت ذلك. كرهت أن جسدها يتذكر هذه الرائحة قبل عقلها. كان المكتب غرفة حجرية بسيطة، فيها طاولة كبيرة وخرائط معلّقة وشباك يطل على الوادي. وقف ريان عنده، موليًا ظهره لها، وقال دون أن يلتفت: «ثلاث قواعد. الأولى: لا تغادري الحصن. الثانية: لا تتكلمي مع أحد عن قطيعك أو عن نفسك. الثالثة...» توقف لحظة. «لا تقتربي مني». «وإن حاول أحدهم أذيتي؟» قاطعته ليان. «كما حاولت ابنة عمك قبل قليل». «لن يجرؤ أحد». «ألم تكن سهى ستجرؤ؟» «لم أقل إنني لن أعاقبها». كان صوته منخفضًا حادًا. «لكنك رهينة هذا القطيع، وأي أذى يمسّك يعني حربًا. فلا تخرجي، ولا تثيري الفضول». «لماذا الأخيرة؟» سألت ليان. لم يجبها. انتظرت قليلًا، ثم هزّت كتفيها واستدارت نحو الباب. «كما تشاء، يا ألفا». «ليان». كانت المرة الأولى التي ينطق فيها اسمها، وكان الصوت مختلفًا، خشنًا كأنه خرج من مكان عميق. وقبل أن تدرك ما يحدث، كانت يده قد أمسكت بمعصمها ليوقفها. انفجر الدفء. شهقت ليان، وشهق هو. مرّ بينهما تيار حارق كأن النار دخلت عروقهما معًا، وللحظة بدا لها أن كل شيء في الغرفة يهتز. ترك ريان معصمها كأنه احترق، وتراجع خطوة وهو يحدّق في كفّه. على راحته الخشنة ظهر خط أحمر رفيع، على شكل هلال صغير، يتوهّج بخفوت ثم يخبو ببطء حتى اختفى. رفعت ليان معصمها. لم يكن عليه شيء. لكن الخاتم في إصبعها كان ساخنًا. «اخرجي»، قال بصوت متحشرج، دون أن يرفع عينيه عن كفّه. خرجت وأغلقت الباب خلفها بيد مرتجفة، وسارت في الممر دون أن ترى شيئًا. وفي آخر الممر، عند المنعطف، كان غيث واقفًا. كان يحدّق في الباب المغلق، وقد اختفت ابتسامته تمامًا.الفصل التاسع: المجلسأيقظها الحارس قبل الفجر بساعة.كانت قد نامت قليلًا، ورأت في نومها نارًا كبيرة تلتهم غابة، وطفلة تقف في وسطها بلا خوف، وهي لا تعرف إن كانت تلك الطفلة هي أم شخصًا آخر. استيقظت والعرق يبلل عنقها، والخاتم ينبض كقلب صغير في إصبعها.ارتدت ثوبها الأفضل، وكان باهتًا ومرقّعًا في طرفه، ثم سارت بين الحارسين عبر الممرات الحجرية الباردة. وفي آخر ممر وجدت ريان ينتظرها وحده، بوجه من لم ينم. لم يقل صباح الخير. اكتفى بأن مشى إلى جانبها، لا أمامها، وهذا وحده كان تغييرًا.كانت قاعة المجلس مكتظة. خمسة شيوخ على مقاعد عالية في صدرها، وخلفهم صفوف من المقاتلين والنساء، وفي الصف الأول سهى بثوب أسود وعينين ملتهبتين، وغيث إلى جانب مقعد الألفا الفارغ. وعلى رأس الشيوخ جلس الرجل الأشيب الذي رأته ليان في اجتماع الحرب، واسمه الشيخ حمدان.«ليان من قطيع الصخر»، قال بصوت بطيء عميق. «قيل لنا إنك أوميغا ضعيفة، لا ذئب لك يُذكر. ثم قيل لنا إنك أركعتِ أحد أبنائنا بكلمة واحدة، وإن عينيك صارتا فضة. أيّ القولين صحيح؟»«كلاهما»، قالت بهدوء، وهي تشعر بعشرات العيون تثقب ظهرها. «كنت ضعيفة حتى وصلت إلى هنا. وما
الفصل الثامن: ثلاثة أسئلةلم يقل ريان كلمة واحدة طوال الطريق إلى مكتبه.كان يمشي أمامها كما فعل في المرة الماضية، لكن خطواته هذه المرة كانت أبطأ وأثقل، كأن جسده كله يقاوم شيئًا. ومن حولهما انسحب الجميع من الممرات، وأُغلقت الأبواب، وساد الحصن صمت من يعرف أن شيئًا كبيرًا حدث ولا يجرؤ على السؤال عنه.أغلق الباب خلفهما، ثم استدار إليها أخيرًا.كانت رائحة المكتب تجمع بين الحبر والدخان والورق القديم، وكان على الطاولة إبريق ماء وكوبان. سكب لها كوبًا بيد غير ثابتة، وناولها إياه دون أن يقترب أكثر مما ينبغي. شربت دون أن تعرف أنها كانت عطشى، ولاحظت أن كل حركة منه كانت موزونة بدقة من يحمل شيئًا قابلًا للانفجار.«اجلسي».جلست على الكرسي الخشبي القريب من الطاولة، وبقي هو واقفًا. كانت عيناه قد عادتا ذهبيتين تمامًا، لكن بقي في وجهه تعب قديم لم تلحظه من قبل.«سأسألك ثلاثة أسئلة، وأريد جوابًا صادقًا على كل واحد». توقف لحظة. «ولن أعاقبك على أي منها».«اسأل».«هل حدث لك هذا من قبل؟ العينان، والصوت؟»«لا. أقسم لك». شدّت أصابعها على ركبتيها. «كنت أظن أن ذئبي ضعيف، بالكاد أسمعه. لم يتكلم معي يومًا قبل وصولي
الفصل السابع: عيون الفضةفي صباح اليوم التالي، أرسلتها أم سالم إلى البئر في الفناء الخلفي لتملأ الدلاء، وقالت: «خذي وقتك. الهواء يفيدك».كان الفناء الخلفي هادئًا، وفيه البئر القديمة والشجرة الجرداء التي رأتها في الليل. وقفت ليان تدير المقبض الخشبي وتنظر إلى الجبال، وتفكر في الورقة الصغيرة التي أخفتها تحت وسادتها، وفي الحكاية الممزقة، وفي عيني ريان الذهبيتين وهو يقول لها «اخرجي» بذلك الصوت المتحشرج.كانت يداها باردتين من ماء البئر، وقلبها أبرد. لم تكن تعرف إن كانت تخاف منه أو تخاف عليه، وهذا ما أخافها أكثر من كل شيء.«ها هي الفأرة تعمل أخيرًا».رفعت رأسها. كان أمامها ثلاثة شبان، أكبرهم في العشرين، بقامة طويلة وأكتاف عريضة وعينين تلمعان بالشر. عرفت من رائحتهم أنهم ذئاب مقاتلون، وأن الذي تحدث هو القائد بينهم. اسمه زهير، سمعته أمس في المطبخ يتفاخر بأنه سيصير بيتا في يوم من الأيام.«ابتعدوا عن طريقي»، قالت بهدوء.«وإلا ماذا؟» اقترب خطوة، وركل الدلو فانقلب وانسكب ماؤه. «قطيعك باعك مثل خروف. لستِ إلا بضاعة. وهل تظنين أن الألفا يهتم بك؟ لقد رآك وأمر بحبسك في برج ليتخلص من رائحتك».ضحك رفيقاه.
الفصل السادس: المطبخفي اليوم التالي أيقظها صوت المفتاح وهو يدور في القفل.دخلت عجوز نحيلة تحمل إبريق ماء ومنشفة، فتعرّفت عليها ليان: هي نفسها التي همست لها بالتحذير قبل يومين. «صباح الخير يا بنيتي. أنا أم سالم، ولا تدعي أحدًا ينسّيك اسمك».ابتسمت ليان رغمًا عنها، فقد كانت أول ابتسامة تتلقاها منذ غادرت قريتها.«الألفا أمر بفتح الباب في الصباح»، تابعت العجوز وهي ترتب الغطاء. «لكن اسمعي يا ابنتي: في هذا الحصن، من لا عمل له يصير هدفًا. سهى ستطالب بأن تعملي في المطبخ مع الأوميغات. الأفضل أن تقبلي قبل أن يُفرض عليكِ».«ولماذا أقبل؟»«لأن من يختبئ في برج يُنسى، ومن يُنسى لا يعرف شيئًا». غمزت لها العجوز. «والمطبخ هو المكان الوحيد في الحصن الذي يعرف كل شيء».فهمت ليان أن هذه المرأة تعطيها سلاحًا لا نصيحة، وأخذته.وقرّرت أن تسمع أكثر مما تتكلم، وأن تجمع كل كلمة تسقط من أفواه هؤلاء الناس، كما يجمع النمل الفتات تحت المائدة. فمن لا تملك قوة تملك وقتًا وأذنين، ولديها الاثنتان.كان المطبخ قاعة كبيرة تحت الأرض، حارة ومزدحمة، تفوح منها رائحة الخبز واللحم والبصل. عشر نساء ينحنين فوق القدور والطاولات،
الفصل الخامس: ابتسامة غيثجاءها غيث في الصباح بنفسه، يحمل صينية فطور وكتابًا قديم الغلاف.«الألفا يرى أنك ستملّين هنا»، قال وهو يضع الصينية على الطاولة. «هذا الكتاب من مكتبة الحصن. وإن أعجبك، فهناك المزيد».تأملت ليان الكتاب بشك. «الألفا قال ذلك؟»«قال إن عليّ أن أتأكد أنك لا تؤذين نفسك». ابتسم. «وهذا قريب».جلس على الكرسي المقابل دون أن يُدعى، وسكب لها الشاي كأنه صاحب الغرفة. كان لطيفًا بشكل مريح، وهذا ما أقلقها. لم يكن أحد في هذا الحصن لطيفًا، فلماذا هو؟«ريان ليس قاسيًا كما يبدو»، قال بنبرة من يعرف سرًّا. «لقد فقد والده وهو في العشرين، في كمين غادر. ومنذ ذلك اليوم، لا يثق بأحد».«من نصب الكمين؟»«قيصر. ألفا قطيع الوادي الأحمر». توقفت يده لحظة على كوب الشاي. «رجل جائع، لا يشبع. وقطيعك يسكن الممر الوحيد الذي يمكنه عبوره إلى أرضنا. لهذا الاتفاق يا آنسة ليان. لهذا أنتِ هنا».فهمت أخيرًا. لم تكن رهينة سلام. كانت رهينة ممر جبلي.شعرت بمرارة تصعد إلى حلقها. لم يبيعوها لأجل السلام، بل لأجل طريق. وحين يحين وقت الحرب، لن يحتاج أحد إليها أبدًا.«وهل يحاول قيصر مرة أخرى؟»«كل يوم». هزّ رأسه. «
الفصل الرابع: عواء الليلأيقظها العواء.لم يكن عواءً واحدًا، بل جوقة كاملة، ترتفع من أعماق الحصن وتتردد بين الجبال كأن الليل نفسه يغنّي. جلست ليان في فراشها وقلبها يخفق. تذكّرت كلمات العجوز: «الليل في هذا الحصن لا يشبه النهار». الآن فهمت جزءًا من المعنى.نهضت إلى النافذة. تحت القمر الشاحب، رأت في الفناء البعيد ظلالًا كثيرة تتحرك: ذئاب، عشرات منها، رمادية وسوداء وبنية، تجري في دوائر واسعة. في قطيعها الصغير لم يكن هناك سوى ثلاثة ذئاب كبار، ولم ترَ في حياتها هذا العدد قط.وكان بينهم واحد مختلف. ذئب أسود ضخم، أكبر من البقية برأس كامل، يقف على حافة السور بلا حركة، وعيناه الذهبيتان مرفوعتان نحو القمر.عرفته قبل أن تفهم كيف. ريان.رأته مرة واحدة فقط وهو بشر، ولم تعرف عنه شيئًا، ومع ذلك عرفته. كأن في جسدها بوصلة قديمة، لا تشير إلى الشمال، بل إليه وحده.وفي الأسفل، رفع الذئب الأسود رأسه نحو القمر وأطلق عواءً طويلًا، فردّت عليه كل الذئاب في الفناء دفعة واحدة، كأنها تؤدي نشيدًا لا يعرفه سواهم.شعرت بذئبها الداخلي يقفز في صدرها، يخدش من الداخل، يريد الخروج، يريد أن يجري نحوه. أمسكت بحافة النافذة







