ログインالفصل الثاني: الجدار البارد
لم تعرف ليان كم مرّ من الوقت وهي واقفة هناك تحت نظراته. ربما ثانية. ربما عمر كامل. كان يتنفس ببطء شديد، كمن يحاول إقناع جسده بأن شيئًا لم يحدث. أما هي فكانت تسمع دقات قلبها في أذنيها، وتشعر بحرارة غريبة تسري من صدرها إلى أطراف أصابعها. حاولت أن تتذكر كيف تتنفس. في قطيعها كان الكبار يقولون إن الأوميغا تشعر بالألفا القوي قبل أن تراه، لكنها لم تصدّق يومًا أن الأمر قد يكون بهذه القسوة؛ كأن جسدها كله ينحاز إلى جهته رغم أنفها. «ريان؟» ناداه غيث بحذر. ارتجفت جفون الألفا كأن أحدًا أيقظه من حلم. وفي لحظة اختفت الصدمة من وجهه كأنها لم تكن، وحلّ محلها قناع بارد بلا ملامح. تراجع خطوتين، وألقى الورقة الممزقة على الأرض. «هذه هي؟» قال بصوت هادئ مخيف. «أصغر مما توقعت». لسعتها الإهانة، لكنها تذكّرت وصية أمها فلم تتحرك. «اسمي ليان». «لم أسألك عن اسمك». راح يدور حولها ببطء، كذئب يفحص فريسة. «قطيع الصخر باع لنا أوميغا مقابل عشر سنوات من السلام. ستعيشين هنا، وسنطعمك ونحميك. وفي المقابل، لا تسبّبي أي مشكلة. هل هذا واضح؟» «واضح». «وإن حاولتُ الرحيل؟» توقفت خطواته لحظة. «لن تحاولي». لم يكن تهديدًا. كان يقولها كمن يخبر عن حقيقة لا تقبل الجدل، وهذا ما أخافها أكثر. توقف خلفها مباشرة، وشعرت بأنفاسه قريبة من عنقها. «غيث، خذها إلى البرج الشرقي». رفع غيث حاجبيه. «البرج الشرقي؟ لكن الرهائن عادةً توضع في...» «قلت البرج الشرقي». لم يعلّق غيث بعدها. انحنى انحناءة خفيفة وأشار لها بيده. وهي تخرج، سمعت صوت ريان خلفها، منخفضًا لدرجة أنها ظنّت أنها تخيّلته: «لا تنظري إليّ هكذا». التفتت. لكنه كان قد أدار ظهره، وكتفاه متصلبتان كحجر. كان البرج الشرقي بعيدًا عن بقية الحصن، يُصعد إليه بدرج حلزوني ضيق يبدو أنه لم يُستخدم منذ سنين. وفي القمة فتح غيث باب غرفة صغيرة نظيفة بشكل مدهش: سرير بغطاء صوفي، ونافذة تطل على الجبال، ومدفأة تشتعل بنار هادئة. «ليست زنزانة كما ترين»، قال بابتسامته اللطيفة. «الألفا أمر بإعداد هذه الغرفة منذ أسبوع». «منذ أسبوع؟» عقدت ليان حاجبيها. «قبل أن يراني؟» اتسعت ابتسامته قليلًا. «الألفا يحب أن يكون مستعدًا لكل شيء». خرج وأغلق الباب، وبقيت وحدها. جلست على طرف السرير، وفتحت كفها لتنظر إلى خاتم أمها. كان دافئًا. أكثر دفئًا مما ينبغي لقطعة معدن قديمة. نهضت وتفحّصت الغرفة ببطء. على الجدار فوق النافذة لاحظت شيئًا غريبًا: أربع ثقوب صغيرة في الحجر، وحولها غبار أبيض ما زال طازجًا. كانت هناك قضبان حديدية في هذا المكان حتى وقت قريب، ثم نُزعت بعناية. مرّرت أصابعها على الحجر الخشن وسألت نفسها: لماذا يُزيل ألفا مرعب القضبان عن نافذة رهينة؟ لم تجد جوابًا. فهمست في سرّها لذئبها الذي لم تعرفه يومًا: «من أنتِ؟ وماذا تريدين مني؟» لم يأتها رد. لكن الدفء في صدرها اهتزّ، كجواب بلا كلمات. بعد قليل طرقت الباب عجوز نحيلة تحمل صينية طعام، وضعتها على الطاولة دون أن ترفع عينيها. ثم توقفت عند الباب وهمست: «ابقي في غرفتك الليلة يا بنيتي. الليل في هذا الحصن لا يشبه النهار». لم تفهم ليان. ولم تجرؤ على السؤال. أكلت قليلًا من الحساء الساخن، وكان أطيب ما ذاقته منذ أيام، فكرهت نفسها لأنها استمتعت به. ثم جلست تفكر في قريتها، وفي سلمى، وفي أمها التي لم تعد تذكر صوتها بوضوح. وللمرة الأولى منذ مغادرتها، سمحت لدمعة واحدة أن تسقط، ثم مسحتها بسرعة قبل أن يراها أحد، رغم أن الغرفة كانت فارغة. حين حلّ الظلام، وقفت عند النافذة تنظر إلى الجبال السوداء تحت قمر شاحب. ثم، دون سبب، نظرت إلى الأسفل. على السور البعيد وقف رجل لا يتحرك. كان بعيدًا جدًا ليُرى وجهه. لكنها رأت عينيه. ذهبيتين، تلمعان في العتمة، مثبّتتين على نافذتها.الفصل التاسع: المجلسأيقظها الحارس قبل الفجر بساعة.كانت قد نامت قليلًا، ورأت في نومها نارًا كبيرة تلتهم غابة، وطفلة تقف في وسطها بلا خوف، وهي لا تعرف إن كانت تلك الطفلة هي أم شخصًا آخر. استيقظت والعرق يبلل عنقها، والخاتم ينبض كقلب صغير في إصبعها.ارتدت ثوبها الأفضل، وكان باهتًا ومرقّعًا في طرفه، ثم سارت بين الحارسين عبر الممرات الحجرية الباردة. وفي آخر ممر وجدت ريان ينتظرها وحده، بوجه من لم ينم. لم يقل صباح الخير. اكتفى بأن مشى إلى جانبها، لا أمامها، وهذا وحده كان تغييرًا.كانت قاعة المجلس مكتظة. خمسة شيوخ على مقاعد عالية في صدرها، وخلفهم صفوف من المقاتلين والنساء، وفي الصف الأول سهى بثوب أسود وعينين ملتهبتين، وغيث إلى جانب مقعد الألفا الفارغ. وعلى رأس الشيوخ جلس الرجل الأشيب الذي رأته ليان في اجتماع الحرب، واسمه الشيخ حمدان.«ليان من قطيع الصخر»، قال بصوت بطيء عميق. «قيل لنا إنك أوميغا ضعيفة، لا ذئب لك يُذكر. ثم قيل لنا إنك أركعتِ أحد أبنائنا بكلمة واحدة، وإن عينيك صارتا فضة. أيّ القولين صحيح؟»«كلاهما»، قالت بهدوء، وهي تشعر بعشرات العيون تثقب ظهرها. «كنت ضعيفة حتى وصلت إلى هنا. وما
الفصل الثامن: ثلاثة أسئلةلم يقل ريان كلمة واحدة طوال الطريق إلى مكتبه.كان يمشي أمامها كما فعل في المرة الماضية، لكن خطواته هذه المرة كانت أبطأ وأثقل، كأن جسده كله يقاوم شيئًا. ومن حولهما انسحب الجميع من الممرات، وأُغلقت الأبواب، وساد الحصن صمت من يعرف أن شيئًا كبيرًا حدث ولا يجرؤ على السؤال عنه.أغلق الباب خلفهما، ثم استدار إليها أخيرًا.كانت رائحة المكتب تجمع بين الحبر والدخان والورق القديم، وكان على الطاولة إبريق ماء وكوبان. سكب لها كوبًا بيد غير ثابتة، وناولها إياه دون أن يقترب أكثر مما ينبغي. شربت دون أن تعرف أنها كانت عطشى، ولاحظت أن كل حركة منه كانت موزونة بدقة من يحمل شيئًا قابلًا للانفجار.«اجلسي».جلست على الكرسي الخشبي القريب من الطاولة، وبقي هو واقفًا. كانت عيناه قد عادتا ذهبيتين تمامًا، لكن بقي في وجهه تعب قديم لم تلحظه من قبل.«سأسألك ثلاثة أسئلة، وأريد جوابًا صادقًا على كل واحد». توقف لحظة. «ولن أعاقبك على أي منها».«اسأل».«هل حدث لك هذا من قبل؟ العينان، والصوت؟»«لا. أقسم لك». شدّت أصابعها على ركبتيها. «كنت أظن أن ذئبي ضعيف، بالكاد أسمعه. لم يتكلم معي يومًا قبل وصولي
الفصل السابع: عيون الفضةفي صباح اليوم التالي، أرسلتها أم سالم إلى البئر في الفناء الخلفي لتملأ الدلاء، وقالت: «خذي وقتك. الهواء يفيدك».كان الفناء الخلفي هادئًا، وفيه البئر القديمة والشجرة الجرداء التي رأتها في الليل. وقفت ليان تدير المقبض الخشبي وتنظر إلى الجبال، وتفكر في الورقة الصغيرة التي أخفتها تحت وسادتها، وفي الحكاية الممزقة، وفي عيني ريان الذهبيتين وهو يقول لها «اخرجي» بذلك الصوت المتحشرج.كانت يداها باردتين من ماء البئر، وقلبها أبرد. لم تكن تعرف إن كانت تخاف منه أو تخاف عليه، وهذا ما أخافها أكثر من كل شيء.«ها هي الفأرة تعمل أخيرًا».رفعت رأسها. كان أمامها ثلاثة شبان، أكبرهم في العشرين، بقامة طويلة وأكتاف عريضة وعينين تلمعان بالشر. عرفت من رائحتهم أنهم ذئاب مقاتلون، وأن الذي تحدث هو القائد بينهم. اسمه زهير، سمعته أمس في المطبخ يتفاخر بأنه سيصير بيتا في يوم من الأيام.«ابتعدوا عن طريقي»، قالت بهدوء.«وإلا ماذا؟» اقترب خطوة، وركل الدلو فانقلب وانسكب ماؤه. «قطيعك باعك مثل خروف. لستِ إلا بضاعة. وهل تظنين أن الألفا يهتم بك؟ لقد رآك وأمر بحبسك في برج ليتخلص من رائحتك».ضحك رفيقاه.
الفصل السادس: المطبخفي اليوم التالي أيقظها صوت المفتاح وهو يدور في القفل.دخلت عجوز نحيلة تحمل إبريق ماء ومنشفة، فتعرّفت عليها ليان: هي نفسها التي همست لها بالتحذير قبل يومين. «صباح الخير يا بنيتي. أنا أم سالم، ولا تدعي أحدًا ينسّيك اسمك».ابتسمت ليان رغمًا عنها، فقد كانت أول ابتسامة تتلقاها منذ غادرت قريتها.«الألفا أمر بفتح الباب في الصباح»، تابعت العجوز وهي ترتب الغطاء. «لكن اسمعي يا ابنتي: في هذا الحصن، من لا عمل له يصير هدفًا. سهى ستطالب بأن تعملي في المطبخ مع الأوميغات. الأفضل أن تقبلي قبل أن يُفرض عليكِ».«ولماذا أقبل؟»«لأن من يختبئ في برج يُنسى، ومن يُنسى لا يعرف شيئًا». غمزت لها العجوز. «والمطبخ هو المكان الوحيد في الحصن الذي يعرف كل شيء».فهمت ليان أن هذه المرأة تعطيها سلاحًا لا نصيحة، وأخذته.وقرّرت أن تسمع أكثر مما تتكلم، وأن تجمع كل كلمة تسقط من أفواه هؤلاء الناس، كما يجمع النمل الفتات تحت المائدة. فمن لا تملك قوة تملك وقتًا وأذنين، ولديها الاثنتان.كان المطبخ قاعة كبيرة تحت الأرض، حارة ومزدحمة، تفوح منها رائحة الخبز واللحم والبصل. عشر نساء ينحنين فوق القدور والطاولات،
الفصل الخامس: ابتسامة غيثجاءها غيث في الصباح بنفسه، يحمل صينية فطور وكتابًا قديم الغلاف.«الألفا يرى أنك ستملّين هنا»، قال وهو يضع الصينية على الطاولة. «هذا الكتاب من مكتبة الحصن. وإن أعجبك، فهناك المزيد».تأملت ليان الكتاب بشك. «الألفا قال ذلك؟»«قال إن عليّ أن أتأكد أنك لا تؤذين نفسك». ابتسم. «وهذا قريب».جلس على الكرسي المقابل دون أن يُدعى، وسكب لها الشاي كأنه صاحب الغرفة. كان لطيفًا بشكل مريح، وهذا ما أقلقها. لم يكن أحد في هذا الحصن لطيفًا، فلماذا هو؟«ريان ليس قاسيًا كما يبدو»، قال بنبرة من يعرف سرًّا. «لقد فقد والده وهو في العشرين، في كمين غادر. ومنذ ذلك اليوم، لا يثق بأحد».«من نصب الكمين؟»«قيصر. ألفا قطيع الوادي الأحمر». توقفت يده لحظة على كوب الشاي. «رجل جائع، لا يشبع. وقطيعك يسكن الممر الوحيد الذي يمكنه عبوره إلى أرضنا. لهذا الاتفاق يا آنسة ليان. لهذا أنتِ هنا».فهمت أخيرًا. لم تكن رهينة سلام. كانت رهينة ممر جبلي.شعرت بمرارة تصعد إلى حلقها. لم يبيعوها لأجل السلام، بل لأجل طريق. وحين يحين وقت الحرب، لن يحتاج أحد إليها أبدًا.«وهل يحاول قيصر مرة أخرى؟»«كل يوم». هزّ رأسه. «
الفصل الرابع: عواء الليلأيقظها العواء.لم يكن عواءً واحدًا، بل جوقة كاملة، ترتفع من أعماق الحصن وتتردد بين الجبال كأن الليل نفسه يغنّي. جلست ليان في فراشها وقلبها يخفق. تذكّرت كلمات العجوز: «الليل في هذا الحصن لا يشبه النهار». الآن فهمت جزءًا من المعنى.نهضت إلى النافذة. تحت القمر الشاحب، رأت في الفناء البعيد ظلالًا كثيرة تتحرك: ذئاب، عشرات منها، رمادية وسوداء وبنية، تجري في دوائر واسعة. في قطيعها الصغير لم يكن هناك سوى ثلاثة ذئاب كبار، ولم ترَ في حياتها هذا العدد قط.وكان بينهم واحد مختلف. ذئب أسود ضخم، أكبر من البقية برأس كامل، يقف على حافة السور بلا حركة، وعيناه الذهبيتان مرفوعتان نحو القمر.عرفته قبل أن تفهم كيف. ريان.رأته مرة واحدة فقط وهو بشر، ولم تعرف عنه شيئًا، ومع ذلك عرفته. كأن في جسدها بوصلة قديمة، لا تشير إلى الشمال، بل إليه وحده.وفي الأسفل، رفع الذئب الأسود رأسه نحو القمر وأطلق عواءً طويلًا، فردّت عليه كل الذئاب في الفناء دفعة واحدة، كأنها تؤدي نشيدًا لا يعرفه سواهم.شعرت بذئبها الداخلي يقفز في صدرها، يخدش من الداخل، يريد الخروج، يريد أن يجري نحوه. أمسكت بحافة النافذة







