تسجيل الدخولغادرت قمر لغرفتها دون اكتراث برفضها للماء، عيناها تدور ببطء علي تفاصيل الغرفة، تنظر للأرض التي تشربت دمائها حين ضبطها عزت بجرمها المشهود، الأختناق تملك منها وكأن سكينه لا يزال مغروزا بها، تشعر انها تحتضر حتى سعلت بقوة ثم ارتشفت بعض الماء وهي تلهث لتقع عينيها علي نافذتها الخبيثة لعالم ضرغام، ذاك الحاسوب الذي شهد علي تجردها من كرامتها وأخلاقها، فتحته لتتعجب بحق وهي تراه تبخر من صفحتها ومن قائمة أصدقائها التي لم تكن تضم سواه، أين أحاديثهما؟ كيف أختفي هكذا؟ الأن أدركت أن المحقق لم يكشف أمر ضرغام ومع هذا استشعرت ريبته الشديدة، كتبت أسمه المستعار الذي تعرفه وبحثت عنه فعثرت أخيرا عليه لتبدأ بمراسلته. _ضرغام؟ أنا قمر يا ضرغام. أنا لسه عايشة ولا فاكرني مت وخلصت مني يا "و ا ط ي" أوعي تفتكر اني لسه عبيطة وساذجة أنا عندي اللي أهددك بيه لو مش رجعتلي فلوسي اللي اخدتها مني، يا إما مش هسيبك في حالك، وهتبقا غبي لو استقليت بيا، أنا خلاص واحدة معندهاش حاجة تخسرها. تجلي لديها أنه شاهد كل رسائلها ومع هذا لا يجيبها، ظلت تكتب له وهو يرى تساؤلاتها تارة وتهديداتها تارة اخري وتصف كيف تخلي عنها وهي تن
عاد لبيته ومضي وقتا كبير مع ابنه الذي بدأ يتعافي من نوبة إعياء متكررة، الصغير يمرض كثيرا وكم يشفق عليه، راح يداعبه ليشرد رغما عنه بزيارة لقمر وكيف استاء لسؤالها الأخير عنه، هل لا تزال تذكر ان لها ابن؟ بأي حق تسأل وهي التي تخلت عنه مقابل حفنة نقود، كف الصغير كانت تداعب أصابع أبيه ليبتسم رفعت بحنان ويميل يلثم كف صغيره هامسا: الدنيا كلها ماتساويش ضفر من ضوافرك يا عيون بابا. _ يلا يا رفعت يا ابني عشان نتغدا. وصل لسمعه صياح والدته، فانضم لها مع الصغير ليتناولا الغداء سويا. _ اطمنت علي قمر وأمها؟ بنبرة غير راضية تسائلت ليجيبها باقتضاب: أيوة _ وناوي تزورها تاني؟ تمتم بنفس الاقتضاب: أخر الأسبوع. _ ليه إن شاء الله؟ هي سيرة ابو زيد؟ ما انت خلاص يا ابني عملت الواجب ومقصرتش في حاجة، ولا انت عايز تربط نفسك بيها من تاني. _ ماما من فضلك بلاش الكلام ده عشان انتي عارفة كويس أن موقفي من قمر متغيرش ولا هيتغير. _ أمال رايح تاني ليه؟ _ لأنها هتخرج وانا هوصلهم للبيت واطمن انها مش محتاحة حاجة. _ وليه بتعمل كده مادام موقفك متغيرش ناحيتها. _ لأنها مهما حصل قمر وللأسف الشديد أم ا
_ لو سمحت مش دي غرفة مدام قمر اللي.. قاطعته العاملة التي انتهت لتوها من تغير ملاءة الفراش هاتفة: أيوة يا أستاذ هي، بس زملتي بتمشيها شوية برة علي ما انضف الأوضة، أصلها زهقت من النوم، ربنا يشفيهالك يا أستاذ ويطمنك عليها و… أدرك رفعت جيدا الغرض من ود تلك الفتاة، ليدس كفه بجيب قميصه ويعطيها نقودا مع قوله: تمام أنا هروح اشوفها. ترجل بعض الممرات حتي وجدها أخيرًا جالسة بهدوء على إحدى الأرائك الصلبة تطالع النافذة الزجاجية بشرود كبير، نصف حجابها متراجع عن رأسها، ذراعيها متدليان جوار صدرها، مائلة بكتفها علي الجدار الأبيض، نحولها جعل عظام وجهها بارزة وعيناها غائرة لتصير مع شحوبها لوحة مجسمة للإعياء و البؤس، لا يدري لما أتاها، ربما شهامته التي تأبى تركها وحيدة بتلك الظروف، رغم أن النفور نحوها لا يزال متقدا داخل نفسه، لكن ما حيلته بترتيبات القدر، زفرة مثقلة ندت عنه قبل أن يقترب متخذا مجلسا جوارها بهدوء دون كلمة واحدة، شعرت بأحدهم والتفت لتُبغت به متعجبة من مجيئه، لما أتاها؟ ماذا يريد منها وكل خيط بينهما ذاب حتى انقطع، أيعقل أن. _ أزيك ياقمر، طمنيني عليكي. رمقته بنظرة لا تصدق بعد وجوده قب
قلبي بيقولي ان ظنونك كلها هتطلع غلط" رمقتها "مودة" بحزن دون تعليق لتسترسل مرام: يا بنتي تصرف رفعت طبيعي جدا ومالوش المعني اللي في دماغك خالص، متنسيش انها أم ابنه ولازم يساعدها. تنهدت هامسة: مش ناسية يا مرام بالعكس، انا دايما بفكر نفسي بالحقيقة دي عشان متعلقش بحبال دايبة. ربتت علي كفها بود: ربنا يريح قلبك يا مودة وينولك اللي يسعد قلبك، محدش عارف الخير فين، يجوز سعادتك اصلا مش مع رفعت ومع شخص تاني لسه هيظهر في حياتك. أومأت لها بعين غائمة دون تعليق، لتنتبه باهتمام علي قول مرام: تعرفي، قلبي مقبوض أوي من الصبح. _ ليه يا حبيبتي؟ غمغمت بشرود طفيف: حلمت حلم وحش اوي يا مودة، قمت من النوم بعدها حاسة بخانقة كبيرة، أنتي عارفة ان جزء كبير من تفسير الحلم بيكون أثره جواكي لما بتصحي منه. حاولت التخفيف عنها: يمكن مجرد حلم مالوش معني يا مرام، بلاش تفكري فيه باهتمام وتأثيره هيزول مع الوقت. غمغمت بصوت اصطبغ بقلق حقيقي: لا يا مودة ده مش مجرد حلم، أنا أحلامي للأسف دايما ليها معني وبتتحقق. لتسترسل بذات النبرة: تعرفي ايه خوفني اكتر؟ إن اختي كانت معايا في الحلم، أنا وهي كنا كأننا بنصارع شيء
كان للصغار نصيبا كبيرا من السعادة وأشرقت تستعرض ما جلبته لأجلهما بحنان ليعانقاها بحب صافي فرحين بهداياهم، بينما هو يراقبهم برضا وراحة وقد اكتملت سعادته واصطبغت أجواء بيته بالسكينة، لا يطمع في أكثر من ذلك. عبر لغرفته وقام بصلاة العشاء التي تبعها بصلاة شكر لله علي ما رزقه من سعادة. _ الحمد لله رحمة ومازن عجبهم اللي اشتريناه ليهم وناموا فرحانين علي الأخر. نهض من فوق سجادة الصلاة وانضم لها في الفراش ملتقطا كفها مقبلا إياه بتقدير هامسا: ربنا يخليكي ليا يا أشرقت، قدرتي تعوضي اخواتي الحنان اللي كانوا محرومين منه، انتي بقيتي ليهم أم بجد مش مجرد مرات أخ، اتمني مفيش حاجة تتغير بعد ما تولدي، أوعي في يوم تكسري خاطر اليتامي دول يا أشرقت. ابتسمت متفهمة مشاعره وقلقه وهي تأخذ رأسه علي صدرها محتوية إياه بحنان أمومي مغمغمة: مقدرش ألومك وبدايتي معاهم كانت قاسية، بس تعرف يا رضا؟ أجمل وأصدق حاجة قولتها اني بقيت ليهم أم، هو ده فعلا إحساسي بيهم، دول أول تجربة أمومة حقيقية بعيشها وحتي لما ربنا يكرمنا بأبننا هيفضلوا ولادي وفي عيوني، والأيام هتثبتلك كلامي. تمرغ علي صدرها بدلال يحتاجه وذراعه تشتد فوق خصرها
يقولون أن للعشاق جذوة تنطفيء مع فرط التعود، وقلبها يخبرها أن لهيب عشق هذا الرجل لن يخبت داخلها مهما تعاقبت الأيام والسنون عليهما، إيمانها بمشاعرها نحوه صار قويا بما يكفي لتوقن أن غرامه سيظل باقٍ داخلها حتى تبلغ المشيب، تنهدت بحرارة وعيناها ترتشف ملامحه بوله ومع كل نظرة تعده أنها ستبقى زهرته اليانعة المزروعة بقلبه، زهرة لن تحيا إلا بنبضاته، تكاد لا تصدق أنها نامت بين ذراعيه واندثر بينهما الخصام وعاد لها عاشقا كما كان، فارسًا تفنن بإرضاء ملكته، أشتهت تقبيله فانحنت بحذر تمسد جبينه بشفتيها الناعمة وكانت قبلتها أكثر من كافية لإيقاظه، أشرع عيناه الناعسة ليبتسم رضا فور رؤية وجهها قريبا هكذا، أسكن رأسها فوق صدره وهو يعانقها هامسا بصوت خافت: صباح الخير يا حبيبتي. وجدها تلتقط كفه لتلثم باطنه هامسة: صباح الرضا يا حبيبي. لمسة شفتاها لكفه بهذا الحب وهذا الحنان أشعلت مشاعره التي لم تُخمد بعد فاعتدل وكافأها بما يليق بها وبه قبل أن يتأملها وعيناه تتلكأ فوق ملامحها بطء كأنه هو الأخر لا يصدق أنهما عادا سويًا، يقتسمان نفس الفراش بل ونفس العاطفة التي فاضت بها زوجته بأروع صورها وهي بأحضانه ليلة أمس،







