LOGINالفصل الرابع: أشباح من الماضي
وجهة نظر مراد لم تكد لين تنهي جملتها الحازمة، حتى أتاها صوت رنين إنهاء المكالمة؛ لقد أغلق مراد الخط في وجهها بعصبية مفرطة، لتسود حالة من الصمت الثقيل داخل مكتبها الفاخر. أما في الجانب الآخر، فكان مراد يقف في غرفته، والأنفاس تتصاعد من صدره بغضب مكتوم. ألقى الهاتف على الفراش بعصبية، وجلس يفرك وجهه بكفيه. هدر صوت في داخله يصرخ بمرارة: «لم تعد لين هي نفس الفتاة الرقيقة التي عرفتها من قبل.. لم تعد تفكر سوى في الصفقات، والأموال، والعمل فقط!». لا ينكر مراد أن لين هي سبب نجاحه بعد فشله، وسبب شفائه بعد كبوته ومرضه النفسي. لا ينكر أبداً أنها هي من انتشلته من قاع الضياع، وبفضلها أصبح زوجاً وأباً لطفلين رائعين بعد كل ما مر به من معاناة. فبعد أن كان مجرد مليونير مهدد بإشهار إفلاسه، تحول بفضل ذكائها وإدارتها إلى ملياردير يشار إليه بالبنان. فجأة، رن في أذنيه صوت جده الراحل لأمه، العجوز الحكيم "بابا أستاولوا"، حين قال له ذات يوم: "هذه الفتاة نقية مثلك يا مراد.. لن ترتاح روحك المعذبة إلا بين أحضانها". وقد كان.. لم يجد مراد الأمان والراحة إلا بين يدي لين، ولكن دوام الحال من المحال. فها هو الآن يعيش وحيداً؛ لم يعد يراها، لا هو ولا أولادهما. لقد اختفى الدفء الذي كان يملأ أركان بيتهما، ونسيت لين تماماً أنها زوجة وأم لطفلين في سن حرج يحتاجان إلى وجودها كل لحظة. نسيت أسرتها، حتى والدتها باتت تشكو بمرارة من جفائها وأنها لا تسأل عنها. قطع استرسال أفكاره طرقات خفيفة على باب الغرفة. ابتلع غصته ونادى بصوت هادئ: "ادخلي يا حبيبة". انفتح الباب ودخلت ابنته الجميلة "حبيبة"، وخلفها شقيقها التوأم "أنس" الذي كان يعقد حاجبيه بطفولية عاتبة وقال: "أنس لا يدخل يا بابا؟ حبيبة فقط؟". ابتسم مراد برقة واعتدل في مكانه، ثم ركع على ركبتيه ليصبح في مستواهما، وبسط ذراعيه قائلاً: "طبعاً أنس يدخل يا قلب بابا!". واحتضنهما معاً بقوة، كأنه يستمد منهما القوة ليرمم قلبه المكسور. ثم وقف وأمسك بأيديهما الصغيرة وخرج بهما قائلاً: "هيا بنا لنتناول وجبة الإفطار". نظرت إليه حبيبة، وضحكت بتهكم طفولي ذكي: "نتناول الإفطار بعد الظهر يا أبي؟!". ضحك مراد يبادلها المزاح ليخفي حزنه: "إذن.. نعتبرها وجبة الغداء!". تعلق أنس بطرف قميص والده وسأله بنبرة متوسلة: "هل ستأتي ماما لتناول الطعام معنا؟". انقبض قلب مراد، وأجاب بأسى حاول إخفاءه: "لا يا بطل.. ماما منشغلة جداً في الشركة، لذلك قررتُ أن أظل أنا معكم اليوم". اتجهوا جميعاً إلى المطبخ، فتح مراد الثلاجة وأخرج البيض قائلاً بحماس مفتعل: "ما رأيكم في تحضير طبق من الأومليت اللذيذ؟". تذمر أنس بضيق: "أومليت يا بابا بعد كل هذا الوقت؟ نحن مستيقظون منذ الصباح ونكاد نموت جوعاً!". ابتسم مراد وقال يفاجئهما: "حسناً.. ما رأيكم في وجبة فاخرة من السمك والجمبري؟". اتسعت عينا حبيبة بشغف: "رائع! ولكن هل سننتظر في البيت حتى يطلب الهاتف الطعام؟". أجابها مراد وهو يداعب وجنتها: "لا.. سأتصل بالمطعم الآن ليحضروا الوجبات، ونذهب نحن لنتناولها هناك فور أن نبدل ملابسنا". هتف الأطفال بفرح: "ممتاز.. هيا بنا فوراً!". وفي غمرة حماسهم، قال أنس بنبرة رجاء: "بابا.. ماما تحب السمك والجمبري جداً". والتقطت حبيبة الخيط قائلة: "أجل يا أبي، يجب أن تتصل بها لتأتي إلى المطعم وتشاركنا الطعام". طأطأ أنس رأسه بحزن وقال بصوت خفيض: "لن تأتي.. كما تفعل في كل مرة". اعتصر الألم قلب مراد، واقترب من طفله يربت على كتفه محاولاً تطييب خاطره: "لا تقل ذلك يا أنس.. ماما تحبكم كثيراً، لكن العمل هو ما يشغلها". في تلك اللحظة، وتأثراً بنبرة ابنه الحزينة، داهمت مراد ذكرى سوداء أحرقت صدره.. تذكر ابنته الراحلة "جيليانا"، طفلته من زوجته الأولى. كم قاست تلك الطفلة وعانت من إهمال أمها وقسوتها، حتى ضعفت مناعتها وأصيبت بمرض "اللوكيميا" الشرس وماتت وهي زهرة لم تتفتح بعد. نظر مراد إلى ابنته حبيبة، ورأى فيها شبهاً صارخاً من شقيقتها الراحلة؛ فالاثنان يحملان ملامحه، وكأن الله أراد أن يعوضه عن ضياع طفلته الصغيرة بهذين الطفلين الرائعين، وعن زوجته السابقة الخائنة والجشعة "جيرمينال"، بزوجة وفية وأمينة مثل "لين".. ولكن يا لَسخرية القدر، فـ "لين" أيضاً أصبحت تسير في نفس الطريق، وبات كل همها الشركات والأموال! ورغم أنه يفهم جيداً أنها تفعل ذلك بقوة وجدية لتحافظ على النجاح والثروة التي وصلوا إليها، إلا أن الخوف من تكرار الماضي كان يقتله. تراجع مراد بذاكرته إلى تلك اللحظة الحاسمة، حين قرر قبل سنوات أن يجلس مع لين تحت الشجرة الوارفة في المزرعة التي يمتلكها جده "بابا أستاولوا"، ليفتح لها قلبه ويحكي لها كل ماضيه المظلم، وسبب دخوله إلى مصحة الأمراض العصبية التي التقاها فيها.. في تلك الأيام الخوالي، جلست لينا بجواره على كرسي خشبي عريض تحت الشجرة، وانصتت إليه باهتمام شديد، بينما كان الماضي يمر أمام عيني مراد كأنه شريط سينما حي يحدث الآن.. تردد في عقله صوت زوجته الأولى "جيرمينال" وهي تصرخ بحدة: "هل ستأتي كل يوم متأخراً هكذا؟ أنا أشعر بالرعب في هذه المزرعة المهجورة!". كان قد وعدها حينها أن يعود من عمله في إشراف المزرعة مبكراً، ومرت الأيام، وكان من الصعب على مراد الشاب الطموح أن يفي بوعده ويعود في الموعد المحدد بسبب ضغط العمل. وفي نفس الوقت، كان صديقه "مازن" كثير الزيارات لهم، ويسهر في بيتهم مع مراد و چيرمينال. تذكر كلمات "چيرمينال" المسمومة وهي تقول له متذمرة: "أنا شابة وجميلة، وأنت تتركني وحيدة.. أنا أخاف الفتنة!". كانت جيرمينال امرأة أنانية، زوجة وأماً مهملة لا تعرف الحب إلا لنفسها. لم تهتم بطفلتها "جيليانا" مطلقاً، بل تركتها طوال الوقت للمرضعة التي أحضرها مراد، بعد أن رفضت الأم إرضاع ابنتها خوفاً على صحتها ورشاقتها وجمالها! هذا الإهمال العاطفي والجسدي الشديد تسبب في انهيار صحة الطفلة، وإصابتها بالمرض الخبيث وهي في الثالثة من عمرها، وكانت تلك الصدمة التي زلزلت كيان مراد. في ذلك اليوم المشؤوم، ترك مراد عمله وعاد إلى البيت فوراً لشعوره بالقلق، فلم يجد جيرمينال. ركض إلى المربية، وحمل ابنته المحمومة على كتفه وانطلق بها إلى السيارة متوجهاً إلى الطبيب فوراً والدموع تحجبه رؤيته. "ماذا أصابها يا دكتور؟ أرجوك أخبرني!" سأل مراد منزعجاً. طلب الطبيب بإلحاح بعض الأشعة وفحوصات الدم العاجلة. خرج مراد من العيادة وقلبه ينقبض رعباً على فلذة كبده؛ فهذه الطفلة أصبحت هي الحياة ذاتها بالنسبة له منذ أتت إلى الدنيا، كانت تحبه وتتعلق به لفرط حبه واهتمامه بها. حملها وتوجه بها إلى مراكز الأشعة والتحاليل، ثم عاد بها إلى بيته في المزرعة. وبعد أن دخل ووضعها في فراشها، وجد زوجته جيرمينال تفتح الباب وتدخل بكل برود. سألها وعيناه تطاير منها الشرر: "أين كنتِ يا هانم وطفلتكِ تموت من السخونة؟". أجابت ببرود مستفز وهي تخلع نظارتها الشمسية: "في النادي مع الأصدقاء!". سهر مراد طوال الليل بطوله بجوار ابنته يضع لها الكمادات ويراقب أنفاسها الضعيفة، أما جيرمينال فنامت في غرفتها بعمق وكأن شيئاً لم يكن. وبعد يومين، ذهب مراد بالطفلة ليأخذ نتائج التحاليل وتقارير الأشعة، ورافقت جيرمينال معه على مضض. دخلوا إلى مكتب الطبيب، الذي فحص الأوراق بصمت طويل ووجوم شديد. لم يحتمل مراد الصمت فهتف بقلق قاتل: "أرجوك طمئنني يا دكتور!". نظر الطبيب إليه بأسف شديد وقال: "كنت أتمنى أن أطمئنك يا سيد مراد.. ولكن للأسف، الفحوصات تؤكد إصابة البنت بسرطان الدم.. المرض في بدايته، والأمل في الشفاء موجود، لكن الرحلة ستكون شاقة". خرج مراد من عيادة الطبيب والدنيا تدور برأسه، انسدت أذناه ولم يعد يرى أو يسمع ما حوله. حمل ابنته الراخية على كتفه، وركب السيارة وأدار المحرك لينطلق بسرعة جنونية دون وعي، بينما كانت زوجته تصرخ فيه بهلع: "أنت مجنون! أرجوك لا تقود السيارة بهذه العصبية!". لم يرد عليها، ولم يكترث بصراخها، وظل صامتاً كالجثة حتى دخل من الباب الخلفي للمزرعة. وفجأة، انشق الظلام وظهر شخص يقف فجأة أمام السيارة، كأنه أحد العمال الذين يعملون في الأرض، وقف وتحدى المركبة المسرعة.. لكن مراد، من فرط ذهوله وصدمته بمرض ابنته، لم يره نهائياً! صدمته السيارة بقوة.. ولم يفق مراد من غيبوبة ذهوله إلا على صوت صرخة مدوية هزت أركان المكان، صرختها جيرمينال! أوقف مراد السيارة بعنف، وترك لها الطفلة، ونزل يركض ناحية ضحيته الملقاة على الأرض والدماء تسيل منه. جثا على ركبتيه وحاول إنقاذه وتحسس نبضه، ليرى أنه بالفعل أحد عمال المزرعة القدامى. فتح الضحية عينيه بصعوبة، ونظر إلى مراد، ثم قال بصوت مبحوح ومتقطع يخرج بصعوبة مع أنفاسه الأخيرة: "سيد مراد.. كنتُ.. أريد أن أخبرك بـ.....". ثم صمت إلى الأبد ، لقد مات متأثرا بجراحهالفصل الخامس والستين : سقوط الأقنعة وشرارة الحقيقةقاد عم عبد الستار الأخ الأكبر البكري عبر أزقة وشوارع ضيقة في حواري حي السيدة زينب، حتى وصلا إلى بيت قديم متآكل الجدران. صعدا الدرج الحجري، وطرق عبد الستار الباب الخشبي. فتح عبد الحكيم الجزار الباب، وكان رجلاً مسناً تظهر على وجهه علامات الخوف والذعر والإنهاك العصبي.عندما رأى عبد الحكيم رجلاً صعيدياً مهيباً بعباءته كالشرطة تقف أمامه، ارتجف كالسعفة وأراد إغلاق الباب، ولكن البكري وضع قدمه الصلبة بين الباب والإطار، ودخل الغرفة بثبات وهدوء، وأغلق الباب خلفه وقال بصوت دافئ ورخيم:"لا تخف يا عم عبد الحكيم.. أنا لستُ من الشرطة ولا جئتُ لأوذيك! أنا 'البكري' الأخ الأكبر لمراد صاحب المزرعة والمنافذ!"سقط عبد الحكيم على المقعد الخشبي ودموعه تنهمر على لحيته البيضاء وقال بصوت متهدج:"والله العظيم أنا بريء يا بيه! والله العظيم لم أكن أعلم أن البقرة مريضة، وأنا مظلوم ولا يد لي في خراب بيتكم!"جلس البكري قبالته، وربت على كفه بثقة وقال:"أنا أصدقك يا عم عبد الحكيم.. ولكن كي أنقذك وأنقذ أخي وزوجته الحامل من السجن، يجب أن تحكي لي الحقيقة كاملة ودو
الفصل الرابع والستين : تحريات شبرا "فهمني ماذا تنوي أن تفعل يا بكري؟""خليك في حالتك وزوجتك الآن واكفِ بيتك، واترك لي ساحة التحريات الشعبية!"خرج البكري من بيت المزرعة بعباءته وهو يحمل في ذهنه كل العناوين والتفاصيل والمواقع التي استدرجها من مراد أثناء الحديث. اتجه البكري مباشرة إلى حي شبرا بالقاهرة، وقصد فرع منافذ البيع الخاص بالمزرعة دخل البكري إلى المحل متظاهراً بصفة زبون عادي يريد شراء كميات كبيرة من اللحوم لمناسبة عائلية. التقط بعض المنتجات، ثم اقترب من أحد العمال الجزارين المدعو "سمعان"، وسأله بذكاء وعفوية ظاهرة:"مررتُ صباحاً على فرعكم في العباسية لأشتري شغل جملة، فوجدته مغلقاً ومتشمعاً بالشمع الأحمر من الشرطة! خير إن شاء الله؟ هل تبيعون لحوم كلاب أو حمير يا بني؟"انتفض العامل سمعان بغضب مدافعاً عن سمعة المحل:"ما هذا الكلام يا بلدينا؟! حاشا لله! نحن نبيع أجود وأحسن أنواع اللحوم البلدي في مصر كلها وبشهادة الجميع!"سأله البكري بتعجب مصطنع:"طالما الأمر كذلك، فلماذا شمعت الشرطة والتموين الفرع بالكامل إذن؟"تنهد سمعان وقال بصوت خفيض:"غلطة غير مقصودة وبحسن نية من عمك عب
الفصل الثالث و الستون : خطة الاختراق والمكيدةتنهد مراد بضيق شديد، وتراجع ليلتقط أنفاسه قبل أن يبدأ في سرد التفاصيل لأخيه البكري، وقال بصوت يقطر أساً:"مصيبة يا بكري.. مصيبة كادت تعصف بكل ما بنيناه!"رد البكري بصلابة الصعيد:"بعد الشر عليك وعلى بيتك من المصائب يا أخيا! اشرح لي خطوة بخطوة وواحدة واحدة كي أفهم أين تكمن المشكلة وكيف أستطيع التدخل والتصرف معك."بدأ مراد يشرح الخطة المالية والتسويقية قائلاً:"عندما كنتُ أنا في المستشفى أتعافى من الحادث الأليم، كانت لينا هي التي أدارت المزرعة والمصنع بجانب الوالد أستاولوا. كان مستوى المبيعات متدربداً جداً، وكانت المزرعة تحقق خسائر فادحة بسبب أن الشركات الكبرى والمحلات التي كانت تشتري منا بضائع الجملة توقفت عن التعامل معنا. حينها فكرت لينا في فكرة تسويقية عبقرية: وهي أن نفتح منافذ بيع خاصة بنا باسم المزرعة، وتكون في مناطق شعبية ذات كثافة سكانية عالية مثل العباسية وشبرا، ونسعر اللحوم بأقل سعر ممكن نكاية في جشع التجار!"سأله البكري باهتمام:"وما هي فكرة الذبح المباشر التي حكيتَ عنها؟"أوضح مراد:"طرحت لينا فكرة جديدة: بدلاً من نقل الل
الفصل الثاني والستون : تنفيذ الوصية وصل البكري إلى بيت المزرعة بعباءته الصعيدية الفاخرة ووقاره المهيب. استقبلته لينا بترحاب حار وأعدت له واجب الضيافة، ثم اتصلت فوراً بمراد كي يعود من المصنع لمجالسة أخيه الكبير.حضر مراد مسرعاً، واستقبل أخاه بالترحاب والدفء وعناق حار قائلاً:"أهلاً أهلاً يا بكري! أنورت البيت يا أخيا.. والله لك وحشة كبيرة!"رد البكري بلهجته الصعيدية الدافئة:"وأنت أكثر يا ولد أبوي.. كيف حالك وحال صحتك؟""أنا بخير والحمد لله.. أعلم أنني مقصر معكم في الفترة الأخيرة ولا أسأل، ولكن والله الظروف كانت فوق طاقتي."قال البكري بوقار:"أعرف يا مراد.. الوالد أستاولوا حكى لي كل شيء عن المحنة التي تمرون بها."تضايق مراد وقال:"لماذا حكى لك ليقلقك يا بكري؟ لم أرد أن أشغل بالك بأزماتي!"رد البكري بحدة أخوية حنونة:"عيب عليك يا مراد أن تقول هذا الكلام! أليس من واجبي أن أكون بجانبك في الشدة؟ فهمني الحكاية بأدق تفاصيلها كي أعرف كيف أقف معك.""لا أريد أن أشق عليك يا أخيا.."قطع البكري حديثه وقال بحسم:"قبل أي شيء يا مراد.. والدك الله يرحمه قبل أن يموت ترك بيتاً وأرضاً زراعية وم
الفصل الواحد وستون : شبح الماضي وصوت من الصعيدتسمرت لينا في مقعدها، وشعرت برودة تسري في أطرافها كأنها دُفنت تحت الجليد. فتحت شفتيها وشخصت بصرياً نحو أستاولوا، وقالت بصوت مرتعش لا يرتفع عن الهرير:"ماذا تقول يا بابا أستاولوا؟! مات؟! كيف مات ومتى؟!"رد أستاولوا ونبرته محملة بوجوم ثقيل:"كما أقول لكِ تماماً يا بنيتي.. إسماعيل الجزار هذا كان يعفي العمل معنا هنا في المصنع القديم، وتوفي في حادث أليم أدى لمصرعه فوراً داخل المزرعة منذ أكثر من ثلاث سنوات!"ارتجفت يد لينا وهي تمسك بطرف الفستان وقالت برعب:"يعني.. يعني الشخص الذي كنتُ أراه وأتحدث معه طوال هذه الفترة هو شبح؟! شبح رجل ميت؟!"تدخل مراد يحاول استيعاب الموقف بعقله المنطقي وضرب الطاولة بغضب:"وهل هناك شبح يظهر في وضح النهار والشمس ما زالت ساطعة في السماء يا لينا؟! هذا كلام لا يدخل عقل طفل صغير!"قال أستاولوا محتاراً وهو يحك جبهته:"أنا لم أعد أفهم شيئاً إطلاقاً! مرة تقولان إنكما رأيتما طيف 'جيليانا' يركض بين الأشجار، والآن تقول لينا إنها تتحدث مع 'إسماعيل الجزار'! ما هذه الخزعبلات والأمور غير المفهومة التي باتت تجري في بيتن
الفصل الستون: خيوط الغموض ورسالة الشبحخرج بابا أستاولوا ومراد من غرفة لينا بعد أن اطمأنا تماماً على استقرار حالتها وصحتها وسكونها للنوم. انتقلا فوراً إلى مكتب إدارة المزرعة، يحدوهما أمل جارف ورغبة عارمة في الخروج من هذه الشرنقة المظلمة والبحث عن الأصل والمنبع لهذه المصيبة الملفقة التي تطوق أعناقهم بالاتهامات المالية والبيطرية الخطيرة.بدأ مراد وأستاولوا بخطة تحريات مكثفة داخل المزرعة نفسها. استدعيا العمال والمشرفين واحداً تلو الآخر إلى المكتب، وجرت التحقيقات والتساؤلات بدقة شديدة واستجواب حاسم. كان الجميع يقسمون بأغلى الأيمانات أنه في ذلك اليوم الشؤوم لم تخرج أي شحنة بضائع أو لحوم مذبوحة من المزرعة أو المصنع نهائياً.أبدى العمال دهشتهم الشديدة أثناء الإدلاء بشهاداتهم؛ فقد أكدوا أن ذلك اليوم تحديداً كان الموعد المحدد خروجه لنقل الأبقار الحية السليمة إلى فروع الشركة الكبرى في العباسية وشبرا ليتم ذبحها أمام الزبائن وفق النظام المعتاد، وأن عدم خروج تلك الأبقار جعل العمال يظنون أن هناك كميات من اللحوم المجمدة أو المبردة المتبقية من الأسبوع الماضي في المنافذ ولم تُبَع بعد، ولهذا السبب ل







