Se connecterالفصل الثالث: أوجاع الماضي
وجهة نظر لين
قبل سنة
دَلَفَتْ لينا إلى مكتب الرئيس التنفيذي لمجموعة "أستاولوا" للمواد الغذائية بخطوات واثقة، وجلست خلف مكتبها الخشبي الفاخر بثقةٍ تليق بمكانتها الجديدة. كانت ملامحها حازمة وهي تبحث في أوراق الصفقات الجديدة، بينما سكرتيرتها تتبعها بملامح مرتبكة تكاد تلهث.
التفتت لينا إليها وسألتها بنبرة حادة: "أين الأوراق الخاصة بمطعم الأسماك والمأكولات البحرية؟"
ارتجفت السكرتيرة، وتراجعت خطوة للخلف قائلة بنبرة متلعثمة: "سـ... سأحضرها فوراً يا فندم".
بمجرد أن خرجت السكرتيرة وأغلقت الباب خلفها، تنفست لينا الصعداء. التفتت إلى شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص بالشركة، وشرعت تراجع تفاصيل الصفقات بنفسها، شاعرة بنشوة الانتصار تتدفق في عروقها. همست لنفسها بنبرة تملؤها العزة والفخر: «أخيراً، أصبحتُ في المكان الذي أستحقه».
أثارت هذه الكلمات شريطاً طويلاً من الذكريات المريرة في مخيلتها. تذكرتْ كل المهن المملة والمهينة التي طالما شغلتها في الماضي، وكيف كافحت وبدأت رحلتها من الصفر، صعوداً من قاع الفقر. تحديداَ، بزغت في عقلها ذكرى ذلك العمل الكئيب؛ حين كانت مجرد موظفة أمن بائسة في أحد المولات التجارية الكبرى.
مرت الذكريات أمام عينيها كأنه فيلم سينمائي قديم بهتت ألوانه...
في السادسة صباحاً، كانت لينا تخرج من منزلها المتواضع متوجهة إلى عملها. تقف على قارعة الطريق الطويل في انتظار أتوبيس الشركة. وبعد طول انتظار ومكابدة مع برد الصباح أو حره، يصل الأتوبيس متهالكاً، فتركبه وتلقي التحية بصوت واهن، فلا يرد عليها أحد كعادتهم؛ فالجميع غارق في بؤسه.
جلست بجوار زميلة لها، وطوال الطريق حتى وصولهم إلى المول، كان الأتوبيس يضج بتأفف العاملين وشكواهم المستمرة من ذلك العمل الممل الذي يمتص طاقاتهم. وبمجرد وصولهم، كانوا يتوجهون مباشرة إلى "اللوكر"؛ تلك الغرفة الضيقة المليئة بخزانات حديدية صدئة، ليبدلوا ملابسهم ويرتدوا تلك البدلة الرسمية الكئيبة، التي تمحو ملامحهم الأنثوية والآدمية وتحولهم إلى مجرد أرقام في آلة الأمن.
استقرت لينا في مكانها المعتاد، يجلس جسدها الهزيل أمام جهاز "الأكس راي" للكشف عن الحقائب، بينما يقف زميلها أمام البوابة الإلكترونية ممسكاً بجهاز الكشف اليدوي. ومع أول ساعة، يبدأ ذلك اليوم الطويل والممل الذي تمر دقيقته وكأنها دهر لا ينتهي.
كانت تلك الفترة متزامنة مع ذروة جائحة كورونا والتعليمات الصارمة؛ حيث تقضي لينا يومها في مشاجرات لا تنتهي مع العملاء المستهترين الذين يرفضون ارتداء الكمامة أو قياس درجة حرارتهم. يتفلسف هذا، ويتذمر ذاك، مدعين أن الكمامة بلا فائدة وأن الحرارة ليست عرضاً رئيسياً للمرض، مما يزيد من سخافة العمل وثقله على قلبها.
وما زاد الطين بلة، هي تلك القوانين الجائرة الصادرة من إدارة الأمن؛ حيث مُع التسلح بالهواتف المحمولة نهائياً، حتى وإن خلت الممرات من الزوار. بل إن شرب الماء مُع إلا في فترات الراحة الرسمية، وحتى دخول المرحاض بات بحساب ومواعيد دقيقة تخضع للرقابة! وكأن مدير الأمن بمستشاره ومشرفي الشركة قد تحالفوا مع العملاء لتدمير أعصاب هؤلاء الموظفين المطحونين.
كان هذا النظام الغريب الذي لا يحترم آدمية البشر يلقى قبولاً خاضعاً من الجميع؛ حيث يتعامل الموظفون القدامى مع هذه السخافات والانتهاكات كأنه أمر مسلم به ولا مفر منه، وهو ما كان يثير حنق لينا الشديد؛ فهي الوحيدة مع قلة من زميلاتها اللواتي لم يقبلن بكسر كرامتهن.
عند انتهاء المناوبة، تعود لينا إلى "اللوكر"؛ تلك الغرفة التي تُعد القرب منها للأكل جريمة، حيث يمنع تناول حتى قطعة بسكويت خارجها. تبدل ملابسها بسرعة ليلحقوا بالأتوبيس. ورغم أن العقد ينص على ثماني ساعات عمل فقط (من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً)، إلا أن الواقع كان يلتهم يومها كاملاً؛ فلا تعود لبيتها إلا في السادسة مساءً، مقابل راتب تافه لا يتعدى 2200 جنيه، يضيع نصفه في أجرة "التوكتوك" ووجبة الإفطار الزهيدة. مبلغ لا يستحق عناء البدن ولا حرق الأعصاب.
كانت تعود إلى بيتها منهكة، تتجاهل تذمر والدتها وإخوتها، وتلوذ بغرفتها الضيقة. تتمدد على سريرها وتمسك بهاتفها، تتصفح مواقع التواصل لبضع دقائق، حتى يغلبها النوم رغماً عنها، فيسقط الهاتف من يدها الارتخاء التام، لتستيقظ في السادسة من صباح اليوم التالي لتعيد نفس السلسلة الروتينية المملة. ورغم تغيير مكان وقوفها بين مداخل المول المختلفة، إلا أن السأم كان واحداً؛ تارة تقف مع زميل يخفف عنها بحديثه الطيب، وتارة مع زميل سخيف يزيد من مرارة الساعات، ناهيك عن ضربات الشمس الحارقة في المداخل الخارجية التي غيرت لون بشرتها وجعلت وجهها الشاحب يبهت أكثر فأكثر.
لم يكن شقاء العمل وحده ما يؤلمها، بل كان بيتها بيئة طاردة؛ حيث كانت والدتها تعنفها باستمرار، وتعاملها كفتاة فاشلة لا فائدة منها. وما زال صوت أمها يتردد بحدة في أذنيها: "أنتِ فتاة مدللة، لستِ أهلاً للمسؤولية، ولن تتحملي مشقة الحياة أبداً!".
انقشعت غيمات تلك الذكرى الكئيبة، لتتداخل معها ذكرى أخرى هي نقطة التحول الكبرى في حياتها... تذكرت "بابا أستاولوا".
ذلك الرجل العجوز الطيب الذي غمرها بحنان الأب الذي حرمت منه عقب وفاة والدها. تذكرت أول مرة رأته فيها، ولم يكن ذلك في مكان طبيعي، بل كان في مصحة الأمراض العصبية التي نُقلت إليها إثر انهيار عصبي حاد بسبب ضغوط حياتها وعائلتها.
في تلك الليلة المظلمة داخل المصحة، كانت لينا تتمدد على سريرها، وعيناها مفتوحتان تراقبان الظلام بيأس. فجأة، ظهر وراء شبك نافذتها رجل عجوز ذو هيبة؛ يرتدي بدلة أنيقة وبرنيطة أوروبية كلاسيكية، ويمسك بعصا يتوكأ عليها. وقف يتأملها، بينما كانت عيناها ترنو إليه بذهول. ورغم أنه غريب، إلا أنها لمحت في عينيه نظرة حنان دافئة لم تعهدها من قبل، نظرة هزت كيانها. لم تكن تلك المرة الأولى، فقد رأته سابقاً في المستشفى العام قبل نقلها إلى هنا، وظل يزور شباكها يومياً تقريباً كأنه ملاك حارس.
إن معرفتها بهذا العجوز الثري، وتبنيه لمواهبها المدفونة بعد خروجها، كانا السبب الرئيسي والوحيد في كل نجاح وصلت إليه الآن، وفي جلوسها على هذا الكرسي بلقب رئيس تنفيذي. ترحمت عليه في سرها قائلة: «رحمك الله يا أبي الروحي.. كم أفتقدك».
انقطع حبل ذكرياتها فجأة على صوت طرقات قوية على باب المكتب.
اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة رسمية: "ادخل".
دُفع الباب ليدخل شقيقها "زين"، الذي عيَّنته مؤخراً كمسؤول لتوريد بضائع الشركة. تقدم نحوها بابتسامة رقيقة مادحاً: "أختي الجميلة!".
نظرت إليه لينا بنظرة باردة خالية من المشاعر، وقالت بنبرة حازمة أحرجته بشدة: "لقد قلتُ لك سابقاً يا زين.. هنا في الشركة، أنا لستُ أختك. أنا رئيسك التنفيذي فقط".
وقبل أن يجيب زين ويدافع عن نفسه، صدح صوت رنين هاتفها المحمول معلناً اتصالاً من زوجها. أشارت لزين بالصمت، ثم فتحت الخط وقالت ببرود جاف: "مراد.. كيف حالك اليوم؟ أمعقول أنك ما زلت نائماً حتى الآن؟"
أتاها صوته من الطرف الآخر مشحوناً بالضيق والأنفاس المتلاحقة: "استيقظت من نومي فلم أجدكِ بجواري كالعادة يا لين.. أين أنتِ؟"
أجابت وهي تقلب الأوراق أمامها دون اهتمام حقيقي بنبرته: "ذهبتُ إلى الشركة مبكراً. هناك الكثير من الصفقات التجارية المعلقة التي يجب عليَّ مراجعتها وتحديد مواعيد نهائية لإغلاقها".
تنهد مراد بقهر، وخرجت كلماته مغلفة بالسخرية المريرة والعصبية: "ليتني كنتُ صفقة من صفقاتكِ التجارية هذه، ربما كنتُ سأحظى ببعضٍ من وقتكِ واهتمامكِ!".
أطلقت لينا ضحكة قصيرة جافة، لا مبالية بحجم الألم في صوته، وقالت: "أنت أهم صفقة تمت في حياتي يا مراد".
لكن كلماتها لم تزد مراد إلا غضباً، فصرخ عبر الهاتف بنبرة حادة: "بالفعل! هي صفقة تمت وانتهت.. ولأنها انتهت، لم يعُد لوجودي أي قيمة أو اهتمام في حياتكِ!".
تصلبت ملامح لينا، وتحولت نبرتها إلى الحزم الشديد وهي تقطع عليه سيل لومه: "كان الأجدر بك أن تكون معي هنا في الشركة تدعمني وتتابع أعمالنا وتجارتنا، بدلاً من الجلوس وتوجيه اللوم لي لأنني أعتني بـ ثروتنا".
ولم تكد تنهي جملتها، حتى أتاها صوت رنين إنهاء المكالمة؛ لقد أغلق مراد الخط في وجهها بعصبية مفرطة، لتسود حالة من الصمت الثقيل داخل المكتب.
الفصل الخامس والستين : سقوط الأقنعة وشرارة الحقيقةقاد عم عبد الستار الأخ الأكبر البكري عبر أزقة وشوارع ضيقة في حواري حي السيدة زينب، حتى وصلا إلى بيت قديم متآكل الجدران. صعدا الدرج الحجري، وطرق عبد الستار الباب الخشبي. فتح عبد الحكيم الجزار الباب، وكان رجلاً مسناً تظهر على وجهه علامات الخوف والذعر والإنهاك العصبي.عندما رأى عبد الحكيم رجلاً صعيدياً مهيباً بعباءته كالشرطة تقف أمامه، ارتجف كالسعفة وأراد إغلاق الباب، ولكن البكري وضع قدمه الصلبة بين الباب والإطار، ودخل الغرفة بثبات وهدوء، وأغلق الباب خلفه وقال بصوت دافئ ورخيم:"لا تخف يا عم عبد الحكيم.. أنا لستُ من الشرطة ولا جئتُ لأوذيك! أنا 'البكري' الأخ الأكبر لمراد صاحب المزرعة والمنافذ!"سقط عبد الحكيم على المقعد الخشبي ودموعه تنهمر على لحيته البيضاء وقال بصوت متهدج:"والله العظيم أنا بريء يا بيه! والله العظيم لم أكن أعلم أن البقرة مريضة، وأنا مظلوم ولا يد لي في خراب بيتكم!"جلس البكري قبالته، وربت على كفه بثقة وقال:"أنا أصدقك يا عم عبد الحكيم.. ولكن كي أنقذك وأنقذ أخي وزوجته الحامل من السجن، يجب أن تحكي لي الحقيقة كاملة ودو
الفصل الرابع والستين : تحريات شبرا "فهمني ماذا تنوي أن تفعل يا بكري؟""خليك في حالتك وزوجتك الآن واكفِ بيتك، واترك لي ساحة التحريات الشعبية!"خرج البكري من بيت المزرعة بعباءته وهو يحمل في ذهنه كل العناوين والتفاصيل والمواقع التي استدرجها من مراد أثناء الحديث. اتجه البكري مباشرة إلى حي شبرا بالقاهرة، وقصد فرع منافذ البيع الخاص بالمزرعة دخل البكري إلى المحل متظاهراً بصفة زبون عادي يريد شراء كميات كبيرة من اللحوم لمناسبة عائلية. التقط بعض المنتجات، ثم اقترب من أحد العمال الجزارين المدعو "سمعان"، وسأله بذكاء وعفوية ظاهرة:"مررتُ صباحاً على فرعكم في العباسية لأشتري شغل جملة، فوجدته مغلقاً ومتشمعاً بالشمع الأحمر من الشرطة! خير إن شاء الله؟ هل تبيعون لحوم كلاب أو حمير يا بني؟"انتفض العامل سمعان بغضب مدافعاً عن سمعة المحل:"ما هذا الكلام يا بلدينا؟! حاشا لله! نحن نبيع أجود وأحسن أنواع اللحوم البلدي في مصر كلها وبشهادة الجميع!"سأله البكري بتعجب مصطنع:"طالما الأمر كذلك، فلماذا شمعت الشرطة والتموين الفرع بالكامل إذن؟"تنهد سمعان وقال بصوت خفيض:"غلطة غير مقصودة وبحسن نية من عمك عب
الفصل الثالث و الستون : خطة الاختراق والمكيدةتنهد مراد بضيق شديد، وتراجع ليلتقط أنفاسه قبل أن يبدأ في سرد التفاصيل لأخيه البكري، وقال بصوت يقطر أساً:"مصيبة يا بكري.. مصيبة كادت تعصف بكل ما بنيناه!"رد البكري بصلابة الصعيد:"بعد الشر عليك وعلى بيتك من المصائب يا أخيا! اشرح لي خطوة بخطوة وواحدة واحدة كي أفهم أين تكمن المشكلة وكيف أستطيع التدخل والتصرف معك."بدأ مراد يشرح الخطة المالية والتسويقية قائلاً:"عندما كنتُ أنا في المستشفى أتعافى من الحادث الأليم، كانت لينا هي التي أدارت المزرعة والمصنع بجانب الوالد أستاولوا. كان مستوى المبيعات متدربداً جداً، وكانت المزرعة تحقق خسائر فادحة بسبب أن الشركات الكبرى والمحلات التي كانت تشتري منا بضائع الجملة توقفت عن التعامل معنا. حينها فكرت لينا في فكرة تسويقية عبقرية: وهي أن نفتح منافذ بيع خاصة بنا باسم المزرعة، وتكون في مناطق شعبية ذات كثافة سكانية عالية مثل العباسية وشبرا، ونسعر اللحوم بأقل سعر ممكن نكاية في جشع التجار!"سأله البكري باهتمام:"وما هي فكرة الذبح المباشر التي حكيتَ عنها؟"أوضح مراد:"طرحت لينا فكرة جديدة: بدلاً من نقل الل
الفصل الثاني والستون : تنفيذ الوصية وصل البكري إلى بيت المزرعة بعباءته الصعيدية الفاخرة ووقاره المهيب. استقبلته لينا بترحاب حار وأعدت له واجب الضيافة، ثم اتصلت فوراً بمراد كي يعود من المصنع لمجالسة أخيه الكبير.حضر مراد مسرعاً، واستقبل أخاه بالترحاب والدفء وعناق حار قائلاً:"أهلاً أهلاً يا بكري! أنورت البيت يا أخيا.. والله لك وحشة كبيرة!"رد البكري بلهجته الصعيدية الدافئة:"وأنت أكثر يا ولد أبوي.. كيف حالك وحال صحتك؟""أنا بخير والحمد لله.. أعلم أنني مقصر معكم في الفترة الأخيرة ولا أسأل، ولكن والله الظروف كانت فوق طاقتي."قال البكري بوقار:"أعرف يا مراد.. الوالد أستاولوا حكى لي كل شيء عن المحنة التي تمرون بها."تضايق مراد وقال:"لماذا حكى لك ليقلقك يا بكري؟ لم أرد أن أشغل بالك بأزماتي!"رد البكري بحدة أخوية حنونة:"عيب عليك يا مراد أن تقول هذا الكلام! أليس من واجبي أن أكون بجانبك في الشدة؟ فهمني الحكاية بأدق تفاصيلها كي أعرف كيف أقف معك.""لا أريد أن أشق عليك يا أخيا.."قطع البكري حديثه وقال بحسم:"قبل أي شيء يا مراد.. والدك الله يرحمه قبل أن يموت ترك بيتاً وأرضاً زراعية وم
الفصل الواحد وستون : شبح الماضي وصوت من الصعيدتسمرت لينا في مقعدها، وشعرت برودة تسري في أطرافها كأنها دُفنت تحت الجليد. فتحت شفتيها وشخصت بصرياً نحو أستاولوا، وقالت بصوت مرتعش لا يرتفع عن الهرير:"ماذا تقول يا بابا أستاولوا؟! مات؟! كيف مات ومتى؟!"رد أستاولوا ونبرته محملة بوجوم ثقيل:"كما أقول لكِ تماماً يا بنيتي.. إسماعيل الجزار هذا كان يعفي العمل معنا هنا في المصنع القديم، وتوفي في حادث أليم أدى لمصرعه فوراً داخل المزرعة منذ أكثر من ثلاث سنوات!"ارتجفت يد لينا وهي تمسك بطرف الفستان وقالت برعب:"يعني.. يعني الشخص الذي كنتُ أراه وأتحدث معه طوال هذه الفترة هو شبح؟! شبح رجل ميت؟!"تدخل مراد يحاول استيعاب الموقف بعقله المنطقي وضرب الطاولة بغضب:"وهل هناك شبح يظهر في وضح النهار والشمس ما زالت ساطعة في السماء يا لينا؟! هذا كلام لا يدخل عقل طفل صغير!"قال أستاولوا محتاراً وهو يحك جبهته:"أنا لم أعد أفهم شيئاً إطلاقاً! مرة تقولان إنكما رأيتما طيف 'جيليانا' يركض بين الأشجار، والآن تقول لينا إنها تتحدث مع 'إسماعيل الجزار'! ما هذه الخزعبلات والأمور غير المفهومة التي باتت تجري في بيتن
الفصل الستون: خيوط الغموض ورسالة الشبحخرج بابا أستاولوا ومراد من غرفة لينا بعد أن اطمأنا تماماً على استقرار حالتها وصحتها وسكونها للنوم. انتقلا فوراً إلى مكتب إدارة المزرعة، يحدوهما أمل جارف ورغبة عارمة في الخروج من هذه الشرنقة المظلمة والبحث عن الأصل والمنبع لهذه المصيبة الملفقة التي تطوق أعناقهم بالاتهامات المالية والبيطرية الخطيرة.بدأ مراد وأستاولوا بخطة تحريات مكثفة داخل المزرعة نفسها. استدعيا العمال والمشرفين واحداً تلو الآخر إلى المكتب، وجرت التحقيقات والتساؤلات بدقة شديدة واستجواب حاسم. كان الجميع يقسمون بأغلى الأيمانات أنه في ذلك اليوم الشؤوم لم تخرج أي شحنة بضائع أو لحوم مذبوحة من المزرعة أو المصنع نهائياً.أبدى العمال دهشتهم الشديدة أثناء الإدلاء بشهاداتهم؛ فقد أكدوا أن ذلك اليوم تحديداً كان الموعد المحدد خروجه لنقل الأبقار الحية السليمة إلى فروع الشركة الكبرى في العباسية وشبرا ليتم ذبحها أمام الزبائن وفق النظام المعتاد، وأن عدم خروج تلك الأبقار جعل العمال يظنون أن هناك كميات من اللحوم المجمدة أو المبردة المتبقية من الأسبوع الماضي في المنافذ ولم تُبَع بعد، ولهذا السبب ل







