تسجيل الدخوللم يدم سكونُ العناق طويلاً؛ فقد قاطع تلك اللحظة طرقٌ متتالٍ على الباب الخشبي، أعادنا بقسوة إلى واقعنا المليء بالالتزامات. تحرك دانيال بحزم، لفّ منشفةً بيضاء حول وسطه، وبرزت عضلات ظهره المنحوتة وهو يتجه نحو الباب بوقارٍ لا يتأثر حتى في لحظات خلوته. فتح الباب قليلاً، فكان هناك أحد الخدم يحمل حقائبنا؛ أمره دانيال بنبرةٍ آمرة أن يضعها عند المدخل، وقبل أن ينصرف الخادم، أخبرنا بأن مائدة الإفطار ستُمدّ بعد ساعةٍ من الآن في حديقة القلعة.أغلق دانيال الباب، وساد صمتٌ مؤقت وهو يخرج ملابس لنا. ارتدينا ثيابنا بسرعةٍ وهدوء، وكأن كل واحدٍ منا يغلف روحه بدرعٍ جديد. ومع بقاء نصف ساعة على الموعد، تمددنا على السرير الواسع، لكن هذه المرة لم يكن التمدد للراحة فقد، بل كان لمواجهة الحقيقة ايضا.كسر دانيال الصمت، وكان صوته يحمل رنيناً غريباً، أعمق وأكثر حدة مما عهدتُه. قال وهو يحدق في السقف العالي: "سيلين.. أشعر بأن (أنديميون) بدأ يخرج للسطح.. إنه يزحف ويسيطر على جسدي بالتدريج، لكنه ليس أنديميون الذي أعرفه وتعودتُ عليه طوال سنواتي."صمت لبرهة، وشعرتُ بتوتر جسده بجانبي، ثم أكمل بمرارة: "إنه شيءٌ مختلف
انغلق البابُ الخشبي الثقيل خلفنا، ليعزلنا أخيراً عن نظرات "بليك" الفاحصة وصخب القلعة الذي لا يهدأ. كان الجناحُ الذي خُصص لنا يفيضُ بفخامةٍ مدروسة؛ سقفٌ شاهقٌ مزينٌ بنقوشٍ هندسيةٍ دقيقة، وأرضيةٌ مفروشةٌ بسجادٍ يدويٍ كثيف يبتلعُ صوت الأقدام. في المنتصف، استقر سريرٌ ملكيٌ ضخم بمسندٍ مخمليٍ قاني، وكأنه ينادي أجسادنا المنهكة. أما الشرفة الواسعة، فقد كشفت عن حديقةٍ منسقةٍ بعنايةٍ فائقة، حيث تتمايلُ الزهورُ تحت ضوء الفجر الصادق، لترسم لوحةً من الهدوء الذي افتقدناه طوال الطريق.علق دانيال بنبرةٍ حاول فيها كسر الجمود وهو يلقي بنظرةٍ سريعة عبر الشرفة: "يبدو أننا حصلنا على أفضل إطلالة في القلعة يا سيلين.. بليك يعرف كيف يكرم ضيوفه، أو ربما يحاول إبهارنا."ابتسمتُ له بتعبٍ شديد، وشعرتُ وكأن جفوني تزن أطنانًا. لم أقوَّ على الرد بكلمات، بل رميتُ بجسدي المنهك فوق السرير الوثير، وأطلقتُ تنهيدةً طويلة أخرجت معها كل تشنجات العضلات التي تصلبت من طول الرحلة فوق العربة. كان ملمس الأغطية الحريرية بارداً ومريحاً، وكأنني أخيراً وجدتُ بقعةً من اليابسة بعد إبحارٍ طويل في العواصف.لم ينتظر دانيال طويلاً؛ اتج
كان الوقتُ قد فقد معناه تحت وطأة المسير المتواصل، فالساعاتُ لم تعد تُقاس بالدقائق بل بصوتِ حوافر الخيل الرتيب وصريرِ خشب العربة الذي بدأ يئنُّ تحت ثقل المسافة. ومع تراجعِ سوادِ الليلِ الثقيلِ ببطءٍ مهزوم، بدأ الفجرُ يبزغُ بفتور، شاحباً كوجهِ مريضٍ يلفظُ أنفاسه الأخيرة، ملقياً بخيوطٍ رماديةٍ باردة فوق المروج الواسعة. في تلك اللحظة، توقفت العربةُ والخيولُ فجأة، وانطلق صوتُ "دانيال" الجهوري، مشوباً بحدةٍ قاطعة اخترقت سكون الفجر: ".. نحن الآن على مشارف الوصول."ترجلتُ من العربة بخطواتٍ متعثرةٍ قليلاً، أشعرُ ببرودةِ الندى وهي تلسع كاحليّ. وقفنا جميعاً فوق قمةِ تلةٍ مرتفعة، صخريةِ التضاريس، تطلُّ على أراضي قطيع "ظل السماء" المترامية. في تلك اللحظة، تجمدت أنفاسي في صدري؛ فالمشهدُ الذي انبسط أمام عينيّ كان صدمةً لكل حواسي، كان غريباً تماماً عن كل ما تخيلته أو حفظته ذاكرتي عن "لاتموس".لم يكن المكان يشبه حصننا الجبلي المنحوت من صميم الجبل، ولم يكن يعبق بتلك الروح الفطرية التي تجعلك تشعر أن الأرض والسماء جسدٌ واحد. أمامنا كانت تمتدُّ مدينةٌ كاملةٌ من الصخبِ المكتوم، مدينةٌ لا تنام؛ حيث تت
بدأنا طريق العودة، نسلكُ الممراتِ الصخرية ذاتها التي عبرناها أول مرة، لكن الروح التي كانت تسكننا الآن اختلفت تماماً. كانت الجدرانُ الرطبة تعكسُ ضياءً شاحباً، بينما حاولت "إيلارا" بجهدٍ حزين أن تتقدم لتكون دليلنا، وكأنها تتمسكُ بآخر خيوط مهمتها التي انتهت. إلا أن دانيال، بصوته الرخيم وثقته التي لا تتزعزع، استوقفها بلطف مخبراً إياها أنه حفظ تضاريس الطريق ومنعطفاته منذ الخطوة الأولى. قرأتُ في عيني إيلارا رغبةً يائسة في إطالة أمد الوداع؛ كانت تمشي ببطء، وتتأمل وجوهنا وكأنها تخشى نسيان ملامحنا. ودعتُهم جميعاً، لينا والكهنة، على أملٍ يغلفه الشك باللقاء قريباً. انطلقنا، وكان صمتُ الكهوف يبتلعُ أصوات أقدامنا. فجأة، وبلا سابق إنذار، اقترب مني دانيال. وبحركةٍ مباغتة مفعمة بالحماية، حملني بين ذراعيه الضخمتين وكأنني ريشةٌ لا وزن لها. التقت عيناي بعينيه الذهبيتين، فقال بهمسٍ يذيبُ الجليد: "لا أريد أن ترهقي نفسكِ يا سيلين، ما زال أمامنا مسافةُ مشيٍ لا بأس بها، وأريدكِ بكامل قوتكِ." لم يكن وحده من فعل ذلك؛ فخلفنا، كان جون يحمل صوفي بالطريقة ذاتها. غمزتني صوفي بإشارةٍ ذات مغزى، وكأنها تقول لي
جلستُ في قاعة الكهنة، والهدوءُ يلفنا ككفنٍ ثقيل، بينما بدأت لينا تشرحُ لنا أسراراً كنتُ أنا يوماً ما سيدة تفاصيلها، والآن أتلقاها كغريبة. قالت لينا بنبرةٍ يملؤها الوقار: "الحارساتُ متصلاتٌ بالحجر الأحمر، وهذا الاتصال هو الحبلُ السري الذي يربطهن بكِ يا سيلين. هذه الأحجارُ ليست مجرد احجار كريمة، بل هي قطراتٌ جمدها الزمن من دماء (أنديميون) نفسه. الاله (هيفست) هو من صاغ هذه الدماء في كوره العظيم، ليجعل منها حجارةً خارقة تحمل قوةً تفيضُ عما وراء الطبيعة."أومأ دانيال برأسه، وعيناه تلمعان بذكرى الرؤيا المؤلمة التي عاشها: "نعم.. لقد رأيتُ ذلك. شاهدتُكِ وأنتِ تجمعين قطرات دمائه المنسكبة، كأنكِ تجمعين شتات روحه."أكملت لينا، وكأنها تستعيدُ كلماتٍ قلتُها لها في زمنٍ غابر: "انتي من أخبرني كيف صُنعوا، وكيف تمنح طاقتهم الحارسات قوةً مستمدة منكِ. كنتِ تنهين خدمة الحارسة بوضع يدكِ على رأسها، وكأنكِ تباركين وفاءها بالعهد. وعند تنصيبِ حارسةٍ جديدة، كنتِ تمسكين الأحجار وتجعلين الفتيات اللواتي بلغن الثامنة عشرة يلمسنها؛ فالحجرُ هو من يختارُ صاحبته. إذا تغير لون شعر الفتاة وعيناها، عرفنا أن القدر قد
كنتُ أقفُ عند عتبة ذلك الباب الحجري الضخم، وقلبي يرتجفُ بين أضلعي كعصفورٍ سجين. كان دانيال يضغطُ علينا للدخول، وصوته يتردد بصداه الرجولي في الممرات الباردة، محفزاً إيانا على دخول الضريح . في داخلي، كانت تدور دوامةٌ من الأسئلة الوجودية التي لم أجد لها جواباً: "هل يحق لنا فعلاً تدنيس هذا المكان بوقع أقدامنا؟ لو كنتُ ما زلتُ (سيلين القديمة)، هل كنتُ سأسمح لهم بعبور هذه العتبة المقدسة لسيلين القديمة؟ هل كنتُ سأترك دانيال يتمادى إلى هذا الحد، ليأخذ هو زمام المبادرة في أمرٍ يخصُّ هذا الموضوع بالذات؟"لكن الحقيقة المرة كانت تصفعني مع كل نبضة؛ أنا الآن لستُ تلك المرأة. أنا شخصٌ فاقدٌ لأي جذرٍ يربطه بالماضي. عندما يخبرونني عما فعلتُه سابقاً، أو كيف كنتُ أتصرف، أشعرُ وكأنهم يتحدثون عن امرأةٍ غريبة، شخصية في روايةٍ قرأتها ولم أعد أذكر تفاصيلها. هذا الاغتراب عن الذات جعلني أشعر بأننا منتهكون لحرمة الضريح، وبأن لعنةً ما توشك أن تنقضّ علينا بسبب فضولنا الذي كسر الأختام.قاطع حبل أفكاري صوت دانيال، كان واقفاً أمامي مباشرةً، وعيناه الذهبيتان تبحثان عني. يبدو أنه كان يحاول التواصل معي منذ مدة







