تسجيل الدخولسيلين
استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية داكنة، مصقولة بعناية لتعكس ضوء الصباح الباهت المتسلل من نافذة مقوسة ضخمة. الأثاث خشبي ثقيل، محفور عليه نقوش لرموز قديمة وذئابٍ تزمجر، وسريري ذو الأعمدة الأربعة يغطيه مفرش من الفراء الداكن الذي يفوح برائحة الغابة والمطر. كانت الغرفة توحي بالقوة والسيادة، تليق بجناحٍ في قصر "ألفا"، لكنها بالنسبة لي كانت تبدو كقفصٍ مذهب لا ينتمي لهدوئي الداخلي. تأملتُ الزوايا المظلمة في السقف العالي، وشعرتُ بأن هناك شيئاً عظمياً، شيئاً جوهرياً يقبع خلف ضباب ذاكرتي، أحاول الإمساك بطرفه فيفلت مني، تاركاً غصة في حلقي واحتراقاً في أعماق روحي. أنا لا أشبه هذا المكان الخشن، ولا أشبه حتى نفسي التي أراها في المرآة، فثمة "أنا" أخرى تطالب بالظهور، لكن السلاسل غير المرئية تشدني نحو الأسفل. لم أستطع تذكر شيء، مهما حاولتُ استنطاق هذا الصمت المطبق في رأسي. كانت ذاكرتي تبدأ من تلك اللحظة الفاصلة؛ حين انقشعت الظلمة لأجد نفسي محطمةً بين ذراعي دانيال. لا يوجد "قبل".. لا يوجد تاريخ، ولا أسماء، ولا وجوه. فقط فراغٌ سحيق يبتلع كل شيء، وشعورٌ غامض بأنني وُلدتُ من رحم معركة لا ناقة لي فيها ولا جمل. حولي، كان الضجيج ينهشُ ما تبقى من سكينة روحي. كانت أصواتهم كالرصاص الذي لا يخطئ هدفه: "دعونا نقتلها وننتهي!" "إنها جاسوسة.. على الأقل ارموها في الزنازين، نحن لا نعرف دورها في ذبح رجالنا!" كانت اتهاماتهم تنهال عليّ كالسياط، ولولا هيبة دانيال التي كانت تسكتهم بزمجرةٍ واحدة، ولولا درعه الجسدي الذي ضربه حولي كحصنٍ منيع، لا أستطيع أن أتخيل أي مصيرٍ كان ينتظرني تحت أقدامهم الثائرة. المؤلم لم يكن حقد القطيع، بل ذلك الصوت الخافت في أعماقي الذي كان يهمس لي بمرارة: *ربما هم على حق.* فتاة غريبة، تظهر وسط بركة من الدماء بعد مجزرة دامية، مثقلة بجروح بليغة ولا تملك حتى اسماً تدافع به عن نفسها.. أليست هي التعريف المثالي لـ "الخطر"؟ كيف يمكن لعقلٍ منطقي أن يضع ثقته في سرابٍ مثلي؟ لكن دانيال كان حالةً استعصت على كل منطق. كان يواجه غضب أخيه وتشكيك قطيعه من حوله بيقينٍ لا يتزعزع، وكأنه يرى ما لا يروه. لم يكن يكتفي بنفي تهمة القتل عني، بل كان يؤكد بصرامة أنني لستُ المعتدية.. بل أنا "المنقذة". لا أعرف كيف أقنع نفسه بأنني وهبته الحياة بينما انا من داخلي لم أكن متاكدة من شيء، ولا أعرف أي "نور" رآه فيّ وسط تلك العتمة، لكنني كنتُ أعلم شيئاً واحداً: **يقينه هو خيطي الوحيد للبقاء، وضياعي هو السجن الذي أخشى ألا أخرج منه أبداً.** لم يكتفِ دانيال بأن يكون درعي أمام نصال كلماتهم، بل فعل ما هو أعمق من ذلك؛ لقد منحني "هوية" في عالمٍ لا يعترف إلا بالأسلاف والقوة. أتذكر تلك الليلة المشحونة جيداً، حين كنتُ أقفُ وحيدةً في وسط القاعة، وأبصارُ الجميع تنهشني كالسكاكين. كان "جون" يرمقني بنظراتٍ حارقة، والأسئلة تنهال عليّ كالسياط: "من أنتِ؟ من أي أرضٍ جئتِ؟ ما هو اسمكِ؟". كنتُ أرتعدُ خوفاً، وأشعرُ ببرودةِ الأرض تتسربُ إلى عظامي، ولم أجد في جعبةِ ذاكرتي المفقودة ما أدافع به عن نفسي.. لم أملك سوى دموعي وصوتٍ مخنوق حين قلت: "أنا.. أنا لا أعرف اسمي". في تلك اللحظة، حين خيّم صمتٌ مهين كاد يسحقني، تكلم دانيال. لم يقل "هذه الغريبة"، ولم يتركني نهشاً لشكوكهم، بل نطق باسم كأنه يغرس رايةً في أرضٍ بكر، وقال بصوتٍ هزَّ أركان القاعة: "سيكون اسمها سيلين". لقد منحني اسماً حين كنتُ مجرد صدىً في العدم، وبكلمةٍ واحدة منه، تحولتُ من "نكرة" إلى "كيان". ولم يتوقف عند ذلك، بل أعطاني غرفةً في قلب قلعته، قرب جناحه الخاص، ليعلن للقطيع بأسره أنني لستُ مجرد "لاجئة" أو "سجينة" تنتظر المحاكمة، بل أنا تحت ظلِّ جناحيه. قطع حبل أفكاري المشدودة طرقاتٌ هادئة على الباب الثقيل، طرقاتٌ تحمل إيقاعاً أعرفه جيداً. نهضتُ وفتحتُ الباب، فاستقبلني وجه دانيال الصارم. شعرتُ بهيبته تملأ فضاء غرفتي وتطغى على رائحة البخور الخفيفة فيها، فابتسمتُ له بتلقائية لم أعهدها مع غيره، وكأن ملامحه هي الثابت الوحيد في عالمي المتهاوي. "لقد تأخرتِ على الإفطار، سيلين،" قالها وعيناه الذهبيتان تتفحصان وجهي الشاحب بتركيزٍ مربك، وكأنه يحاول قراءة ما وراء صمتي. رددتُ بهدوء: "لستُ جائعة يا دانيال، لم أشعر برغبة في الطعام اليوم." في تلك اللحظة، رأيتُ شيئاً يتغير في تعابير وجهه؛ انقبضت عضلات فكه واكتست نظراته بحدةٍ مفاجئة جعلت قلبي ينقبض. شعرتُ فوراً أن كلماتي لم تعجبه، أو ربما مسّت كبرياءه كألفا اعتاد أن يُطاع أو يُهتم بحضوره. لكنه، وبسرعةٍ مذهلة، استعاد توازنه الرصين، وخفض صوته قائلاً بنبرةٍ غلبت عليها الصراحة: "لقد اعتدتُ على وجودكِ معي على المائدة، سيلين. في الحقيقة.. لم آكل شيئاً لأنني كنتُ بانتظاركِ." أربكني اعترافه الضمني بالتعلق بوجودي. اعتذرتُ منه بصدق، وقبل أن يعود التوتر بيننا، اقترحتُ عليه بفطرةٍ تبحث عن السكينة: "ما رأيك أن نتناول فطورنا في الحديقة؟ لا أرتاح كثيراً في قاعة الطعام بوجود باقي القطيع.. نظراتهم تجاهي مزيجٌ من الاستهجان والرهبة، وأنا لستُ مستعدة لمواجهة ذلك الضغط الآن." لمحتُ شرارة الغضب في عينيه، وعرف حسي الغريزي بأن دانيال قد يعاقب أي شخصٍ تجرأ على النظر إليّ بدونية. خشيتُ أن يتسبب وجودي في أذى لأحدهم، فمددتُ يدي وأمسكتُ بيده الضخمة والدافئة بجرأةٍ فاجأتني أنا قبل أن تفاجئه. قلتُ له بصوتٍ حازمٍ ورقيق في آن واحد: "ليس لأنني انزعج منهم يا دانيال، بل لأنني أشعر بتوترهم بوجودي. أريدهم أن يكونوا مرتاحين في منزلهم، ومع الوقت سيعتادون عليّ وسأتعرف عليهم أكثر، عندها ربما أجالسهم." صمتُّ قليلاً، ثم أضفتُ وكأنني أذكر نفسي قبل أن أذكره: "لا أقصد أنني سأبقى هنا طوال حياتي، لكن على الأقل.. حتى أستعيد جزءاً من ذاكرتي." وافق دانيال بإيماءةٍ صامتة، ورأيتُه يغمض عينيه للحظة؛ علمتُ أنه يتواصل فكرياً مع مساعده، حيث أمر بتجهيز وجبتنا لنقلها إلى الحديقة. "سأنتظركِ عند باب العيادة،" قال وهو يتراجع خطوة للخلف متجهاً للممر، "ياسمين طلبت فحصكِ لتتأكد من شفاء جروحكِ تماماً." هززتُ رأسي بالإيجاب، وبمجرد خروجه، شعرتُ بطاقةٍ غريبة تدفعني للاستعداد. توجهتُ نحو خزانة الملابس الكبيرة المصنوعة من خشب السنديان، واخترتُ فستاناً يجمع بين لون السماء الصافية ونقاء السحاب؛ الأزرق والأبيض. كان القماش ينسدل على جسدي بنعومة، مبرزاً ذلك الجمال الذي يصفه الجميع هنا بالخارق للطبيعة. نظرتُ للمرآة ذات الإطار البرونزي، ورأيتُ امرأةً لا تشبه الضحايا؛ امرأةً يفيض وجهها باعتزازٍ قديم، فستانها الأزرق يعكس بريق عينيها البنفسجية، وشعرها الفضي يحيط بوجهها كإطارٍ من نور. كنتُ جاهزة، ليس فقط للفحص أو الإفطار، بل لإثبات أنني، حتى بدون ذاكرة، لستُ مجرد عابرة سبيل في هذا القطيع.سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر
سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.
سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل
سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا
سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق
سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.







