Home / الرومانسية / أصداء لاتموس / ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

Share

ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

last update publish date: 2026-03-06 01:45:28

سيلين

استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية داكنة، مصقولة بعناية لتعكس ضوء الصباح الباهت المتسلل من نافذة مقوسة ضخمة. الأثاث خشبي ثقيل، محفور عليه نقوش لرموز قديمة وذئابٍ تزمجر، وسريري ذو الأعمدة الأربعة يغطيه مفرش من الفراء الداكن الذي يفوح برائحة الغابة والمطر. كانت الغرفة توحي بالقوة والسيادة، تليق بجناحٍ في قصر "ألفا"، لكنها بالنسبة لي كانت تبدو كقفصٍ مذهب لا ينتمي لهدوئي الداخلي.

تأملتُ الزوايا المظلمة في السقف العالي، وشعرتُ بأن هناك شيئاً عظمياً، شيئاً جوهرياً يقبع خلف ضباب ذاكرتي، أحاول الإمساك بطرفه فيفلت مني، تاركاً غصة في حلقي واحتراقاً في أعماق روحي. أنا لا أشبه هذا المكان الخشن، ولا أشبه حتى نفسي التي أراها في المرآة، فثمة "أنا" أخرى تطالب بالظهور، لكن السلاسل غير المرئية تشدني نحو الأسفل.

لم أستطع تذكر شيء، مهما حاولتُ استنطاق هذا الصمت المطبق في رأسي.

كانت ذاكرتي تبدأ من تلك اللحظة الفاصلة؛ حين انقشعت الظلمة لأجد نفسي محطمةً بين ذراعي دانيال. لا يوجد "قبل".. لا يوجد تاريخ، ولا أسماء، ولا وجوه. فقط فراغٌ سحيق يبتلع كل شيء، وشعورٌ غامض بأنني وُلدتُ من رحم معركة لا ناقة لي فيها ولا جمل.

حولي، كان الضجيج ينهشُ ما تبقى من سكينة روحي. كانت أصواتهم كالرصاص الذي لا يخطئ هدفه:

"دعونا نقتلها وننتهي!"

"إنها جاسوسة.. على الأقل ارموها في الزنازين، نحن لا نعرف دورها في ذبح رجالنا!"

كانت اتهاماتهم تنهال عليّ كالسياط، ولولا هيبة دانيال التي كانت تسكتهم بزمجرةٍ واحدة، ولولا درعه الجسدي الذي ضربه حولي كحصنٍ منيع، لا أستطيع أن أتخيل أي مصيرٍ كان ينتظرني تحت أقدامهم الثائرة.

المؤلم لم يكن حقد القطيع، بل ذلك الصوت الخافت في أعماقي الذي كان يهمس لي بمرارة: *ربما هم على حق.*

فتاة غريبة، تظهر وسط بركة من الدماء بعد مجزرة دامية، مثقلة بجروح بليغة ولا تملك حتى اسماً تدافع به عن نفسها.. أليست هي التعريف المثالي لـ "الخطر"؟ كيف يمكن لعقلٍ منطقي أن يضع ثقته في سرابٍ مثلي؟

لكن دانيال كان حالةً استعصت على كل منطق. كان يواجه غضب أخيه وتشكيك قطيعه من حوله بيقينٍ لا يتزعزع، وكأنه يرى ما لا يروه. لم يكن يكتفي بنفي تهمة القتل عني، بل كان يؤكد بصرامة أنني لستُ المعتدية.. بل أنا "المنقذة".

لا أعرف كيف أقنع نفسه بأنني وهبته الحياة بينما انا من داخلي لم أكن متاكدة من شيء، ولا أعرف أي "نور" رآه فيّ وسط تلك العتمة، لكنني كنتُ أعلم شيئاً واحداً: **يقينه هو خيطي الوحيد للبقاء، وضياعي هو السجن الذي أخشى ألا أخرج منه أبداً.**

لم يكتفِ دانيال بأن يكون درعي أمام نصال كلماتهم، بل فعل ما هو أعمق من ذلك؛ لقد منحني "هوية" في عالمٍ لا يعترف إلا بالأسلاف والقوة.

أتذكر تلك الليلة المشحونة جيداً، حين كنتُ أقفُ وحيدةً في وسط القاعة، وأبصارُ الجميع تنهشني كالسكاكين. كان "جون" يرمقني بنظراتٍ حارقة، والأسئلة تنهال عليّ كالسياط: "من أنتِ؟ من أي أرضٍ جئتِ؟ ما هو اسمكِ؟". كنتُ أرتعدُ خوفاً، وأشعرُ ببرودةِ الأرض تتسربُ إلى عظامي، ولم أجد في جعبةِ ذاكرتي المفقودة ما أدافع به عن نفسي.. لم أملك سوى دموعي وصوتٍ مخنوق حين قلت: "أنا.. أنا لا أعرف اسمي".

في تلك اللحظة، حين خيّم صمتٌ مهين كاد يسحقني، تكلم دانيال.

لم يقل "هذه الغريبة"، ولم يتركني نهشاً لشكوكهم، بل نطق باسم كأنه يغرس رايةً في أرضٍ بكر، وقال بصوتٍ هزَّ أركان القاعة: "سيكون اسمها سيلين".

لقد منحني اسماً حين كنتُ مجرد صدىً في العدم، وبكلمةٍ واحدة منه، تحولتُ من "نكرة" إلى "كيان". ولم يتوقف عند ذلك، بل أعطاني غرفةً في قلب قلعته، قرب جناحه الخاص، ليعلن للقطيع بأسره أنني لستُ مجرد "لاجئة" أو "سجينة" تنتظر المحاكمة، بل أنا تحت ظلِّ جناحيه.

قطع حبل أفكاري المشدودة طرقاتٌ هادئة على الباب الثقيل، طرقاتٌ تحمل إيقاعاً أعرفه جيداً. نهضتُ وفتحتُ الباب، فاستقبلني وجه دانيال الصارم. شعرتُ بهيبته تملأ فضاء غرفتي وتطغى على رائحة البخور الخفيفة فيها، فابتسمتُ له بتلقائية لم أعهدها مع غيره، وكأن ملامحه هي الثابت الوحيد في عالمي المتهاوي.

"لقد تأخرتِ على الإفطار، سيلين،" قالها وعيناه الذهبيتان تتفحصان وجهي الشاحب بتركيزٍ مربك، وكأنه يحاول قراءة ما وراء صمتي.

رددتُ بهدوء: "لستُ جائعة يا دانيال، لم أشعر برغبة في الطعام اليوم."

في تلك اللحظة، رأيتُ شيئاً يتغير في تعابير وجهه؛ انقبضت عضلات فكه واكتست نظراته بحدةٍ مفاجئة جعلت قلبي ينقبض. شعرتُ فوراً أن كلماتي لم تعجبه، أو ربما مسّت كبرياءه كألفا اعتاد أن يُطاع أو يُهتم بحضوره. لكنه، وبسرعةٍ مذهلة، استعاد توازنه الرصين، وخفض صوته قائلاً بنبرةٍ غلبت عليها الصراحة: "لقد اعتدتُ على وجودكِ معي على المائدة، سيلين. في الحقيقة.. لم آكل شيئاً لأنني كنتُ بانتظاركِ."

أربكني اعترافه الضمني بالتعلق بوجودي. اعتذرتُ منه بصدق، وقبل أن يعود التوتر بيننا، اقترحتُ عليه بفطرةٍ تبحث عن السكينة: "ما رأيك أن نتناول فطورنا في الحديقة؟ لا أرتاح كثيراً في قاعة الطعام بوجود باقي القطيع.. نظراتهم تجاهي مزيجٌ من الاستهجان والرهبة، وأنا لستُ مستعدة لمواجهة ذلك الضغط الآن."

لمحتُ شرارة الغضب في عينيه، وعرف حسي الغريزي بأن دانيال قد يعاقب أي شخصٍ تجرأ على النظر إليّ بدونية. خشيتُ أن يتسبب وجودي في أذى لأحدهم، فمددتُ يدي وأمسكتُ بيده الضخمة والدافئة بجرأةٍ فاجأتني أنا قبل أن تفاجئه. قلتُ له بصوتٍ حازمٍ ورقيق في آن واحد: "ليس لأنني انزعج منهم يا دانيال، بل لأنني أشعر بتوترهم بوجودي. أريدهم أن يكونوا مرتاحين في منزلهم، ومع الوقت سيعتادون عليّ وسأتعرف عليهم أكثر، عندها ربما أجالسهم."

صمتُّ قليلاً، ثم أضفتُ وكأنني أذكر نفسي قبل أن أذكره: "لا أقصد أنني سأبقى هنا طوال حياتي، لكن على الأقل.. حتى أستعيد جزءاً من ذاكرتي."

وافق دانيال بإيماءةٍ صامتة، ورأيتُه يغمض عينيه للحظة؛ علمتُ أنه يتواصل فكرياً مع مساعده، حيث أمر بتجهيز وجبتنا لنقلها إلى الحديقة. "سأنتظركِ عند باب العيادة،" قال وهو يتراجع خطوة للخلف متجهاً للممر، "ياسمين طلبت فحصكِ لتتأكد من شفاء جروحكِ تماماً."

هززتُ رأسي بالإيجاب، وبمجرد خروجه، شعرتُ بطاقةٍ غريبة تدفعني للاستعداد. توجهتُ نحو خزانة الملابس الكبيرة المصنوعة من خشب السنديان، واخترتُ فستاناً يجمع بين لون السماء الصافية ونقاء السحاب؛ الأزرق والأبيض. كان القماش ينسدل على جسدي بنعومة، مبرزاً ذلك الجمال الذي يصفه الجميع هنا بالخارق للطبيعة. نظرتُ للمرآة ذات الإطار البرونزي، ورأيتُ امرأةً لا تشبه الضحايا؛ امرأةً يفيض وجهها باعتزازٍ قديم، فستانها الأزرق يعكس بريق عينيها البنفسجية، وشعرها الفضي يحيط بوجهها كإطارٍ من نور. كنتُ جاهزة، ليس فقط للفحص أو الإفطار، بل لإثبات أنني، حتى بدون ذاكرة، لستُ مجرد عابرة سبيل في هذا القطيع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
Asma Khalil
حمل، ايهي٦ص...
goodnovel comment avatar
محمد بدر
اني جديده بس شنو تربحين من هاي القصص؟
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • أصداء لاتموس   المسرحية

    صوفي سيلين لم تتراجع. رغم اعتراض ديفيد، ورغم الخوف الذي كان يملأ الغرفة كدخانٍ خانق، بقيت واقفة بثباتٍ أربكنا جميعاً. كانت نظراتها حادة على غير عادتها، وكأن شيئاً داخلها استيقظ أخيراً… شيءٌ لا يعرف التردد. قالت بحزم، وهي تنظر إلينا واحداً تلو الآخر: “لن نرفض الخطة قبل سماعها كاملة.” ساد الصمت. حتى ديفيد، رغم غضبه، توقف عن المقاطعة. أما أنا، فكنتُ أراقبها بصمت، أشعر بشيءٍ ثقيل ينقبض في صدري. سيلين التي عرفتها منذ وصولها للقلعة كانت ضائعة، مترددة، تبحث عمّن يقودها… أما الآن، فكانت تبدو وكأنها بدأت تدرك مكانتها الحقيقية بينهم. اقتربت من الطاولة الخشبية الكبيرة، ومدت يدها فوق الخريطة الممدودة عليها، بينما انعكس ضوء المدفأة على خصلات شعرها الفضية. “جون بخطر.” قالتها أولاً. ثم رفعت عينيها نحونا وأضافت بصوتٍ أخفض لكنه أكثر قوة: “والقلعة أيضاً بخطر. إذا تصرفنا باندفاع، سنخسر الجميع.” كانت كلماتها هادئة… لكنها أصابتنا جميعاً بالصمت. تابعت عبر الرابط الذهني حتى لا يسمعنا أحد خارج الغرفة: “علينا كسب الوقت… وخداع العدو حتى نصل إلى دانيال.” شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدها عندما نطقت ا

  • أصداء لاتموس   عواصف القلب

    صوفيلم يكن في القلعة صوتٌ يعلو فوق صوت القلق.حتى الجدران الحجرية العتيقة بدت وكأنها تشعر بالاختناق، وكأنها تلتقط التوتر المنساب في الأروقة مثل دخانٍ أسود لا يُرى.الهواء نفسه كان ثقيلاً… خانقاً… ممتلئاً بشيءٍ سيئ يقترب ببطء.نهضتُ أخيراً، لكن قدميّ بالكاد حملتاني.كل عظمةٍ في جسدي كانت تصرخ من الإرهاق والجوع والعذاب النفسي. شعرتُ وكأن روحي تُركت هناك، في الزنزانة الباردة، بجوار جون… بينما عاد جسدي وحده إلى هنا.ترنحتُ خارج القاعة التي احتجزني فيها عمي، بالكاد أتنفس.لم أعد أميز إن كنت أتحرك بدافع النجاة… أم بدافع اليأس.كان رأسي يعج بالأصوات.صرخات جون.صوت السلاسل الفضية وهي تُحرق جلده.ضحكة عمي المشوهة.وذلك الاسم…سيلين.لماذا يريدها؟كيف عرف بوجودها أصلًا؟ومن هو “السيد” الذي تحدث عنه؟كلما حاولتُ ترتيب أفكاري شعرتُ وكأن عقلي يغرق أكثر في الظلام.كنتُ أريد التحول والركض بأقصى سرعتي نحو الجنوب… نحو دانيال… لكن جسدي لم يعد يملك الطاقة حتى ليستدعي ذئبتي. شعرتُ بها ضعيفة، متألمة، مختبئة في أعماقي كجروٍ جريح.لهذا أخذتُ حصاني.امتطيتُه بصعوبة، وكدتُ أسقط أكثر من مرة قبل أن أتمكن من ت

  • أصداء لاتموس   صفقة الدم

    صوفي كانت القاعة باردة بصورة خانقة، لكن البرد الحقيقي لم يكن في الجدران الحجرية ولا في الهواء الثقيل المشبع برائحة الدم والرطوبة… بل في الكلمات التي خرجت من فم عمي.كلماتٌ شعرتُ بها تخترق صدري ببطء، كخنجرٍ يغوص داخل القلب دون رحمة.اقترب مني بخطوات هادئة بينما كنت ما أزال جاثية على الأرض، وأختي خلفه ترتجف تحت نصل السكين، ثم قال بصوت منخفض ومخيف أكثر من أي صراخ:“الآن… أنصتي لي جيدًا.”رفعت بصري نحوه بصعوبة، وداخلي يصرخ أن أقتله، أن أنقض عليه، أن أمزق حنجرته بأسناني… لكنني كنت عاجزة.جون مقيد.أختي أسيرة.وجدتي مفقودة المصير.وأنا…أنا محطمة بالكامل.انحنى قليلًا نحوي حتى أصبحت عيناه بمستوى عيني، ثم قال ببطء متعمد:“زوجكِ بقبضتي… وأختكِ وجدتكِ أيضًا.”شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.تابع بابتسامة باردة:“لكنني مستعد لعقد صفقة.”كرهت كلمة “صفقة” في تلك اللحظة أكثر من أي شيء آخر.قالها وكأنه يتحدث عن تجارة عادية، لا عن أرواح بشر.“سأطلق سراحهم جميعًا… وسأمنحكِ أسبوعًا كاملًا.”قطبت حاجبي بعدم فهم، بينما بدأ قلبي يخفق بعنفٍ غريزي، وكأن جسدي استشعر المصيبة قبل عقلي.ثم نطق الاسم.الاسم الذي جعل ا

  • أصداء لاتموس   قتل الروح

    صوفيسرتُ معهم وأنا أشعر أن قدميّ فقدتا الإحساس، كأنني لا أمشي فوق أرضٍ حقيقية، بل أُسحب داخل كابوس طويل لا نهاية له. كانت أصوات السلاسل المعدنية خلفي تمزق أعصابي مع كل خطوة؛ جون ما زال يقاومهم رغم القيود الفضية التي تنهش جلده وتحرق ذئبه ببطء. كلما تعثر أو حاول الانقضاض على أحدهم، كانوا يضربونه بعنف أكبر، لكنه لم يتوقف. كان يقاتل كوحشٍ جريح حُرم من حق حماية رفيقته. التفتُّ نحوه أكثر من مرة، وكل مرة كانت عيناه تلتقيان بعيني للحظة خاطفة وسط الفوضى. لم أرَ فيهما خوفًا على نفسه، ولا ألمًا من السلاسل أو الدماء التي تغطي جسده… فقط خوفٌ عليّ أنا. وذلك حطم شيئًا داخلي. “جون…” همست باسمه بصوت مرتجف، لكنه زمجر بعنف عندما اقترب مني أحد الحراس أكثر من اللازم، حتى وهو مكبل. كان مستعدًا لتمزيقهم بأسنانه مهما كان الثمن. جرّوه بعيدًا عني عبر ممر جانبي، بينما أكملتُ طريقي نحو القاعة الرئيسية محاطةً بالحراس من كل جانب. شعرت للحظة أن جدران القلعة نفسها تنظر إليّ بغرابة، كأن المكان الذي تربيت فيه لم يعد يعرفني. هذه ليست قلعتي… ليس موطني… ليس المكان الذي غادرته قبل سنوات. كل شيء بدا

  • أصداء لاتموس   خيانة تحت راية الدم

    صوفيتحركنا أنا وجون نحو الشمال مع أول خيوط الفجر، بعدما ودّعت أطفالي بصعوبةٍ مزقت شيئًا داخلي.لم أكن معتادة على الابتعاد عنهم.حتى خلال الحروب، وحتى في أسوأ الأيام، كنت أحرص دائمًا أن أعود لرؤية وجوههم آخر النهار، لأسمع ضحكاتهم الصغيرة التي كانت وحدها قادرة على إخماد قسوة هذا العالم داخلي.لكن هذه المرة كانت مختلفة.شيءٌ ما كان يضغط فوق صدري منذ اللحظة التي قررنا فيها الرحيل.تركتُ الصغيرين مع إيلارا ولينا، وحاولت أن أبدو هادئة أمامهما، لكن ابنتي الصغيرة تشبثت بثوبي وكأنها تشعر بما أعجز أنا نفسي عن تفسيره.“أمي… لا تذهبي.”قالتها بصوتها الطفولي المرتجف.وكدتُ… أقسم أنني كدت أتراجع عن الرحلة بأكملها.لكن جون كان يقف خلفي بصمته المعتاد، يراقب ارتباكي دون أن يتدخل، حتى نجحت أخيرًا بإبعاد يدي الصغيرة عن ثوبي، وانحنيت أقبّل جبين طفلتي.“سأعود سريعًا.”كذبة.كنت أشعر منذ البداية أنها كذبة.طوال الطريق، كان جون يشعر بفوضى أفكاري عبر رابطنا، ويحاول تهدئتي كلما شعر بتزايد خوفي.“الأمور ستكون بخير.”كررها أكثر من مرة وهو يقود حصانه بجانبي.لكن كل شيء حولنا كان يناقض كلماته.السماء كانت رمادية

  • أصداء لاتموس   تنفس الجنوب

    دانيالبدأ الجنوب يتنفس أخيرًا.ليس بصورة كاملة… لكنه لم يعد ذلك المكان الملطخ بالخوف والدم كما كان يوم وصلت إليه لأول مرة.الطرقات التي كانت تغرق بالصراخ ليلًا أصبحت أكثر هدوءًا، والأسواق التي اختبأ الناس فيها خلف الأبواب المغلقة بدأت تستعيد شيئًا من الحياة. حتى وجوه السكان تغيّرت؛ لم تعد النظرات المرتعبة تلاحق رجال القطيع أينما مروا، بل حلّ مكانها ترقبٌ حذر ممزوج بأمل خافت.أمل بأن هذا الكابوس قد ينتهي فعلًا.وقفت فوق أسوار القلعة أراقب الجنوب الممتد أسفل الجبال، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعري وعباءتي السوداء الثقيلة. منذ أيام قليلة فقط، كانت هذه الأراضي أشبه بجسد يحتضر… أما الآن، فقد بدأت تستعيد نبضها ببطء.وللمرة الأولى منذ زمن طويل…شعرت أن ما نفعله هنا لم يكن مجرد حرب.بل إعادة بعث.حتى جاكسن تغيّر.كنت أراقبه بصمت خلال الأيام الماضية، وأكاد لا أصدق أن هذا الرجل نفسه هو ذاك الذئب الغارق بالكراهية والرغبة بالانتقام قبل فترة قصيرة. وجود أليس بجانبه غيّر شيئًا داخله، شيئًا لم يستطع حتى هو إنكاره.بدأ بجمع أفراد قطيعه المشتتين بنفسه، متنقلًا بين القرى والمستوطنات الصغيرة والحد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status