Home / الرومانسية / أصداء لاتموس / ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

Share

ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

last update Last Updated: 2026-03-06 01:45:28

استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية داكنة، مصقولة بعناية لتعكس ضوء الصباح الباهت المتسلل من نافذة مقوسة ضخمة. الأثاث خشبي ثقيل، محفور عليه نقوش لرموز قديمة وذئابٍ تزمجر، وسريري ذو الأعمدة الأربعة يغطيه مفرش من الفراء الداكن الذي يفوح برائحة الغابة والمطر. كانت الغرفة توحي بالقوة والسيادة، تليق بجناحٍ في قصر "ألفا"، لكنها بالنسبة لي كانت تبدو كقفصٍ مذهب لا ينتمي لهدوئي الداخلي.

تأملتُ الزوايا المظلمة في السقف العالي، وشعرتُ بأن هناك شيئاً عظمياً، شيئاً جوهرياً يقبع خلف ضباب ذاكرتي، أحاول الإمساك بطرفه فيفلت مني، تاركاً غصة في حلقي واحتراقاً في أعماق روحي. أنا لا أشبه هذا المكان الخشن، ولا أشبه حتى نفسي التي أراها في المرآة، فثمة "أنا" أخرى تطالب بالظهور، لكن السلاسل غير المرئية تشدني نحو الأسفل.

قطع حبل أفكاري المشدودة طرقاتٌ هادئة على الباب الثقيل، طرقاتٌ تحمل إيقاعاً أعرفه جيداً. نهضتُ وفتحتُ الباب، فاستقبلني وجه دانيال الصارم. شعرتُ بهيبته تملأ فضاء غرفتي وتطغى على رائحة البخور الخفيفة فيها، فابتسمتُ له بتلقائية لم أعهدها مع غيره، وكأن ملامحه هي الثابت الوحيد في عالمي المتهاوي.

"لقد تأخرتِ على الإفطار، سيلين،" قالها وعيناه الذهبيتان تتفحصان وجهي الشاحب بتركيزٍ مربك، وكأنه يحاول قراءة ما وراء صمتي.

رددتُ بهدوء: "لستُ جائعة يا دانيال، لم أشعر برغبة في الطعام اليوم."

في تلك اللحظة، رأيتُ شيئاً يتغير في تعابير وجهه؛ انقبضت عضلات فكه واكتست نظراته بحدةٍ مفاجئة جعلت قلبي ينقبض. شعرتُ فوراً أن كلماتي لم تعجبه، أو ربما مسّت كبرياءه كألفا اعتاد أن يُطاع أو يُهتم بحضوره. لكنه، وبسرعةٍ مذهلة، استعاد توازنه الرصين، وخفض صوته قائلاً بنبرةٍ غلبت عليها الصراحة: "لقد اعتدتُ على وجودكِ معي على المائدة، سيلين. في الحقيقة.. لم آكل شيئاً لأنني كنتُ بانتظاركِ."

أربكني اعترافه الضمني بالتعلق بوجودي. اعتذرتُ منه بصدق، وقبل أن يعود التوتر بيننا، اقترحتُ عليه بفطرةٍ تبحث عن السكينة: "ما رأيك أن نتناول فطورنا في الحديقة؟ لا أرتاح كثيراً في قاعة الطعام بوجود باقي القطيع.. نظراتهم تجاهي مزيجٌ من الاستهجان والرهبة، وأنا لستُ مستعدة لمواجهة ذلك الضغط الآن."

لمحتُ شرارة الغضب في عينيه، وعرف حسي الغريزي بأن دانيال قد يعاقب أي شخصٍ تجرأ على النظر إليّ بدونية. خشيتُ أن يتسبب وجودي في أذى لأحدهم، فمددتُ يدي وأمسكتُ بيده الضخمة والدافئة بجرأةٍ فاجأتني أنا قبل أن تفاجئه. قلتُ له بصوتٍ حازمٍ ورقيق في آن واحد: "ليس لأنني انزعج منهم يا دانيال، بل لأنني أشعر بتوترهم بوجودي. أريدهم أن يكونوا مرتاحين في منزلهم، ومع الوقت سيعتادون عليّ وسأتعرف عليهم أكثر، عندها ربما أجالسهم."

صمتُّ قليلاً، ثم أضفتُ وكأنني أذكر نفسي قبل أن أذكره: "لا أقصد أنني سأبقى هنا طوال حياتي، لكن على الأقل.. حتى أستعيد جزءاً من ذاكرتي."

وافق دانيال بإيماءةٍ صامتة، ورأيتُه يغمض عينيه للحظة؛ علمتُ أنه يتواصل فكرياً مع مساعده، حيث أمر بتجهيز وجبتنا لنقلها إلى الحديقة. "سأنتظركِ عند باب العيادة،" قال وهو يتراجع خطوة للخلف متجهاً للممر، "ياسمين طلبت فحصكِ لتتأكد من شفاء جروحكِ تماماً."

هززتُ رأسي بالإيجاب، وبمجرد خروجه، شعرتُ بطاقةٍ غريبة تدفعني للاستعداد. توجهتُ نحو خزانة الملابس الكبيرة المصنوعة من خشب السنديان، واخترتُ فستاناً يجمع بين لون السماء الصافية ونقاء السحاب؛ الأزرق والأبيض. كان القماش ينسدل على جسدي بنعومة، مبرزاً ذلك الجمال الذي يصفه الجميع هنا بالخارق للطبيعة. نظرتُ للمرآة ذات الإطار البرونزي، ورأيتُ امرأةً لا تشبه الضحايا؛ امرأةً يفيض وجهها باعتزازٍ قديم، فستانها الأزرق يعكس بريق عينيها البنفسجية، وشعرها الفضي يحيط بوجهها كإطارٍ من نور. كنتُ جاهزة، ليس فقط للفحص أو الإفطار، بل لإثبات أنني، حتى بدون ذاكرة، لستُ مجرد عابرة سبيل في هذا القطيع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أصداء لاتموس   صدى الاسم المفقود

    استيقظتُ على وقع طرقاتٍ ملحة ومنتظمة على باب غرفتي، كانت تحمل في طياتها نبرة استعجالٍ لم أعهدها في هدوء القلعة الصباحي. تحاملتُ على جسدي المنهك واتجهتُ نحو الباب؛ كان ضوء الفجر الشاحب يتسلل من الممرات ليرسم ظلالاً طويلة على الأرضية الرخامية. فتحتُ الباب لأجد دانيال واقفاً بهامته الشامخة التي تملأ المدخل، كان يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض منكبيه، لكن وجهه كان يحمل تعبيراً مشحوناً بالقلق والترقب."هل نمتِ جيداً؟" سألني بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة النوم والاهتمام في آنٍ واحد.هززتُ رأسي وأجبتُ بصوتٍ خافت: "نعم.. بفضلك وبالسكينة التي تركتها في المكان."أخذ نفساً عميقاً ثم قال بنبرة جادة: "جيد، لأن إيلارا استيقظت، وهناك أمرٌ غريب يحصل.. إنها تطلبكِ بالاسم الذي أطلقته عليكِ، 'سيلين'. إنها تسأل إن كنتِ بخير، وتؤكد أنها تشعر بهالتكِ وطاقتكِ في المكان." كان ينظر إليّ وكأنه يحاول العثور على إجابة في ملامحي، وعيناه لا تبدوان سعيدتين، بل كان فيهما انطباعٌ مخيف من القلق الممزوج بالدهشة."دانيال، هل من خطب؟" سألتُه بحيرة، "أليس هذا لمصلحتنا أن تكون تعرفني؟ أليس هذا ما بحثنا عنه طويلاً؟ لِمَ تبدو قلقاً

  • أصداء لاتموس   رحلة تحت ضياء الفضة

    فتحتُ عينيّ بصعوبة، وكان شعور الثقل يلف أفكاري المشتتة. حاولتُ استرجاع ما حدث في العيادة؛ تلك اللحظة التي تحركتُ فيها بشكل لا إرادي نحو "إيلارا"، وكأن جسدي مبرمج يتحرك من نفسه."سيليني، كيف استطعتُ نقل طاقة لا أشعر بوجودها أصلاً؟" خاطبتُ ذئبتي في عقلي.أجابتني بنبرة تحمل الحيرة ذاتها: "ربما فقدان ذاكرتنا هو ما يحجب عنا إدراكها، لكنها موجودة. لقد تكرر الأمر اليوم كما حصل مع دانيال أول مرة."استمر الجدال في داخلي؛ كيف لم أمت من الاستنزاف؟ وكيف استعدتُ عافيتي بهذه السرعة؟"أشعر بطاقتكِ تتدفق مجدداً،" تابعت سيليني، "لقد بدأت تعود بعد أن غابت الشمس، وكأن هناك مصدراً خفياً يمدنا بها من وراء الأفق."حاولتُ تعديل جلستي فوق السرير الوثير، لكن أنفاسي انحبست حين وقع نظري على دانيال. كان جالساً على كرسي خشبي بجانب السرير، وقد استسلم للنوم وهو يسند رأسه وجزعه على حافة فراشي. في تلك اللحظة، خفق قلبي بقوةٍ لم أعهدها، شعرتُ برغبةٍ عارمة في تأمله. تمددتُ بجانبه، وجعلتُ وجهي مقابل وجهه تماماً، تفصلنا إنشات قليلة.كانت أنفاسه الهادئة تلامس وجهي كعبيرٍ يمدني بطمأنينةٍ غامضة. وجهه المنحوت بعناية، بفكّه ال

  • أصداء لاتموس   لغز الجسد المطفأ

    كان قلبي يقرع طبول الحماس في صدري بضرباتٍ متسارعة، تكاد تتجاوز سرعة أقدامنا ونحن نشق الغابات عائدين. ستة أيام مضت منذ رحيلي شمالاً، ستة أيام شعرتُ فيها أن روحي قد انشطرت، نصفٌ يطارد السراب في الجبال، ونصفٌ قابعٌ في قلعة "لاتموس" يحرس طيف سيلين.الآن، بدأت أطلال قلعتي الشامخة تلوح في الأفق كعملاقٍ حجري يحتضن أسراري. عبر الرابط العقلي، استشعرتُ ضجيج القطيع؛ الكل كان بانتظار عودة الألفا. أحسستُ بحماس "كميل" بجانبي، كان ذهنه يسبق جسده لرؤية "ميرا"، أما أنا.. فكانت حواسي كلها مشدودة نحو رائحة واحدة، عبير الندى والمطر الذي لا يخطئه قلبي.وصلنا إلى ساحة القلعة، حيث اصطف أعضاء المجلس بوجوههم الصارمة ونظراتهم المترقبة. لم تكن عيناي تبحث عن تقاريرهم أو ترحيبهم، بل كانت تجوب الزوايا حتى وجدتها. كانت تقف هناك، قريبة من باب القلعة العظيم، شامخة كعادتها وتتجنب الزحام، وكأنها لؤلؤة منثورة وسط رمال.أعطيتُ أمراً ذهنياً لمارك: "خذ إيلارا إلى العيادة فوراً، ولا تسمح لأحد بالاقتراب". أشرتُ لياسمين باللحاق بهما، بينما تحولتُ من هيئتي الذئبية بلمح البصر. رمى لي "دايفيد" شورتًا ارتديته على عجل، وتقدمتُ نحو

  • أصداء لاتموس   شظايا الفضة المطفئة

    عندما دلفنا إلى داخل النزل، كانت الرطوبة تخنق الأنفاس، وصوت صرير الخشب تحت أقدامنا يشبه استغاثات أرواحٍ حبستها الجدران. نظرت إلينا الفتاة التي أحضرها مارك؛ كانت ذئبة شابة، ملامحها ذابلة وعيناها تحملان نظرة انكسارٍ اعتادت المساومة. قالت بصوتٍ أجش وهي تتفحصنا: "ثلاثة؟ هذا سيكلفكم مبلغاً إضافياً.. المكان هنا ضيق والعيون كثيرة."نظرتُ لها نظرة عدائية باردة، جعلت الكلمات تجف في حلقها وترتجف أطرافها. رميتُ أمامها كيساً جلدياً ثقيلاً، اصطدم بالطاولة الخشبية المتهالكة ليصدر رنيناً معدنياً أسال لعاب طمعها. "نحن هنا لنسألكِ، وإذا كانت إجاباتكِ وافية، ستحصلين على ضعف هذا المبلغ."لمعت عيناها ببريقٍ جشع، وانحنت بسرعة البرق لالتقاط الكيس، لكن قدمي كانت أسرع؛ داست مقدمة حذائي على الكيس بقوة جعلت غبار الأرض يتطاير. "ليس قبل أن تجيبي،" قلتُها بنبرة لا تقبل الجدل.ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "حسناً.. لكن لا أريد متاعب مع سيمون.""ومن يكون هذا السيمون؟" سألتها بفضولٍ حذر."إنه رب عملي في الحانة.. هو من يجمع الفتيات الضائعات مثلي، يمنحنا سقفاً وطعاماً مقابل أن نعمل لديه في القبو والبار. إنه يملك عيوناً ف

  • أصداء لاتموس   حانة الهاربين وطيف الغياب

    "مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن."سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر.نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة."قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين

  • أصداء لاتموس   ظلال الشمال

    من تحت نافذة غرفتها، كانت عيناها تلاحقنا بحسرةٍ لم أستطع تجاهلها. شعرتُ برغبتها العارمة في القفز من ذلك الشباك والانضمام إلينا، لكن خوفي عليها كان جداراً لا يمكن عبوره. شكلنا ست فرق، يترأس كل واحدة منها عضو من أعضاء المجلس، وكنتُ أتقدمهم جميعاً كرمحٍ يشق عباب الليل. بدأتُ بالتحول، وتبعني هدير العظام والأنفاس من خلفي بينما كانت فرق القطيع تتحول تباعاً.ركضتُ بقوة، وحجبتُ كل أفكاري عن "الرابطة الذهنية" للقطيع؛ لم أرد لأحد أن يلمح طيف سيلين الذي كان يحتل كل زاوية في عقلي. تجمعنا عند البحيرة، حيث كان العواء الجماعي تحت نور القمر المكتمل يهز أركان الغابة، صرخةً منتمية للأرض والجماعة، لكن قلبي كان هناك.. في الغرفة التي تركتُ فيها نصف روحي.استيقظتُ قبل الفجر وتوجهتُ لمكتبي، وبمجرد دخولي لحق بي "جون" ( الرفيق الأكبر). ضرب الطاولة بقوة، مبعثراً الأوراق المبعثرة: "دانيال، لقد تماديت كثيراً! أنت ترمي بنفسك وبمستقبلنا في الخطر من أجل غريبة!"رأيتُ في عينيه خوف الأب وقلق المحارب، لذا لم أقسُ عليه. "جون.. إنها رفيقتي.""حتى لو كانت كذلك،" رد بصوتٍ متهدج، "أوسمها وانتهى الأمر! احمِها كملكك وابقى هن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status