LOGINسيلين
غادرتُ غرفتي في الطابق الأخير من القلعة ببطء، بينما كان الصمت الثقيل يملأ الممرات الحجرية كضبابٍ غير مرئي. الهواء هنا مختلف… بارد، عتيق، يحمل رائحة الرطوبة القديمة والحديد والرماد، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء الحروب التي شهدتها قبل قرون. أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، ثم رفعت بصري عبر الممر الطويل الممتد أمامي. كانت المشاعل المعلقة على الجدران تبعث ضوءًا خافتًا متراقصًا، يجعل الظلال تتحرك وكأنها كائنات حية تراقبني من بعيد. وفي نهاية الممر تمامًا… كان باب غرفة دانيال. توقفت خطواتي لثانية. ذلك الباب المواجه لغرفتي مباشرةً أثار داخلي الشعور ذاته الذي يراودني كل مرة أراه فيها؛ إحساس غريب بأن وجود غرفته هناك لم يكن محض صدفة. وكأن أحدهم تعمد أن يضعه في طريقي… أو يضعني في طريقه. أبعدتُ الفكرة عن رأسي وتابعت السير نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الطابق الثاني. كانت القلعة تستيقظ تدريجيًا. أصوات بعيدة لخطوات الحراس، احتكاك السيوف أثناء التدريبات الصباحية، وصرخات متقطعة تصلني من الساحة الخارجية. عالم كامل يتحرك حولي… بينما كنت أشعر دائمًا أنني منفصلة عنه، كأنني دخيلة على هذا المكان مهما حاول الجميع إخفاء ذلك. كلما اقتربتُ من العيادة، ازدادت الأصوات وضوحًا. تأوهات مصابين، ضحكات شبان يحاولون إخفاء ألمهم، وأصوات أوامر حادة من المعالجين. وعندما وصلتُ إلى الباب… كان دانيال هناك. واقفًا بثباته المعتاد، وكأنه كان يعلم تمامًا متى سأصل. ارتفعت عيناه نحوي للحظة قصيرة، ثم أفسح الطريق بصمت. لا أعلم لماذا كان صمته دائمًا يربكني أكثر من الكلام. دخلتُ خلفه إلى العيادة، وفور أن وطأت قدماي الداخل، ضربتني الفوضى الحية للمكان. عدة أسرّة ممتدة على الجانبين، محاربون بضمادات تغطي أذرعهم وصدورهم، رائحة الأعشاب الطبية الثقيلة، وأصوات الحديث المتشابكة التي ملأت القاعة. لكن ما إن رآني أول شخص… حتى حدث الأمر المعتاد. خفت صوتٌ هنا، ثم توقف آخر هناك… إلى أن سقط المكان كله في صمت خانق. شعرتُ بالنظرات تستقر فوقي دفعة واحدة. رفعتُ عيني بحذر، فوجدت الجميع يحدقون بي. بعضهم بفضول، آخرون بحذر، والبعض الآخر… بخوف. شاب كان يضحك قبل لحظة تجمد مكانه والكأس بين يديه. آخر همس بشيء لمن بجانبه دون أن يبعد عينيه عني. حتى أحد الصغار الذين يساعدون في تنظيف العيادة رسم علامة سريعة على صدره وكأنه يتعوذ من شيء. انقبض قلبي. هذا الشعور… هو السبب الذي يجعلني أفضّل البقاء وحيدة. وجودي بينهم لا يبدو طبيعيًا أبدًا. وكأنهم لا يرونني حقًا… بل يرون شيئًا خلفي. خفضتُ بصري وتابعت السير بثباتٍ متعمد، رغم أن التوتر كان يزحف تحت جلدي ببطء. ثم ظهرت ياسمين وسط الصمت. تحركت نحوي بسرعة، وكأنها تحاول إنقاذ الموقف قبل أن يزداد سوءًا. ابتسامتها الدافئة كانت الشيء الوحيد الحقيقي وسط كل تلك النظرات. “سيلين.” قالتها بلطف وهي تمسك يدي بكلتا يديها. “كيف حالك اليوم؟” ارتخت أنفاسي قليلًا. “أفضل بكثير.” بدأت تتفحص وجهي بعينيها الخبيرتين، ثم سألت: “والجروح؟” “اختفت تقريبًا.” بدت الدهشة في عينيها واضحة للحظة، لكنها أخفتها سريعًا. “تعالي معي.” تبعتها نحو الغرفة الجانبية الصغيرة في آخر العيادة. وما إن دخلنا حتى أغلقت الباب خلفها، فعزلت ضجيج الخارج فجأة. ساد هدوء مريح للحظات. أشارت لي لأجلس فوق السرير الخشبي الصغير، ثم بدأت بفحص آثار الجروح على ذراعي وكتفي. كانت حركاتها دقيقة وهادئة، لكنني لاحظت شيئًا غريبًا… كلما مرّت أصابعها فوق جلدي، كانت تتوقف لثانية وكأنها لا تصدق سرعة التئامه. “هذا غير طبيعي…” همست دون وعي. “ماذا؟” هزت رأسها سريعًا. “لا شيء.” لكن نبرتها لم تقنعني. أبعدتُ شعري عن كتفي لتتفقد آخر أثر للجرح قرب عنقي، وفجأة… تجمدت. توقفت يدها في الهواء. مرت ثانية… ثم ثانية أخرى. رفعتُ رأسي إليها ببطء. كانت تحدق في رقبتي بوجه شاحب تمامًا. شعرتُ بانقباض بارد في معدتي. “ياسمين؟” لم ترد. اقتربت أكثر، وعيناها متسعتان بشكل أربكني. “ما الأمر؟” رفعت يدها ببطء نحو عنقي، لكن أصابعها توقفت قبل أن تلمس جلدي مباشرة، وكأنها تخشى الاقتراب أكثر. حينها فقط لاحظتُ الارتجاف الخفيف في يدها. “ياسمين!” قلتها بحدة أكبر. ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست: “الوشم…” انعقد حاجباي. “أي وشم؟” “على رقبتكِ…” مددت يدي فورًا نحو المكان، لكنني لم أشعر بشيء مختلف. أما هي… فبدت وكأنها ترى كارثة. “إنه يضيء.” شعرتُ بأنفاسي تتوقف. “ماذا؟” تراجعت خطوة صغيرة، دون أن تبعد عينيها عن عنقي. “ليس حبرًا عاديًا… الضوء يتحرك داخله.” تسارعت دقات قلبي بعنف. “أريني.” هزت رأسها بارتباك. “سيلين… هذا ليس طبيعيًا.” “أريني!” همست أخيرًا: “إنه يبدو… حيًا.” مرّت قشعريرة باردة في جسدي بالكامل. أخفضت صوتي فورًا: “لا تخبري أحدًا.” نظرت إليّ بتردد. “فقط دانيال.” أغمضت عينيها للحظة، ثم بدا وكأنها تنصت لشيء بعيد داخل عقلها. وبعد ثوانٍ فقط… انفتح الباب بعنف. دخل دانيال بسرعة أربكتني، وعيناه الداكنتان تتحركان مباشرة نحو عنقي. لأول مرة منذ عرفته… بدا متوترًا. استدار فورًا نحو الخارج: “أخلوا العيادة.” ساد الارتباك خلف الباب، لكن أحدًا لم يعترض. خلال دقائق قليلة اختفت الأصوات كلها، وغرق المكان بصمت ثقيل. أغلق دانيال الباب بنفسه. ثم التفت نحوي ببطء. شعرتُ فجأة بأن حرارة الغرفة انخفضت. اقترب مني خطوة. ثم أخرى. “أبعدي شعرك.” ترددت للحظة، قبل أن أرفع خصلاتي الفضية عن رقبتي. وفي اللحظة التي رأى فيها الوسم… توقف. تمامًا. حتى أنفاسه بدت وكأنها انقطعت لثانية. لم يقل شيئًا. لكن عينيه… تلك النظرة وحدها كانت كافية لتزرع الخوف داخلي. لم تكن نظرة رجل يرى أمرًا غريبًا. بل نظرة شخص تعرّف على شيء كان يأمل ألا يراه أبدًا. “دانيال…” خرج صوتي أضعف مما أردت. “ما هذا؟” ظل صامتًا. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض: “هذا مستحيل.” أحضرت ياسمين مرآتين بسرعة. أمسكتُ إحداهما بينما ثبتت الأخرى خلفي. وعندما رأيتُ رقبتي… تجمد الدم في عروقي. تحت جلدي مباشرة، كان هناك رمز غريب متشابك الخطوط ينبض بضوء بنفسجي فضي خافت. ليس ثابتًا… بل يتحرك ببطء. كما لو أن شيئًا ما يتنفس تحت بشرتي. “بالأمس لم يكن موجودًا…” همست. لكن حتى وأنا أقولها… كنت أعرف أنني أكذب على نفسي. ربما كان موجودًا دائمًا. وربما… كان ينتظر فقط. قال دانيال بصرامة مفاجئة: “لا يجب أن يراه أحد.” التفت إلى ياسمين: “غطّيه فورًا.” ثم نظر إليّ مباشرة، وتلك النظرة هذه المرة كانت أثقل من الخوف نفسه. “وسأعرف ماذا يعني.” لكن شيئًا في صوته جعلني أدرك أنه لا يبحث عن الإجابة فقط… بل يخشى العثور عليها. لفّت ياسمين الضمادة حول عنقي بعناية، بينما بقيتُ أحدق في الفراغ محاوِلة استيعاب ما رأيته. وعندما انتهت، حاولت الابتسام لتخفيف التوتر: “على الأقل جروحكِ شُفيت تمامًا… لم تعودي مضطرة للمجيء إلى هنا.” لسبب لم أفهمه، شعرتُ بوخزة حزن مفاجئة. العودة إلى غرفتي… إلى وحدتي… بدت خانقة أكثر من أي وقت مضى. لكن ياسمين أضافت بسرعة: “هذا لا يعني أنني لن أراكِ.” رفعتُ عيني إليها. ابتسمت بخجل: “سأزورك كل يوم بعد انتهاء عملي… إن أردتِ.” لأول مرة منذ استيقظت في هذه القلعة، شعرتُ بدفء حقيقي. ابتسمت لها بهدوء. “أريد ذلك.” ولمحتُ من طرف عيني ارتخاءً خفيفًا في ملامح دانيال، وكأنه كان يحمل قلقًا صامتًا لا يعرف كيف يتعامل معه. غادرنا العيادة أخيرًا. كانت الممرات هادئة على غير المعتاد، وخطواتنا تتردد فوق الحجر البارد. لكن قبل أن أصل إلى الدرج… توقفت فجأة. حرارة حادة اشتعلت تحت الضمادة. شهقت بصمت، ورفعت يدي نحو عنقي. نبضة. ثم أخرى. لكن هذه المرة… لم يكن الضوء وحده ما يتحرك تحت جلدي. بل شيءٌ آخر. شيءٌ يشق طريقه ببطء… خارج الوسم.سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر
سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.
سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل
سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا
سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق
سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.







