Share

وسم النور

last update publish date: 2026-03-06 02:46:56

سيلين

غادرتُ غرفتي في الطابق الأخير من القلعة ببطء، بينما كان الصمت الثقيل يملأ الممرات الحجرية كضبابٍ غير مرئي. الهواء هنا مختلف… بارد، عتيق، يحمل رائحة الرطوبة القديمة والحديد والرماد، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء الحروب التي شهدتها قبل قرون.

أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، ثم رفعت بصري عبر الممر الطويل الممتد أمامي. كانت المشاعل المعلقة على الجدران تبعث ضوءًا خافتًا متراقصًا، يجعل الظلال تتحرك وكأنها كائنات حية تراقبني من بعيد.

وفي نهاية الممر تمامًا… كان باب غرفة دانيال.

توقفت خطواتي لثانية.

ذلك الباب المواجه لغرفتي مباشرةً أثار داخلي الشعور ذاته الذي يراودني كل مرة أراه فيها؛ إحساس غريب بأن وجود غرفته هناك لم يكن محض صدفة. وكأن أحدهم تعمد أن يضعه في طريقي… أو يضعني في طريقه.

أبعدتُ الفكرة عن رأسي وتابعت السير نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الطابق الثاني.

كانت القلعة تستيقظ تدريجيًا. أصوات بعيدة لخطوات الحراس، احتكاك السيوف أثناء التدريبات الصباحية، وصرخات متقطعة تصلني من الساحة الخارجية. عالم كامل يتحرك حولي… بينما كنت أشعر دائمًا أنني منفصلة عنه، كأنني دخيلة على هذا المكان مهما حاول الجميع إخفاء ذلك.

كلما اقتربتُ من العيادة، ازدادت الأصوات وضوحًا. تأوهات مصابين، ضحكات شبان يحاولون إخفاء ألمهم، وأصوات أوامر حادة من المعالجين.

وعندما وصلتُ إلى الباب…

كان دانيال هناك.

واقفًا بثباته المعتاد، وكأنه كان يعلم تمامًا متى سأصل.

ارتفعت عيناه نحوي للحظة قصيرة، ثم أفسح الطريق بصمت.

لا أعلم لماذا كان صمته دائمًا يربكني أكثر من الكلام.

دخلتُ خلفه إلى العيادة، وفور أن وطأت قدماي الداخل، ضربتني الفوضى الحية للمكان.

عدة أسرّة ممتدة على الجانبين، محاربون بضمادات تغطي أذرعهم وصدورهم، رائحة الأعشاب الطبية الثقيلة، وأصوات الحديث المتشابكة التي ملأت القاعة.

لكن ما إن رآني أول شخص…

حتى حدث الأمر المعتاد.

خفت صوتٌ هنا، ثم توقف آخر هناك… إلى أن سقط المكان كله في صمت خانق.

شعرتُ بالنظرات تستقر فوقي دفعة واحدة.

رفعتُ عيني بحذر، فوجدت الجميع يحدقون بي.

بعضهم بفضول، آخرون بحذر، والبعض الآخر… بخوف.

شاب كان يضحك قبل لحظة تجمد مكانه والكأس بين يديه. آخر همس بشيء لمن بجانبه دون أن يبعد عينيه عني. حتى أحد الصغار الذين يساعدون في تنظيف العيادة رسم علامة سريعة على صدره وكأنه يتعوذ من شيء.

انقبض قلبي.

هذا الشعور… هو السبب الذي يجعلني أفضّل البقاء وحيدة.

وجودي بينهم لا يبدو طبيعيًا أبدًا.

وكأنهم لا يرونني حقًا… بل يرون شيئًا خلفي.

خفضتُ بصري وتابعت السير بثباتٍ متعمد، رغم أن التوتر كان يزحف تحت جلدي ببطء.

ثم ظهرت ياسمين وسط الصمت.

تحركت نحوي بسرعة، وكأنها تحاول إنقاذ الموقف قبل أن يزداد سوءًا. ابتسامتها الدافئة كانت الشيء الوحيد الحقيقي وسط كل تلك النظرات.

“سيلين.” قالتها بلطف وهي تمسك يدي بكلتا يديها. “كيف حالك اليوم؟”

ارتخت أنفاسي قليلًا.

“أفضل بكثير.”

بدأت تتفحص وجهي بعينيها الخبيرتين، ثم سألت:

“والجروح؟”

“اختفت تقريبًا.”

بدت الدهشة في عينيها واضحة للحظة، لكنها أخفتها سريعًا.

“تعالي معي.”

تبعتها نحو الغرفة الجانبية الصغيرة في آخر العيادة. وما إن دخلنا حتى أغلقت الباب خلفها، فعزلت ضجيج الخارج فجأة.

ساد هدوء مريح للحظات.

أشارت لي لأجلس فوق السرير الخشبي الصغير، ثم بدأت بفحص آثار الجروح على ذراعي وكتفي.

كانت حركاتها دقيقة وهادئة، لكنني لاحظت شيئًا غريبًا… كلما مرّت أصابعها فوق جلدي، كانت تتوقف لثانية وكأنها لا تصدق سرعة التئامه.

“هذا غير طبيعي…” همست دون وعي.

“ماذا؟”

هزت رأسها سريعًا.

“لا شيء.”

لكن نبرتها لم تقنعني.

أبعدتُ شعري عن كتفي لتتفقد آخر أثر للجرح قرب عنقي، وفجأة…

تجمدت.

توقفت يدها في الهواء.

مرت ثانية… ثم ثانية أخرى.

رفعتُ رأسي إليها ببطء.

كانت تحدق في رقبتي بوجه شاحب تمامًا.

شعرتُ بانقباض بارد في معدتي.

“ياسمين؟”

لم ترد.

اقتربت أكثر، وعيناها متسعتان بشكل أربكني.

“ما الأمر؟”

رفعت يدها ببطء نحو عنقي، لكن أصابعها توقفت قبل أن تلمس جلدي مباشرة، وكأنها تخشى الاقتراب أكثر.

حينها فقط لاحظتُ الارتجاف الخفيف في يدها.

“ياسمين!” قلتها بحدة أكبر.

ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست:

“الوشم…”

انعقد حاجباي.

“أي وشم؟”

“على رقبتكِ…”

مددت يدي فورًا نحو المكان، لكنني لم أشعر بشيء مختلف.

أما هي… فبدت وكأنها ترى كارثة.

“إنه يضيء.”

شعرتُ بأنفاسي تتوقف.

“ماذا؟”

تراجعت خطوة صغيرة، دون أن تبعد عينيها عن عنقي.

“ليس حبرًا عاديًا… الضوء يتحرك داخله.”

تسارعت دقات قلبي بعنف.

“أريني.”

هزت رأسها بارتباك.

“سيلين… هذا ليس طبيعيًا.”

“أريني!”

همست أخيرًا:

“إنه يبدو… حيًا.”

مرّت قشعريرة باردة في جسدي بالكامل.

أخفضت صوتي فورًا:

“لا تخبري أحدًا.”

نظرت إليّ بتردد.

“فقط دانيال.”

أغمضت عينيها للحظة، ثم بدا وكأنها تنصت لشيء بعيد داخل عقلها.

وبعد ثوانٍ فقط…

انفتح الباب بعنف.

دخل دانيال بسرعة أربكتني، وعيناه الداكنتان تتحركان مباشرة نحو عنقي.

لأول مرة منذ عرفته… بدا متوترًا.

استدار فورًا نحو الخارج:

“أخلوا العيادة.”

ساد الارتباك خلف الباب، لكن أحدًا لم يعترض. خلال دقائق قليلة اختفت الأصوات كلها، وغرق المكان بصمت ثقيل.

أغلق دانيال الباب بنفسه.

ثم التفت نحوي ببطء.

شعرتُ فجأة بأن حرارة الغرفة انخفضت.

اقترب مني خطوة.

ثم أخرى.

“أبعدي شعرك.”

ترددت للحظة، قبل أن أرفع خصلاتي الفضية عن رقبتي.

وفي اللحظة التي رأى فيها الوسم…

توقف.

تمامًا.

حتى أنفاسه بدت وكأنها انقطعت لثانية.

لم يقل شيئًا.

لكن عينيه…

تلك النظرة وحدها كانت كافية لتزرع الخوف داخلي.

لم تكن نظرة رجل يرى أمرًا غريبًا.

بل نظرة شخص تعرّف على شيء كان يأمل ألا يراه أبدًا.

“دانيال…” خرج صوتي أضعف مما أردت. “ما هذا؟”

ظل صامتًا.

ثم قال أخيرًا بصوت منخفض:

“هذا مستحيل.”

أحضرت ياسمين مرآتين بسرعة. أمسكتُ إحداهما بينما ثبتت الأخرى خلفي.

وعندما رأيتُ رقبتي…

تجمد الدم في عروقي.

تحت جلدي مباشرة، كان هناك رمز غريب متشابك الخطوط ينبض بضوء بنفسجي فضي خافت.

ليس ثابتًا…

بل يتحرك ببطء.

كما لو أن شيئًا ما يتنفس تحت بشرتي.

“بالأمس لم يكن موجودًا…” همست.

لكن حتى وأنا أقولها… كنت أعرف أنني أكذب على نفسي.

ربما كان موجودًا دائمًا.

وربما… كان ينتظر فقط.

قال دانيال بصرامة مفاجئة:

“لا يجب أن يراه أحد.”

التفت إلى ياسمين:

“غطّيه فورًا.”

ثم نظر إليّ مباشرة، وتلك النظرة هذه المرة كانت أثقل من الخوف نفسه.

“وسأعرف ماذا يعني.”

لكن شيئًا في صوته جعلني أدرك أنه لا يبحث عن الإجابة فقط…

بل يخشى العثور عليها.

لفّت ياسمين الضمادة حول عنقي بعناية، بينما بقيتُ أحدق في الفراغ محاوِلة استيعاب ما رأيته.

وعندما انتهت، حاولت الابتسام لتخفيف التوتر:

“على الأقل جروحكِ شُفيت تمامًا… لم تعودي مضطرة للمجيء إلى هنا.”

لسبب لم أفهمه، شعرتُ بوخزة حزن مفاجئة.

العودة إلى غرفتي… إلى وحدتي… بدت خانقة أكثر من أي وقت مضى.

لكن ياسمين أضافت بسرعة:

“هذا لا يعني أنني لن أراكِ.”

رفعتُ عيني إليها.

ابتسمت بخجل:

“سأزورك كل يوم بعد انتهاء عملي… إن أردتِ.”

لأول مرة منذ استيقظت في هذه القلعة، شعرتُ بدفء حقيقي.

ابتسمت لها بهدوء.

“أريد ذلك.”

ولمحتُ من طرف عيني ارتخاءً خفيفًا في ملامح دانيال، وكأنه كان يحمل قلقًا صامتًا لا يعرف كيف يتعامل معه.

غادرنا العيادة أخيرًا.

كانت الممرات هادئة على غير المعتاد، وخطواتنا تتردد فوق الحجر البارد.

لكن قبل أن أصل إلى الدرج…

توقفت فجأة.

حرارة حادة اشتعلت تحت الضمادة.

شهقت بصمت، ورفعت يدي نحو عنقي.

نبضة.

ثم أخرى.

لكن هذه المرة… لم يكن الضوء وحده ما يتحرك تحت جلدي.

بل شيءٌ آخر.

شيءٌ يشق طريقه ببطء… خارج الوسم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أصداء لاتموس   رماد العام المنصرم وناقوس الخطر

    أثينا عامٌ من الظلام مرَّ عامٌ كامل. عامٌ ثقيل، بطيء، كأنه دهرٌ من الجمر لا يريد أن ينتهي. منذ تلك الليلة الملعونة، لم يعد شيءٌ كما كان. لم يعد القمر كما عرفناه، ولم تعد الغابات هادئة، ولم تعد قلوبنا قادرة على النوم بسلام. وحتى أنا… لم أستطع، طوال ذلك العام، أن أطرد صورة واحدة من ذاكرتي. صورة “دانيال”. وجهه الشاحب، عيناه اللتان كانتا تصرخان قبل أن ينطق، وذراعاه المرتجفتان وهما تضمان “سيلين” للمرة الأخيرة. ثم… ذلك الظلام. رأيته يبتلع جسده. رأيته يدخل فيه كما لو أن العالم كله قرر أن يضع خطاياه على كتفي رجلٍ واحد. ومنذ تلك اللحظة، اختفى. اختفى في أعماق الغابات، بعيداً عن أعين الجميع، محتجزاً داخل هيئته اللايكانية الوحشية، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب منه، ولا يسمح لنفسه بالعودة. عامٌ كامل ونحن لا نعرف ماذا يحدث له. عامٌ كامل وأنا أعيش مع سؤالٍ واحد ينهشني: إلى متى يستطيع الإنسان أن يعيش وفي داخله كل هذا الظلام؟ التفتُّ نحو “سول”. كان يقف بعيداً عني، صامتاً، وعيناه معلقتان بالأفق. لم يكن في وقفته شيءٌ من ذلك الهدوء الذي عرفته فيه سابقاً؛ بدا كمن يحمل فوق كتفيه جنازةً لم تن

  • أصداء لاتموس   معبد لاتموس… وداع النور

    دانيالالتفتت “أثينا” نحو “سول”، ثم أمسكت بكتفيه وهزته بعنف، وكأنها تحاول انتزاعه من الهوة التي ابتلعته.قالت بحدةٍ لم أعرفها في صوتها من قبل:“سول! علينا أخذها الآن إلى معبد لاتموس… لا وقت لدينا!”لكن “سول” لم يجب.ظل واقفاً في مكانه، وعيناه معلقتان بجسد “سيلين” بين ذراعيّ، وكأن عقله رفض تصديق ما يحدث. كانت ملامحه شاحبة، وشفته السفلى ترتجف، ثم انخفض رأسه فجأة، وانكسر شيءٌ في داخله.خرج صوته أشبه بأنينٍ مختنق:“لا أستطيع…”رفع عينيه نحوي، وكانت الدموع قد غمرتهما.“لا أستطيع أن أتحمل هذا… سامحني يا دانيال.”لم أفهم ما قصده. أردتُ أن أصرخ فيه، أن أطلب منه البقاء، أن أذكره بأننا لم ننتهِ بعد… لكن الكلمات ماتت في حلقي.وفي ومضةٍ حزينة، تلاشى “سول” من أمامنا.اختفى.وكأن وجوده نفسه لم يكن سوى لحظة عابرة في هذا الكابوس.حدقتُ في المكان الذي كان يقف فيه، عاجزاً عن استيعاب أنني أصبحت وحدي.وحدي معها.وحدي أمام احتمال فقدانها.اقتربت “أثينا” مني دون أن تقول شيئاً. وضعت يدها على كتفي، ثم أمسكت بالرمح باليد الأخرى.شددتُ “سيلين” إلى صدري أكثر.كنتُ أضمها بطريقةٍ تكاد تكون مؤلمة، وكأن ذراعيّ قادر

  • أصداء لاتموس   ثمن الخلاص

    دانيال شعرتُ بأن العالم من حولي قد فقد معناه. لم أعد أسمع سوى أنفاسي المتقطعة، ولا أرى سوى وجه “سيلين” الشاحب بين ذراعي. كان جسدها ساكناً بصورةٍ مخيفة، كأن الحياة نفسها قد تراجعت إلى أعمق نقطة في روحها، وتركت جسدها وحيداً في مواجهة ذلك الظلام الذي اجتاحها. كنتُ أضمها إلى صدري بكل ما أملك، وكأن قوة ذراعيّ قادرة على منع الموت من الاقتراب منها. لكن شيئاً في داخلي كان يخبرني أنني أخسرها. شيئاً لا أستطيع مقاومته. كان موضع رابطتنا الروحية يحترق في صدري بصورةٍ لم أعرف لها مثيلاً من قبل. وضعتُ يدي عليه دون وعي، وانحنيت فوقها وأنا ألهث من الألم. رفعتُ عيني نحو “أثينا”، وخرج صوتي مبحوحاً: “ماذا تقصدين؟ إلى ماذا تشيرين بالتحديد؟!” كانت واقفة أمامي، لكنها لم تعد تبدو كسيدة الحكمة التي عرفتها قبل ساعات. لأول مرة، رأيتُ في عينيها خوفاً حقيقياً. قالت بحزمٍ ثقيل: “يجب عليك سحب هذا التلوث من القمر… سيلين لن تستطيع تحمله. وحتى لو استيقظت، فلن تكون سيلين التي عرفتها وأحببتها.” توقفت الكلمات في حلقي. نظرتُ إلى سيلين. إلى وجهها الهادئ رغم الموت الذي يزحف في أعماقها. ثم عدتُ بعيني إليها. “ح

  • أصداء لاتموس   خسوف الروح والقمر الدموي

    دانيال ما بعد سقوط بان انقلب العالم رأساً على عقب في كسرٍ من الثانية. لم يتسنَّ لعقلي حتى أن يفهم ما يحدث؛ كل ما رأيته كان إعصاراً مروعاً من الضوء والظلام يلتف حول سيلين، يبتلع جسدها شيئاً فشيئاً كما لو أن قوىً لا تنتمي إلى هذا العالم قد قررت انتزاعها منه. صرخت باسمها واندفعت نحوها بجنون. لم أعد أشعر بالأرض تحت قدميّ، ولا بالحجارة التي كانت تتكسر تحت وطأة خطواتي، ولا حتى بالهواء الذي كان يصفع وجهي. لم يكن في العالم كله شيء سوى هي. سيلين. لكنني لم أكن وحدي. انطلق سول في اللحظة ذاتها، مندفعاً نحوها بكل ما أوتي من قوة، إلا أن أثينا سبقتنا بحركتها. رفعت يديها، فانفجرت حولنا هالة سحرية هائلة، اصطدمت بأجسادنا وأوقفتنا في أماكننا كما لو أن جبالاً غير مرئية قد هبطت فوق أكتافنا. صرخت وأنا أحاول كسر الحاجز: “أثينا! ماذا تفعلين؟! اتركيني!” لكنها لم تجب. كانت عيناها مثبتتين على سيلين. رأيت وجهها شاحباً بصورة لم أرها عليها من قبل، وشعرت للمرة الأولى أن تلك المرأة التي كانت تبدو دائماً أكثر الموجودين ثباتاً قد بدأت تخشى شيئاً لا تستطيع السيطرة عليه. أما أنا… فكنت أُحطم نفسي محاولاً

  • أصداء لاتموس   طعنة الغدر وشعاع القمر الأخير

    سيلين بدأ “بان” يتحرك ببطءٍ شديد، حتى بدا وكأنه يخشى أن يوقظ الهواء من حوله. كانت خطواته محسوبةً بدقة، لا يرفع قدماً إلا بعد أن يتأكد من موضع الأخرى، بينما بقيت قبضته الفولاذية مطبقةً على ذراعي بقوةٍ جعلت أصابعه تنغرس في جلدي. كنتُ أسير أمامه شبه فاقدةٍ للتوازن، أشعر بثقل أنفاسه خلفي، وبالبرودة المنبعثة من جسده. كان يدفعني خطوةً خطوة، كأنه يستخدم جسدي جداراً يفصل بينه وبين دانيال. أما دانيال… فلم يتحرك. كان واقفاً في مكانه، لكن جسده كله كان يرتجف ارتجافاً خفيفاً يكاد لا يُرى. قبضتاه كانتا مضمومتين بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وعضلات عنقه مشدودة إلى أقصى حد، بينما عيناه لم تغادرا وجهي ولو للحظة. لم يكن يخاف على نفسه… بل كان يخشى أن يرتكب حركةً واحدةً خاطئة قد تكون آخر ما أراه منه. أما “أثينا”، فقد بقيت ساكنةً بصورةٍ تكاد تكون مخيفة. كانت تعرف أن لحظةً واحدةً من التهور كفيلةٌ بإفساد كل شيء. ومع ذلك… لاحظتُ شيئاً غريباً. رغم هدوئها، كانت عيناها تراقبان “بان” أكثر مما تراقبانني. وكأنها تنتظر منه شيئاً… أو تخشى شيئاً لم نفهمه بعد. اقترب “بان” أكثر. ثم توقف. ابتسم. ابتسام

  • أصداء لاتموس   الخديعة الملعونة ورماد اللعنة

    سيلين كان دانيال يقف على الطرف الآخر من الساحة، لكنني لم أكن بحاجة إلى النظر إليه لأعرف ما يعتمل في داخله. كان رابطنا الروحي ينبض بيننا بصمت، كخيطٍ غير مرئي يصل قلبين يفصل بينهما العالم كله. لم يكن ينقل الكلمات، بل المشاعر… ولهذا كنت أشعر بكل شيء. كنت أشعر بالنار التي تلتهم صدره. بالذنب الذي يعصر روحه. بالرغبة العارمة التي تكاد تدفعه إلى تمزيق كل شيء والوصول إليّ مهما كان الثمن. كان يحاول بكل ما بقي لديه من قوة أن يخفي تلك العاصفة عني، لكن الرابط بيننا كان أصدق من أي محاولة للكتمان. كنت أستشعر ارتجاف أنفاسه، وتوتر عضلاته، وحتى ذلك الصراع المرير الذي يخوضه بين قلبه وعقله. كان يعلم أن أي خطوة متهورة قد تكون نهايتي. ولهذا بقي واقفاً… واقفاً فقط. وذلك كان أقسى عذاب يمكن أن يُفرض على رجل مثله. أما أنا، فكنت أشعر بعجزي ينهشني ببطء. لو استطعت فقط أن أطمئنه… أن أخبره أن رؤيته وحدها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلبي. لكن الكلمات خانتني، ولم يبق بيننا إلا العيون. رفع دانيال بصره نحوي. ولوهلةٍ قصيرة، اختفى العالم كله. لم أعد أرى الغابة، ولا الظلام، ولا أثينا، ولا

  • أصداء لاتموس   خيوط الضياء

    دانيال كنتُ أجلس بجانبها تحت ظلال شجرة البلوط العتيقة، أحاول الحفاظ على هدوئي المعتاد، ذلك الهدوء الذي يتوقعه الجميع من ألفا لا يهتز بسهولة… لكن داخلي كان أبعد ما يكون عن السكينة. كان هناك ضجيج كامل يعبث في رأسي. صوتها قبل قليل ما زال يتردد داخلي بصورة مستفزة: “لقد استطعتُ تمييز رائحتك… أنت فقط.

  • أصداء لاتموس   عبير الأنتماء

    سيلين خرجتُ من العيادة برفقة دانيال، بينما ظلّ ثقل ما حدث هناك يرافقني كظلٍ لا يفارقني. كانت الضمادة الملتفة حول عنقي تخفي ذلك الوسم الغريب عن أعين الجميع… لكنها لم تستطع إخفاء شعوري به. كل بضع خطوات، كنتُ أحسّ بنبضةٍ خافتة تحت جلدي، وكأن شيئًا ما مستيقظ هناك… يراقب. سرنا عبر الممرات الحجرية العر

  • أصداء لاتموس   طاولة الرؤس السبعة

    دانيال لم تكن معركة، بل كانت مأدبة للموت أُجبرتُ على حضورها. حولي، كان رفاقي يسقطون كأوراق خريفٍ محترقة؛ أجسادٌ تهاوت في صمتٍ مرعب أمام زحف "الظلال" السوداء. لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا ذئاباً.. كانوا ظلالاً تتحرك بسرعةٍ تخترقُ قوانين الزمن، تنهشُ اللحم قبل أن تلمحه العين. كنتُ الأخير.. الألفا الذ

  • أصداء لاتموس   ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

    سيلين استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية دا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status