LOGINسيلين
خرجتُ من العيادة برفقة دانيال، بينما ظلّ ثقل ما حدث هناك يرافقني كظلٍ لا يفارقني. كانت الضمادة الملتفة حول عنقي تخفي ذلك الوسم الغريب عن أعين الجميع… لكنها لم تستطع إخفاء شعوري به. كل بضع خطوات، كنتُ أحسّ بنبضةٍ خافتة تحت جلدي، وكأن شيئًا ما مستيقظ هناك… يراقب. سرنا عبر الممرات الحجرية العريضة للقلعة باتجاه صالة الطعام، حيث جُهّز لنا بعض الزاد لنأخذه إلى الحديقة. وعلى الرغم من اتساع المكان، إلا أن حضوره كان يملأ الممر كله؛ دانيال لا يحتاج أن يرفع صوته ليُشعر الجميع بسلطته، يكفي أن يمرّ حتى تنخفض الرؤوس تلقائيًا. كان أفراد القطيع يفسحون له الطريق فور رؤيته. بعضهم انحنى احترامًا، وآخرون وقفوا بصمت حتى نعبر. لكن وسط تلك الوجوه، كانت هناك نظرات مختلفة تمامًا… نظرات تتسلل نحوي بخفية، مليئة بالترقب والريبة، وكأنهم يحاولون فهم سبب وجودي إلى جانب الألفا. أو ربما… يحاولون فهم ما أكونه أصلًا. حاولت تجاهلهم، حتى شعرت فجأة بنظرة حادة استقرت عليّ بقوة جعلتني ألتفت دون وعي. كانت امرأة تقف قرب أحد الأعمدة الحجرية، تراقبني بعينين ممتلئتين بالاحتقار الصريح. ليس فضولًا. ولا خوفًا. بل كراهية خالصة. انعقد حاجباي دون شعور. لم أرَها من قبل، ومع ذلك بدا وكأن مجرد رؤيتي يثير غضبها. “هذه ميرا.” جاء صوت دانيال هادئًا بجانبي، وكأنه شعر بالنظرة قبل أن أشعر بها أنا. أبعدت المرأة نظرها فورًا عندما التقت عيناها بعينيه. “شريكة البيتا.” أكمل بصوت منخفض. عدتُ أنظر إليها بدهشة خفيفة. شريكة البيتا؟ للحظة سخيفة، كنتُ قد ظننت أن نظراتها نابعة من غيرةٍ تخص دانيال نفسه، لكن ذلك لا يبدو منطقيًا… أليس من المفترض أن تكون مرتبطة بزوجها بالكامل؟ إلا أن شيئًا في نظرتها أخبرني أن الأمر أعمق من مجرد انزعاج عابر. تابعتُ السير بصمت، لكنني بدأت ألاحظ أمرًا آخر. الجميع… حرفيًا الجميع، كانوا يتركون مسافة واضحة بينهم وبين دانيال أثناء السير. حتى كبار المحاربين الذين يبدون بلا خوف لم يقتربوا منه أكثر من اللازم، وكأن حوله حدودًا غير مرئية لا يجرؤ أحد على تجاوزها. أما أنا… فكنت أمشي بمحاذاته مباشرة. كتفي يكاد يلامس كتفه. تسلل التوتر إليّ فجأة. ربما هذا ما يزعجهم. ربما وجودي قربه بهذا الشكل يُعتبر تجاوزًا لشيء لا أفهمه بعد. ترددتُ للحظة، ثم خففت سرعتي قليلًا محاوِلة الابتعاد خطوة إلى الخلف. لكن قبل أن أبتعد تمامًا… أمسكت يدٌ قوية بمعصمي. شهقت بخفة، والتفتُّ نحوه. دانيال لم ينظر إليّ حتى، وكأنه لم يحتج لذلك أصلًا. جذبني نحوه بسهولة ليعيدني إلى جانبه تمامًا، ثم أكمل السير وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الرسالة وصلت للجميع. مكاني هنا. بجانبه. شعرت بحرارة غريبة تزحف إلى وجهي، بينما ازدادت النظرات الموجهة نحوي ثقلًا. أما هو… فبدا غير مكترث إطلاقًا. تخبّطت الأسئلة داخل رأسي من جديد. هل يفعل هذا لأنه يشعر بالمسؤولية تجاهي فقط؟ لأنه أنقذني؟ لأنني ضيفة تحت حمايته؟ أم أن هناك سببًا آخر لا يريد البوح به؟ شيء في تصرفاته كان يتجاوز مجرد الواجب. لكنه في كل مرة يقترب فيها مني… يعود ويبني جدارًا جديدًا بيننا. وصلنا أخيرًا إلى الحديقة الخلفية الواسعة، فانفتح أمامي عالم مختلف تمامًا عن صلابة القلعة وبرودتها. الشمس كانت مشرقة، تنعكس فوق النوافير الحجرية الصغيرة، والهواء محمّل برائحة الأعشاب والأشجار الرطبة. في الجهة البعيدة، كان الأطفال يركضون ويصرخون بضحكاتٍ صافية، بينما تدرب مجموعة من الشبان في الساحة الرملية تحت إشراف المحاربين. وللمرة الأولى منذ دخولي هذا المكان… شعرت بشيء يشبه الحياة الطبيعية. راقبت الأطفال بصمت، ولاحظت كيف أنهم الوحيدون الذين لم ينظروا إليّ بغرابة. لم يتوقفوا عن اللعب عند رؤيتي، ولم يهمسوا خلف ظهري، ولم يراقبوني كأنني لغز مرعب. كنت بالنسبة لهم مجرد شخص آخر. وربما لهذا السبب شعرتُ براحةٍ غريبة بينهم. لكنني كنت أعلم أيضًا أن وجود دانيال بجانبي هو ما يمنع نظرات الكبار من التحول إلى شيء أسوأ. فجأة، انطلقت كرة صغيرة عبر الحديقة بسرعة، لتصطدم مباشرة بصدر دانيال. تجمد كل شيء. الأطفال توقفوا عن الركض فورًا، واتسعت أعينهم بذعر واضح. حتى أنا توقعت أن يغضب. لكن دانيال فاجأني. نظر إلى الكرة للحظة… ثم رفع رأسه نحو الأطفال، وارتسمت على وجهه ابتسامة حقيقية. ابتسامة غيّرت ملامحه بالكامل. انحنى والتقط الكرة بيد واحدة، ثم رماها نحوهم بخفة جعلت الأطفال ينفجرون ضحكًا. وخلال لحظات، وجد نفسه محاصرًا بينهم. راقبته بدهشة صامتة. ذلك الرجل الذي يبدو داخل القلعة كأنه صُنع من الحجر والهيبة… كان يضحك الآن مع الأطفال وكأنه واحد منهم. ولأول مرة… رأيت جزءًا آخر منه. جزءًا لم يكن قائدًا. ولا ألفا. بل شخصًا سُرقت منه طفولته مبكرًا، ومع ذلك ما زال يحتفظ ببقاياها في مكانٍ ما داخله. بقيتُ أراقبه دون أن أشعر. ثم حدث شيء غريب. في البداية ظننته مجرد نسمة هواء عابرة… لكن الرائحة وصلتني بوضوح مفاجئ. خشب أرز دافئ، ممزوج برائحة المطر فوق الصخور الباردة، ولمسة خفيفة تشبه الدخان بعد انطفاء النار مباشرة. توقفت أنفاسي للحظة. كانت الرائحة قوية… بطريقة أربكتني. أغمضتُ عيني دون وعي، وأخذت أستنشق الهواء ببطء. شعرت بشيء داخلي يهدأ. شيء كان مضطربًا منذ استيقظت في هذه القلعة. وحين فتحت عيني مجددًا، أدركت الحقيقة. إنها… رائحته. دانيال. ارتبكت فجأة من شدة وضوحها. لماذا أستطيع تمييزها الآن؟ ولماذا تبدو مألوفة إلى هذا الحد؟ عاد نحوي بعد أن أنهى لعبه مع الأطفال، وما إن اقترب حتى أصبحت الرائحة أقوى، حتى شعرت بدقات قلبي تتسارع بشكل مزعج. رفعت نظري إليه بسرعة. “دانيال…” توقف أمامي مباشرة. “أستطيع تمييز رائحتك.” ساد الصمت لثانية قصيرة. ثم ظهرت ابتسامة صغيرة عند زاوية فمه، ابتسامة حاول إخفاءها لكنه فشل. “هذا جيد.” عقدت حاجبيّ بحيرة. “جيد؟” جلس بجانبي فوق العشب بهدوء. “هذا يعني أن حواسكِ بدأت تستيقظ.” خفضت بصري نحو يدي. “لكنني لا أميز سوى رائحتك أنت.” ولأول مرة منذ فترة، رأيت التردد يمرّ في عينيه. اختفى سريعًا… لكنه كان موجودًا. قال أخيرًا: “قد يكون لأن قواكِ لم تكتمل بعد.” ثم أضاف بعد لحظة قصيرة: “أو… لأن رابطنا أصبح أقوى.” توقفت أنفاسي للحظة عند الكلمة الأخيرة. رابطنا. قالها بهدوء شديد، لكن شيئًا ما في نبرته جعل الكلمة تستقر داخلي بطريقة غريبة. ابتعدت بنظري سريعًا محاولة تجاهل الارتباك الذي تسلل إليّ، ثم أشرت نحو شجرة ضخمة تمتد ظلالها فوق العشب. “هناك.” نظر إليها ثم أومأ. بدأ يرتب الطعام والأغطية ببراعة اعتاد عليها، بينما جلست أراقب الحديقة من حولي. السماء كانت صافية بشكل مؤلم في جماله، والنسيم البارد يمر بين الأشجار حاملًا معه رائحة دانيال مجددًا، حتى بدأت أشعر بأنفاسي تثقل كلما اقترب مني أكثر. في الجهة البعيدة، كان الأطفال يضحكون، والشبان يتدربون، والحياة تستمر بشكل طبيعي… أما أنا… فشعرت بغصة غريبة تعتصر قلبي. لأن هذا المكان، الذي يفترض أن يكون غريبًا عني… بدأ يشعرني بالانتماء. وكأن شيئًا في داخلي يعرف هذه الأرض. يعرفهم. أو ربما… ينتمي إليهم أكثر مما أتصور. وفي اللحظة التي استسلمتُ فيها لذلك الشعور الدافئ… اشتعل الوسم تحت الضمادة فجأة. لكن هذه المرة… لم يكن الألم وحده ما أخافني. بل الطريقة التي التفت بها دانيال نحوي فورًا… وكأنه شعر به في اللحظة نفسها.اثينا شرحتُ لهم بحذر وبمختصر شديد ما كان يدور في ذهني؛ أن «دانيال» يوشك على فقدان آخر بقايا إنسانيته تحت وطأة طاقة «بان» المظلمة. وبحكم ارتباطهم الوثيق به، كقائدٍ وألفا، فإن قرب أرواحهم من روحه جعل هالاتهم تتأثر بتلك الطاقة، وبدأت شخصياتهم تتبدل شيئًا فشيئًا، تنجرف نحو الغضب والعدائية دون أن يدركوا حقيقة ما يحدث لهم. وأثناء رحلة العودة، شرحتُ لهم تفاصيل الخطة والطقس المرتقب، وما يتعين علينا فعله عندما يصل «سول» ومعه «دانيال». حاولتُ تهدئتهم كلما احتدم النقاش بينهم، لكن المشاحنات لم تتوقف. كان اللوم يتنقل بينهم، والكلمات القاسية تتطاير من شخص إلى آخر، حتى بدا أحيانًا أن الخلاف على وشك أن يتحول إلى عراك. ومع ذلك، لم أستطع أن ألوم أحدًا منهم. كنتُ أعلم أنهم لم يختاروا هذا الغضب، ولم يكن لهم يدٌ في هذا الجرف المظلم الذي سُحبوا إليه. كان السحر هو من يعبث بمشاعرهم، والظلام هو من يضخّم أحقادهم ويمنح كل كلمة جارحة قوة لم تكن لها من قبل. وفي خضم ذلك الإرهاق، تسللت إلى صدري راحة صغيرة لم أسمح لنفسي بالاستسلام لها طويلًا. فقد اتضحت لي حقيقة واحدة على الأقل. «دانيال» لم يكن هو الوحش الذي ي
اثينا وصلتُ إلى القلعة، فتلقفتني أروقتها الباردة برائحة الصمت والخراب. توقفتُ عند المدخل لحظة، أتأمل المكان الذي كان يوماً يعج بالحياة والحركة، فإذا به الآن يبدو كجسدٍ فقد روحه منذ زمن.كانت القلعة تشبه كل شيء إلا تلك القلعة المهيبة التي عرفتها يوماً.لم يعد في أروقتها ذلك الدفء الذي كانت تمنحه أصوات العائلة والحراس، ولا ذلك الشعور الخفي بالأمان الذي كان يملأ جدرانها. حتى الهواء بدا ثقيلاً، وكأن شيئاً غير مرئي ما زال عالقاً بين حجارتها، يرفض الرحيل.قلبها النابض قد غاب… وغابت معه كل النجوم التي كانت تضيء سماءها.لم أجد في هذا المكان سوى “إينانا” و”كريس”.وما إن استشعرا هالتي الإلهية حتى أسرعا نحوي. توقفت إينانا أمامي، وعيناها تحملان مزيجاً من الدهشة والقلق، بينما وقف كريس إلى جوارها متحفزاً، وكأنه كان ينتظر منذ زمن خبراً لا يعرف إن كان مستعداً لسماعه.لم أحتج إلى السؤال طويلاً.كان يكفي أن أنظر إلى وجهيهما لأدرك أن هذا العام لم يمر على أحدٍ بسلام.بدأا يشرحان لي ما حدث خلال ذلك العام العجاف، وأين تشتت أفراد العائلة والقيادة بعد اختفاء دانيال.كانت “آلارا” وأمها “لينا” تلازمان معبد “ل
أثينا عامٌ من الظلام مرَّ عامٌ كامل. عامٌ ثقيل، بطيء، كأنه دهرٌ من الجمر لا يريد أن ينتهي. منذ تلك الليلة الملعونة، لم يعد شيءٌ كما كان. لم يعد القمر كما عرفناه، ولم تعد الغابات هادئة، ولم تعد قلوبنا قادرة على النوم بسلام. وحتى أنا… لم أستطع، طوال ذلك العام، أن أطرد صورة واحدة من ذاكرتي. صورة “دانيال”. وجهه الشاحب، عيناه اللتان كانتا تصرخان قبل أن ينطق، وذراعاه المرتجفتان وهما تضمان “سيلين” للمرة الأخيرة. ثم… ذلك الظلام. رأيته يبتلع جسده. رأيته يدخل فيه كما لو أن العالم كله قرر أن يضع خطاياه على كتفي رجلٍ واحد. ومنذ تلك اللحظة، اختفى. اختفى في أعماق الغابات، بعيداً عن أعين الجميع، محتجزاً داخل هيئته اللايكانية الوحشية، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب منه، ولا يسمح لنفسه بالعودة. عامٌ كامل ونحن لا نعرف ماذا يحدث له. عامٌ كامل وأنا أعيش مع سؤالٍ واحد ينهشني: إلى متى يستطيع الإنسان أن يعيش وفي داخله كل هذا الظلام؟ التفتُّ نحو “سول”. كان يقف بعيداً عني، صامتاً، وعيناه معلقتان بالأفق. لم يكن في وقفته شيءٌ من ذلك الهدوء الذي عرفته فيه سابقاً؛ بدا كمن يحمل فوق كتفيه جنازةً لم تن
دانيالالتفتت “أثينا” نحو “سول”، ثم أمسكت بكتفيه وهزته بعنف، وكأنها تحاول انتزاعه من الهوة التي ابتلعته.قالت بحدةٍ لم أعرفها في صوتها من قبل:“سول! علينا أخذها الآن إلى معبد لاتموس… لا وقت لدينا!”لكن “سول” لم يجب.ظل واقفاً في مكانه، وعيناه معلقتان بجسد “سيلين” بين ذراعيّ، وكأن عقله رفض تصديق ما يحدث. كانت ملامحه شاحبة، وشفته السفلى ترتجف، ثم انخفض رأسه فجأة، وانكسر شيءٌ في داخله.خرج صوته أشبه بأنينٍ مختنق:“لا أستطيع…”رفع عينيه نحوي، وكانت الدموع قد غمرتهما.“لا أستطيع أن أتحمل هذا… سامحني يا دانيال.”لم أفهم ما قصده. أردتُ أن أصرخ فيه، أن أطلب منه البقاء، أن أذكره بأننا لم ننتهِ بعد… لكن الكلمات ماتت في حلقي.وفي ومضةٍ حزينة، تلاشى “سول” من أمامنا.اختفى.وكأن وجوده نفسه لم يكن سوى لحظة عابرة في هذا الكابوس.حدقتُ في المكان الذي كان يقف فيه، عاجزاً عن استيعاب أنني أصبحت وحدي.وحدي معها.وحدي أمام احتمال فقدانها.اقتربت “أثينا” مني دون أن تقول شيئاً. وضعت يدها على كتفي، ثم أمسكت بالرمح باليد الأخرى.شددتُ “سيلين” إلى صدري أكثر.كنتُ أضمها بطريقةٍ تكاد تكون مؤلمة، وكأن ذراعيّ قادر
دانيال شعرتُ بأن العالم من حولي قد فقد معناه. لم أعد أسمع سوى أنفاسي المتقطعة، ولا أرى سوى وجه “سيلين” الشاحب بين ذراعي. كان جسدها ساكناً بصورةٍ مخيفة، كأن الحياة نفسها قد تراجعت إلى أعمق نقطة في روحها، وتركت جسدها وحيداً في مواجهة ذلك الظلام الذي اجتاحها. كنتُ أضمها إلى صدري بكل ما أملك، وكأن قوة ذراعيّ قادرة على منع الموت من الاقتراب منها. لكن شيئاً في داخلي كان يخبرني أنني أخسرها. شيئاً لا أستطيع مقاومته. كان موضع رابطتنا الروحية يحترق في صدري بصورةٍ لم أعرف لها مثيلاً من قبل. وضعتُ يدي عليه دون وعي، وانحنيت فوقها وأنا ألهث من الألم. رفعتُ عيني نحو “أثينا”، وخرج صوتي مبحوحاً: “ماذا تقصدين؟ إلى ماذا تشيرين بالتحديد؟!” كانت واقفة أمامي، لكنها لم تعد تبدو كسيدة الحكمة التي عرفتها قبل ساعات. لأول مرة، رأيتُ في عينيها خوفاً حقيقياً. قالت بحزمٍ ثقيل: “يجب عليك سحب هذا التلوث من القمر… سيلين لن تستطيع تحمله. وحتى لو استيقظت، فلن تكون سيلين التي عرفتها وأحببتها.” توقفت الكلمات في حلقي. نظرتُ إلى سيلين. إلى وجهها الهادئ رغم الموت الذي يزحف في أعماقها. ثم عدتُ بعيني إليها. “ح
دانيال ما بعد سقوط بان انقلب العالم رأساً على عقب في كسرٍ من الثانية. لم يتسنَّ لعقلي حتى أن يفهم ما يحدث؛ كل ما رأيته كان إعصاراً مروعاً من الضوء والظلام يلتف حول سيلين، يبتلع جسدها شيئاً فشيئاً كما لو أن قوىً لا تنتمي إلى هذا العالم قد قررت انتزاعها منه. صرخت باسمها واندفعت نحوها بجنون. لم أعد أشعر بالأرض تحت قدميّ، ولا بالحجارة التي كانت تتكسر تحت وطأة خطواتي، ولا حتى بالهواء الذي كان يصفع وجهي. لم يكن في العالم كله شيء سوى هي. سيلين. لكنني لم أكن وحدي. انطلق سول في اللحظة ذاتها، مندفعاً نحوها بكل ما أوتي من قوة، إلا أن أثينا سبقتنا بحركتها. رفعت يديها، فانفجرت حولنا هالة سحرية هائلة، اصطدمت بأجسادنا وأوقفتنا في أماكننا كما لو أن جبالاً غير مرئية قد هبطت فوق أكتافنا. صرخت وأنا أحاول كسر الحاجز: “أثينا! ماذا تفعلين؟! اتركيني!” لكنها لم تجب. كانت عيناها مثبتتين على سيلين. رأيت وجهها شاحباً بصورة لم أرها عليها من قبل، وشعرت للمرة الأولى أن تلك المرأة التي كانت تبدو دائماً أكثر الموجودين ثباتاً قد بدأت تخشى شيئاً لا تستطيع السيطرة عليه. أما أنا… فكنت أُحطم نفسي محاولاً
دانيال كنتُ أجلس بجانبها تحت ظلال شجرة البلوط العتيقة، أحاول الحفاظ على هدوئي المعتاد، ذلك الهدوء الذي يتوقعه الجميع من ألفا لا يهتز بسهولة… لكن داخلي كان أبعد ما يكون عن السكينة. كان هناك ضجيج كامل يعبث في رأسي. صوتها قبل قليل ما زال يتردد داخلي بصورة مستفزة: “لقد استطعتُ تمييز رائحتك… أنت فقط.
سيلين غادرتُ غرفتي في الطابق الأخير من القلعة ببطء، بينما كان الصمت الثقيل يملأ الممرات الحجرية كضبابٍ غير مرئي. الهواء هنا مختلف… بارد، عتيق، يحمل رائحة الرطوبة القديمة والحديد والرماد، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء الحروب التي شهدتها قبل قرون. أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، ثم رفعت بصري عبر
سيلين استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية دا
دانيال لم تكن معركة، بل كانت مأدبة للموت أُجبرتُ على حضورها. حولي، كان رفاقي يسقطون كأوراق خريفٍ محترقة؛ أجسادٌ تهاوت في صمتٍ مرعب أمام زحف "الظلال" السوداء. لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا ذئاباً.. كانوا ظلالاً تتحرك بسرعةٍ تخترقُ قوانين الزمن، تنهشُ اللحم قبل أن تلمحه العين. كنتُ الأخير.. الألفا الذ







