Share

خيوط الضياء

last update publish date: 2026-03-07 06:28:31

دانيال

كنتُ أجلس بجانبها تحت ظلال شجرة البلوط العتيقة، أحاول الحفاظ على هدوئي المعتاد، ذلك الهدوء الذي يتوقعه الجميع من ألفا لا يهتز بسهولة… لكن داخلي كان أبعد ما يكون عن السكينة.

كان هناك ضجيج كامل يعبث في رأسي.

صوتها قبل قليل ما زال يتردد داخلي بصورة مستفزة:

“لقد استطعتُ تمييز رائحتك… أنت فقط.”

أعدتُ الجملة في ذهني للمرة التي لا أعرف عددها، وشعرتُ بذلك الإحساس الغريب يتمدد داخلي مجددًا.

فخر.

غرور ذكوري خام لا يليق بقائدٍ يفترض به السيطرة على نفسه، ومع ذلك لم أستطع منعه.

من بين كل الموجودين في القطيع… ميزتني أنا.

حواسها اختارتني وحدي.

أغمضتُ عيني للحظة قصيرة وأنا أقاوم ابتسامة كادت تظهر على وجهي دون إذن.

“أراك سعيدًا أكثر من اللازم.”

جاء صوت انديميون ساخرًا من أعماقي.

تنهدت داخليًا.

“أصمت.”

ضحك ذئبي بخفوت، ذلك الصوت الأجش الذي يشبه احتكاك الصخور ببعضها.

“لا أذكر آخر مرة شعرتَ فيها بهذا الارتباك بسبب أنثى.”

تجاهلت سخريته محاولًا التركيز على ما أمامي، لكن وجود سيلين بجانبي جعل المهمة شبه مستحيلة.

كانت تجلس بهدوء تحت الأشعة الذهبية المتسللة بين الأغصان، والنسيم يحرك خصلات شعرها الفضي الطويل ببطء جعلها تبدو وكأنها جزء من حلمٍ قديم لا ينتمي لهذا العالم.

حتى رائحتها…

تلك الرائحة الغريبة التي لا تشبه أي شيء عرفناه من قبل، كانت تعبث بثباتي بطريقة بدأت تقلقني.

خفضتُ صوتي الداخلي أخيرًا:

“ما رأيك يا انديميون؟”

ساد الصمت لثوانٍ داخل رأسي، قبل أن يجيب ذئبي هذه المرة بجدية مختلفة:

“لا أعرف.”

عقدت حاجبي.

وهو أمر نادر.

انديميون لا يتردد عادة.

“ماذا يعني لا أعرف؟”

تحرك صوته داخلي ببطء، وكأنه يحاول فهم الأمر بنفسه:

“ذئبتها صامتة.”

شعرتُ بالتوتر يمر داخلي فورًا.

أكمل:

“لا أستطيع سماعها. لا أشعر بندائها… وكأنها نائمة في مكان عميق جدًا.”

ثم سكت للحظة قبل أن يضيف بصوت أخفض:

“لكن رائحتها تربكني.”

ارتفعت دقات قلبي قليلًا.

“كيف؟”

ضحك بخفة هذه المرة.

“تجعلني أرغب بتمزيق أي شيء يقترب منها.”

مرّت قشعريرة خفيفة في جسدي.

“أرغب بحمايتها… بإبقائها قريبة.”

ثم أضاف بعد صمت قصير:

“وربما… بعدم تركها ترحل أبدًا.”

شددت فكّي محاولًا تجاهل الاضطراب الذي سببه كلامه.

لأن المشكلة…

أنني شعرت بالأمر نفسه.

منذ ظهورها في حياتي، تغير شيء داخلي بطريقة لم أستطع تفسيرها.

عندما تكون قريبة… يهدأ كل شيء.

الضجيج.

الضغط.

حتى ذلك الثقل الذي أحمله كألفا منذ سنوات.

وجودها وحده كان كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة.

رفعتُ نظري إليها مجددًا.

كانت تراقب الأطفال في الجهة البعيدة من الحديقة، وعيناها البنفسجيتان تعكسان ضوء الغروب بطريقة أربكتني أكثر مما يجب.

تحت الشمس المائلة للذهبي، بدت بشرتها الشاحبة مضيئة بشكل غير طبيعي، بينما انسابت خصلات شعرها فوق كتفيها كخيوط فضة حيّة.

كيف يمكن لشخص أن يبدو هشًا… وخطيرًا في الوقت نفسه؟

حتى نظراتها كانت تفعل بي أشياء لا أحب الاعتراف بها.

حدة وهدوء.

برود ونار.

تناقض مستفز بالكامل.

“دانيال…”

قطع صوتها أفكاري فورًا.

التفتُّ إليها بسرعة أكبر مما ينبغي.

“نعم؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها لاحظت شرودي.

“كنتَ بعيدًا جدًا.”

لو تعلمين فقط.

تنهدت بخفة محاولًا استعادة رباطة جأشي.

“أخبريني.”

تغيرت ملامحها قليلًا، وعادت الجدية إلى عينيها.

“هل وجدت أحدًا يستطيع قراءة لغة المخطوطة؟”

شعرتُ بالضيق فورًا.

ذلك السؤال أصبح يثقلني أكثر مع كل يوم يمر دون إجابة.

أبعدت بصري نحو الأشجار قبل أن أجيب:

“ما زلت أبحث.”

كرهتُ العجز الذي شعرت به وأنا أقولها.

“لكنني لم أجد أحدًا بعد.”

ساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن أضيف بسرعة:

“لا يعني هذا أننا لن نجد شيئًا.”

نظرتُ إليها مباشرة.

“نحن ما زلنا في البداية، وسأستمر بالبحث مهما استغرق الأمر.”

راقبتني بهدوء غريب، ثم قالت:

“أنا لست خائفة.”

لكن شيئًا في صوتها أخبرني أن هناك ما يقلقها فعلًا.

خفضت نظرها قليلًا.

“فقط… لا أريد أن أبقى عبئًا عليكم.”

انعقد حاجباي فورًا.

“عبئًا؟”

رفعت كتفيها بخفة محاولة التظاهر بعدم الاكتراث.

“أنا أعيش داخل القلعة، أستهلك موارد القطيع، والجميع يراقبني وكأنني مشكلة تنتظر الانفجار.”

تسلل الانزعاج داخلي فورًا.

لو كانت تعلم فقط…

أن وجودها هنا هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أعود للقلعة كل ليلة دون شعور الاختناق المعتاد.

قلت بحزم:

“لا تقولي هذا مرة أخرى.”

رفعت عينيها نحوي بتفاجؤ خفيف.

تابعت بهدوء أقل:

“لولاكِ… لكنت ميتًا الآن.”

تصلبت ملامحها قليلًا.

“ولولاكِ، لما استعاد القطيع استقراره بهذه السرعة.”

ثم أضفت وأنا أحاول جعل الأمر يبدو منطقيًا:

“الجميع هنا مدين لكِ.”

راقبتني بصمت طويل جعلني أشعر بأنها ترى ما أحاول إخفاءه خلف الكلمات.

وكأنها تدرك أنني أختبئ خلف فكرة “الواجب” حتى لا أواجه شيئًا آخر.

ابتسمت أخيرًا… تلك الابتسامة الصغيرة الغامضة التي بدأت تضعف دفاعاتي تدريجيًا.

ثم اقتربت قليلًا نحوي.

“دانيال…”

حتى طريقة نطقها لاسمي أصبحت تربكني.

قالت وهي تلمس الضمادة فوق عنقها بخفة:

“ألا يمكن أن يكون هذا الوسم مجرد علامة تخص قطيعًا معينًا؟”

تبعتها بعيني فورًا.

“ربما سلالة نادرة… أو عشيرة بعيدة.”

سكتت للحظة ثم أضافت:

“قد يكون هذا أول خيط يقودني إلى موطني.”

تغير شيء داخلي عند سماع الكلمة الأخيرة.

موطنها.

لسبب لم أفهمه، لم أحب فكرة أن يقودها ذلك الخيط بعيدًا عن هنا.

بعيدًا عني.

أبعدتُ الفكرة فورًا قبل أن أسمح لها بالنمو.

ثم تنهدت ببطء.

“سيلين…”

نظرت إليّ باهتمام.

خفضت صوتي قليلًا:

“هناك شيء لم أقله أمام ياسمين.”

تصلب انتباهها فورًا.

قلت ببطء وأنا أسترجع تلك الليلة:

“الضوء البنفسجي الذي خرج من وسمك اليوم…”

شعرتُ بالقشعريرة تعود لجسدي رغم مرور الوقت.

“لقد رأيته من قبل.”

اتسعت عيناها.

تابعت:

“في الليلة التي وجدتكِ فيها.”

عاد المشهد كاملًا إلى رأسي.

الدم.

الألم.

رائحة الموت.

ثم ذلك الضوء الذي شق الظلام فجأة.

“قبل أن أفقد وعيي، رأيت نورًا بنفسجيًا في السماء.”

خفضت صوتي أكثر:

“وعندما استيقظت… كانت جروحي تلتئم، وأنتِ مستلقية بجانبي.”

بقيت تحدق بي بصمت.

أما أنا، فحاولت التمسك بالتفسير المنطقي الوحيد الذي استطعت الوصول إليه.

“ربما تنتمين إلى سلالة نادرة.”

عقدت حاجبيها قليلًا.

أكملت:

“سلالة تمتلك قدرات شفاء مختلفة عن باقي القطعان.”

ثم أشرت نحو الضمادة فوق عنقها.

“وهذا الوسم… قد يكون علامة تميزهم.”

بدا أنها تفكر بالأمر بجدية فعلًا.

ولسببٍ ما، شعرتُ بالراحة لأنها لم تنظر إليّ وكأنني مجنون.

لم نكن بحاجة إلى أساطير الآن.

بل إلى إجابات.

خفضت عينيها نحو الوسم وهمست:

“ربما…”

ثم أضافت بهدوء:

“ربما سأفهم كل شيء عندما تعود ذاكرتي.”

راقبتها للحظة طويلة.

كان هناك حزن خافت في صوتها هذه المرة.

حزن شخص يشعر أن جزءًا منه مفقود في مكان بعيد لا يستطيع الوصول إليه.

وقفتُ أخيرًا، ثم مددت يدي نحوها.

“سنجد الحقيقة.”

رفعت عينيها نحوي.

قلت بثبات:

“مهما كانت.”

ترددت لثانية قصيرة، قبل أن تضع يدها داخل يدي.

وفي اللحظة التي لامستني فيها…

اهتز انديميون داخلي بعنف.

تجمدتُ مكاني فورًا.

مرّت حرارة حادة عبر رابطة الذئب داخلي، قوية لدرجة أن أنفاسي اضطربت للحظة.

“دانيال؟”

رفعتُ بصري إليها بسرعة.

كانت تنظر إليّ باستغراب واضح، بينما بدا أنها لم تشعر بشيء.

لكن انديميون…

كان يهمس داخل رأسي بصوت لم أسمعه منه من قبل.

صوت أقرب إلى الذهول.

“لقد شعرت بها.”

تسارعت نبضات قلبي.

“ماذا شعرت؟”

ساد صمت قصير.

ثم قال ببطء شديد:

“ذئبتها… استيقظت للحظة.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أصداء لاتموس   طعنة الغدر وشعاع القمر الأخير

    سيلين بدأ “بان” يتحرك ببطءٍ شديد، حتى بدا وكأنه يخشى أن يوقظ الهواء من حوله. كانت خطواته محسوبةً بدقة، لا يرفع قدماً إلا بعد أن يتأكد من موضع الأخرى، بينما بقيت قبضته الفولاذية مطبقةً على ذراعي بقوةٍ جعلت أصابعه تنغرس في جلدي. كنتُ أسير أمامه شبه فاقدةٍ للتوازن، أشعر بثقل أنفاسه خلفي، وبالبرودة المنبعثة من جسده. كان يدفعني خطوةً خطوة، كأنه يستخدم جسدي جداراً يفصل بينه وبين دانيال. أما دانيال… فلم يتحرك. كان واقفاً في مكانه، لكن جسده كله كان يرتجف ارتجافاً خفيفاً يكاد لا يُرى. قبضتاه كانتا مضمومتين بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وعضلات عنقه مشدودة إلى أقصى حد، بينما عيناه لم تغادرا وجهي ولو للحظة. لم يكن يخاف على نفسه… بل كان يخشى أن يرتكب حركةً واحدةً خاطئة قد تكون آخر ما أراه منه. أما “أثينا”، فقد بقيت ساكنةً بصورةٍ تكاد تكون مخيفة. كانت تعرف أن لحظةً واحدةً من التهور كفيلةٌ بإفساد كل شيء. ومع ذلك… لاحظتُ شيئاً غريباً. رغم هدوئها، كانت عيناها تراقبان “بان” أكثر مما تراقبانني. وكأنها تنتظر منه شيئاً… أو تخشى شيئاً لم نفهمه بعد. اقترب “بان” أكثر. ثم توقف. ابتسم. ابتسام

  • أصداء لاتموس   الخديعة الملعونة ورماد اللعنة

    سيلين كان دانيال يقف على الطرف الآخر من الساحة، لكنني لم أكن بحاجة إلى النظر إليه لأعرف ما يعتمل في داخله. كان رابطنا الروحي ينبض بيننا بصمت، كخيطٍ غير مرئي يصل قلبين يفصل بينهما العالم كله. لم يكن ينقل الكلمات، بل المشاعر… ولهذا كنت أشعر بكل شيء. كنت أشعر بالنار التي تلتهم صدره. بالذنب الذي يعصر روحه. بالرغبة العارمة التي تكاد تدفعه إلى تمزيق كل شيء والوصول إليّ مهما كان الثمن. كان يحاول بكل ما بقي لديه من قوة أن يخفي تلك العاصفة عني، لكن الرابط بيننا كان أصدق من أي محاولة للكتمان. كنت أستشعر ارتجاف أنفاسه، وتوتر عضلاته، وحتى ذلك الصراع المرير الذي يخوضه بين قلبه وعقله. كان يعلم أن أي خطوة متهورة قد تكون نهايتي. ولهذا بقي واقفاً… واقفاً فقط. وذلك كان أقسى عذاب يمكن أن يُفرض على رجل مثله. أما أنا، فكنت أشعر بعجزي ينهشني ببطء. لو استطعت فقط أن أطمئنه… أن أخبره أن رؤيته وحدها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلبي. لكن الكلمات خانتني، ولم يبق بيننا إلا العيون. رفع دانيال بصره نحوي. ولوهلةٍ قصيرة، اختفى العالم كله. لم أعد أرى الغابة، ولا الظلام، ولا أثينا، ولا

  • أصداء لاتموس   في ظلال الهاوية: العرض الأخير

    سيلينكانت النيران تلتهم أحشائي مع كل ثانيةٍ تمضي بين جدران ذلك الكهف الكئيب. لم يكن الزمن يتحرك، بل كان يقطر فوق روحي قطرةً قطرة، وكلما وقعت عيناي على “بان” الجالس أمامي، ازددتُ شعوراً بأنني أختنق داخل سجنٍ لا جدران له سوى حضوره. كنتُ أقاوم الانهيار بكل ما تبقى لدي من قوة، لكن أمنيةً واحدة فقط ظلت تتردد في أعماقي بإلحاحٍ موجع… أن أرى “دانيال” مرةً أخيرة، ولو للحظةٍ عابرة، قبل أن يبتلعني هذا الظلام إلى الأبد.كان “بان” يراقبني بصمتٍ مريب، كأنه يستمتع بثقل الوقت وهو يسحقني ببطء. لم أعد أفهم ما الذي كان يحاول إثباته بهذا الأسر الطويل؛ لم يكن يتحدث، ولم يكن يهدد، بل كان وجوده وحده كافياً ليجعل الكهف يبدو أكثر اختناقاً، وكأن الهواء نفسه يرفض المرور من بيننا.وفجأة…تسلل إلى أطرافي إحساسٌ غريب لم أشعر به منذ لحظة اختطافي. خفةٌ مفاجئة، كأن جبلاً كاملاً قد ارتفع عن صدري. انعقد حاجباي بدهشة، وأنزلت بصري نحو معصمي، فرأيت الهالة السماوية التي كانت تطوق القيود السحرية ترتجف، ثم بدأت تتشقق بصمت، قبل أن تتلاشى شيئاً فشيئاً كذرات ضوء حملها الهواء.حبستُ أنفاسي.لم يكن ذلك مجرد انكسارٍ لسحر…لقد سقط

  • أصداء لاتموس   سراديب الظلام وصرخة في الهاوية

    سيلينكنتُ أحاول انتزاع دقائق معدودة من النوم، أستجدي بها راحةً لجسدٍ أنهكه الخوف والبكاء، حين دوّى صوتٌ هائل مزّق سكون الغرفة. اهتز الباب بعنف، ثم اندفع إلى الداخل مرتطماً بالجدار حتى ارتجّت الحجارة من حوله.انتفضتُ من مكاني مذعورة، والتصقتُ بآخر زاويةٍ في السرير، أشد الغطاء إلى صدري بيدين مرتجفتين، بينما تجمدت أنفاسي في حلقي.كان “بان”.وقف عند العتبة لحظةً، يحدق بي بصمت. لم يكن الغضب وحده ما يكسو ملامحه، بل شيءٌ آخر… شيءٌ أكثر ظلمةً واضطراباً، كأن ناراً قديمةً كانت تلتهمه من الداخل ولم تعد تجد ما يكفي لإخمادها.ثم تحرك.لم يركض، ولم يندفع. كان يسير نحوي بخطواتٍ ثابتة، ثقيلة، يتردد صداها داخل الغرفة كأن كل خطوةٍ تعلن اقتراب كارثة.ازداد التصاقي بالحائط حتى شعرت أن ظهري سيغوص فيه، بينما راحت عيناي تراقبان اقترابه بعجزٍ كامل.توقف أمام السرير، ومد يده فجأة.انخطف الغطاء من فوقي بعنف حتى كاد يتمزق بين أصابعه، فانطلقت مني شهقةٌ مرتجفة. وقبل أن أستطيع الابتعاد، انطبقت أصابعه الخشنة حول معصمي بقوةٍ جعلت الألم يخترق عظامي.صرخت.لكن الصرخة لم تكتمل.كتم فمي بكفه الضخمة، وفي اللحظة نفسها رف

  • أصداء لاتموس   حكم الآلهة

    دانيال“إذا كان هذا ما يجب فعله.. فلستُ أمانع الإطلاق!”ما إن أنهى “إيريس” كلماته حتى انطلق نحوي كنيزكٍ هابط من السماء. كانت الأرض ترتج تحت قدميه مع كل خطوة، بينما لمع الرمح الذهبي بين يديه بوميضٍ حارق، وانبعث من نصله الأحمر القاني وهجٌ مخيف جعل الهواء المحيط به يتموج كما لو أنه يوشك على الاشتعال.ثبتُّ قدمي في مكاني.لم أتراجع.ولم أرمش حتى.كانت عيناي معلقتين بذلك النصل المتجه مباشرةً نحو صدري، بينما أخذت أنفاسي تتباطأ شيئاً فشيئاً، وكأن الزمن نفسه بدأ يفقد سرعته المعتادة.وفي اللحظة التي لم يبقِ فيها بيني وبين الرمح سوى شبرٍ واحد…توقف كل شيء.لم يكن مجرد تباطؤ…بل بدا وكأن الكون بأسره قد حبس أنفاسه.سكن الهواء.وتجمد الغبار المتطاير في الفضاء.حتى أصوات الحجارة التي كانت لا تزال تتدحرج فوق أرض القلعة خمدت بصورةٍ غريبة، وكأن قوةً خفية فرضت الصمت على الوجود بأسره.اتسعت عيناي بدهشة.وقبل أن أستوعب ما يحدث…شق خيطٌ من الضوء الأبيض الفضاء بيننا.لم يكن برقاً.ولم يكن سحراً مألوفاً.بل بدا كأن السماء نفسها قد فتحت نافذةً صغيرة، تسرب منها نورٌ نقي لا يشبه أي نورٍ رأيته من قبل.ومن قلب ذ

  • أصداء لاتموس   صدام القوى

    دانيالعندما وصلتُ إلى نقطة اللقاء، توقفتُ دون وعي.كانت القلعة تنتصب أمامي كوحشٍ حجري خرج لتوّه من أعماق كابوسٍ قديم.قبل زمن ليس ببعيد، لم يكن في هذا المكان سوى أطلالٍ غامضة تبتلعها الأشجار والضباب، أما الآن…فقد انكشف كل شيء.كان السحر الأسود الذي أخفى وجودها قد زال، فانكشفت أسوارها الشاهقة، وقد بدت كأنها تمزق السماء برؤوس أبراجها المدببة. كانت حجارتها سوداء قاتمة، يكسوها الزمن، وتتخللها شقوقٌ عميقة توحي بأن هذا المكان شهد حروباً لا تُحصى.لم يكن في القلعة أي أثر للحياة.ولا حتى لصوت طائر.كنت اعلم أن “سول” قد طهّر محيط القلعة من مصاصي الدماء والسحرة الهجناء الذين كانوا يحرسونها، تاركاً الطريق مفتوحاً أمامي.ورغم ذلك…لم أشعر بالطمأنينة.بل كان الهدوء نفسه يثير الريبة.ذلك الصمت الذي يسبق الكارثة.أخذتُ خطوة إلى الأمام.ثم أخرى.كان وقع حذائي فوق الحجارة الباردة يتردد بين الجدران الخالية، فيعود إليّ كأنه وقع خطوات شخصٍ آخر يسير خلفي.تحركتُ ببطء، وعيناي لا تكفان عن التجوال بين النوافذ المظلمة، والأقواس الحجرية، وزوايا الساحة الواسعة.كل ظلٍ بدا وكأنه يخفي قاتلاً.وكل بابٍ مواربٍ بد

  • أصداء لاتموس   طاولة الرؤس السبعة

    دانيال لم تكن معركة، بل كانت مأدبة للموت أُجبرتُ على حضورها. حولي، كان رفاقي يسقطون كأوراق خريفٍ محترقة؛ أجسادٌ تهاوت في صمتٍ مرعب أمام زحف "الظلال" السوداء. لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا ذئاباً.. كانوا ظلالاً تتحرك بسرعةٍ تخترقُ قوانين الزمن، تنهشُ اللحم قبل أن تلمحه العين. كنتُ الأخير.. الألفا الذ

  • أصداء لاتموس   عبير الأنتماء

    سيلين خرجتُ من العيادة برفقة دانيال، بينما ظلّ ثقل ما حدث هناك يرافقني كظلٍ لا يفارقني. كانت الضمادة الملتفة حول عنقي تخفي ذلك الوسم الغريب عن أعين الجميع… لكنها لم تستطع إخفاء شعوري به. كل بضع خطوات، كنتُ أحسّ بنبضةٍ خافتة تحت جلدي، وكأن شيئًا ما مستيقظ هناك… يراقب. سرنا عبر الممرات الحجرية العر

  • أصداء لاتموس   وسم النور

    سيلين غادرتُ غرفتي في الطابق الأخير من القلعة ببطء، بينما كان الصمت الثقيل يملأ الممرات الحجرية كضبابٍ غير مرئي. الهواء هنا مختلف… بارد، عتيق، يحمل رائحة الرطوبة القديمة والحديد والرماد، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء الحروب التي شهدتها قبل قرون. أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، ثم رفعت بصري عبر

  • أصداء لاتموس   ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

    سيلين استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية دا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status