FAZER LOGINدانيال
كنتُ أجلس بجانبها تحت ظلال شجرة البلوط العتيقة، أحاول الحفاظ على هدوئي المعتاد، ذلك الهدوء الذي يتوقعه الجميع من ألفا لا يهتز بسهولة… لكن داخلي كان أبعد ما يكون عن السكينة. كان هناك ضجيج كامل يعبث في رأسي. صوتها قبل قليل ما زال يتردد داخلي بصورة مستفزة: “لقد استطعتُ تمييز رائحتك… أنت فقط.” أعدتُ الجملة في ذهني للمرة التي لا أعرف عددها، وشعرتُ بذلك الإحساس الغريب يتمدد داخلي مجددًا. فخر. غرور ذكوري خام لا يليق بقائدٍ يفترض به السيطرة على نفسه، ومع ذلك لم أستطع منعه. من بين كل الموجودين في القطيع… ميزتني أنا. حواسها اختارتني وحدي. أغمضتُ عيني للحظة قصيرة وأنا أقاوم ابتسامة كادت تظهر على وجهي دون إذن. “أراك سعيدًا أكثر من اللازم.” جاء صوت انديميون ساخرًا من أعماقي. تنهدت داخليًا. “أصمت.” ضحك ذئبي بخفوت، ذلك الصوت الأجش الذي يشبه احتكاك الصخور ببعضها. “لا أذكر آخر مرة شعرتَ فيها بهذا الارتباك بسبب أنثى.” تجاهلت سخريته محاولًا التركيز على ما أمامي، لكن وجود سيلين بجانبي جعل المهمة شبه مستحيلة. كانت تجلس بهدوء تحت الأشعة الذهبية المتسللة بين الأغصان، والنسيم يحرك خصلات شعرها الفضي الطويل ببطء جعلها تبدو وكأنها جزء من حلمٍ قديم لا ينتمي لهذا العالم. حتى رائحتها… تلك الرائحة الغريبة التي لا تشبه أي شيء عرفناه من قبل، كانت تعبث بثباتي بطريقة بدأت تقلقني. خفضتُ صوتي الداخلي أخيرًا: “ما رأيك يا انديميون؟” ساد الصمت لثوانٍ داخل رأسي، قبل أن يجيب ذئبي هذه المرة بجدية مختلفة: “لا أعرف.” عقدت حاجبي. وهو أمر نادر. انديميون لا يتردد عادة. “ماذا يعني لا أعرف؟” تحرك صوته داخلي ببطء، وكأنه يحاول فهم الأمر بنفسه: “ذئبتها صامتة.” شعرتُ بالتوتر يمر داخلي فورًا. أكمل: “لا أستطيع سماعها. لا أشعر بندائها… وكأنها نائمة في مكان عميق جدًا.” ثم سكت للحظة قبل أن يضيف بصوت أخفض: “لكن رائحتها تربكني.” ارتفعت دقات قلبي قليلًا. “كيف؟” ضحك بخفة هذه المرة. “تجعلني أرغب بتمزيق أي شيء يقترب منها.” مرّت قشعريرة خفيفة في جسدي. “أرغب بحمايتها… بإبقائها قريبة.” ثم أضاف بعد صمت قصير: “وربما… بعدم تركها ترحل أبدًا.” شددت فكّي محاولًا تجاهل الاضطراب الذي سببه كلامه. لأن المشكلة… أنني شعرت بالأمر نفسه. منذ ظهورها في حياتي، تغير شيء داخلي بطريقة لم أستطع تفسيرها. عندما تكون قريبة… يهدأ كل شيء. الضجيج. الضغط. حتى ذلك الثقل الذي أحمله كألفا منذ سنوات. وجودها وحده كان كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة. رفعتُ نظري إليها مجددًا. كانت تراقب الأطفال في الجهة البعيدة من الحديقة، وعيناها البنفسجيتان تعكسان ضوء الغروب بطريقة أربكتني أكثر مما يجب. تحت الشمس المائلة للذهبي، بدت بشرتها الشاحبة مضيئة بشكل غير طبيعي، بينما انسابت خصلات شعرها فوق كتفيها كخيوط فضة حيّة. كيف يمكن لشخص أن يبدو هشًا… وخطيرًا في الوقت نفسه؟ حتى نظراتها كانت تفعل بي أشياء لا أحب الاعتراف بها. حدة وهدوء. برود ونار. تناقض مستفز بالكامل. “دانيال…” قطع صوتها أفكاري فورًا. التفتُّ إليها بسرعة أكبر مما ينبغي. “نعم؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها لاحظت شرودي. “كنتَ بعيدًا جدًا.” لو تعلمين فقط. تنهدت بخفة محاولًا استعادة رباطة جأشي. “أخبريني.” تغيرت ملامحها قليلًا، وعادت الجدية إلى عينيها. “هل وجدت أحدًا يستطيع قراءة لغة المخطوطة؟” شعرتُ بالضيق فورًا. ذلك السؤال أصبح يثقلني أكثر مع كل يوم يمر دون إجابة. أبعدت بصري نحو الأشجار قبل أن أجيب: “ما زلت أبحث.” كرهتُ العجز الذي شعرت به وأنا أقولها. “لكنني لم أجد أحدًا بعد.” ساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن أضيف بسرعة: “لا يعني هذا أننا لن نجد شيئًا.” نظرتُ إليها مباشرة. “نحن ما زلنا في البداية، وسأستمر بالبحث مهما استغرق الأمر.” راقبتني بهدوء غريب، ثم قالت: “أنا لست خائفة.” لكن شيئًا في صوتها أخبرني أن هناك ما يقلقها فعلًا. خفضت نظرها قليلًا. “فقط… لا أريد أن أبقى عبئًا عليكم.” انعقد حاجباي فورًا. “عبئًا؟” رفعت كتفيها بخفة محاولة التظاهر بعدم الاكتراث. “أنا أعيش داخل القلعة، أستهلك موارد القطيع، والجميع يراقبني وكأنني مشكلة تنتظر الانفجار.” تسلل الانزعاج داخلي فورًا. لو كانت تعلم فقط… أن وجودها هنا هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أعود للقلعة كل ليلة دون شعور الاختناق المعتاد. قلت بحزم: “لا تقولي هذا مرة أخرى.” رفعت عينيها نحوي بتفاجؤ خفيف. تابعت بهدوء أقل: “لولاكِ… لكنت ميتًا الآن.” تصلبت ملامحها قليلًا. “ولولاكِ، لما استعاد القطيع استقراره بهذه السرعة.” ثم أضفت وأنا أحاول جعل الأمر يبدو منطقيًا: “الجميع هنا مدين لكِ.” راقبتني بصمت طويل جعلني أشعر بأنها ترى ما أحاول إخفاءه خلف الكلمات. وكأنها تدرك أنني أختبئ خلف فكرة “الواجب” حتى لا أواجه شيئًا آخر. ابتسمت أخيرًا… تلك الابتسامة الصغيرة الغامضة التي بدأت تضعف دفاعاتي تدريجيًا. ثم اقتربت قليلًا نحوي. “دانيال…” حتى طريقة نطقها لاسمي أصبحت تربكني. قالت وهي تلمس الضمادة فوق عنقها بخفة: “ألا يمكن أن يكون هذا الوسم مجرد علامة تخص قطيعًا معينًا؟” تبعتها بعيني فورًا. “ربما سلالة نادرة… أو عشيرة بعيدة.” سكتت للحظة ثم أضافت: “قد يكون هذا أول خيط يقودني إلى موطني.” تغير شيء داخلي عند سماع الكلمة الأخيرة. موطنها. لسبب لم أفهمه، لم أحب فكرة أن يقودها ذلك الخيط بعيدًا عن هنا. بعيدًا عني. أبعدتُ الفكرة فورًا قبل أن أسمح لها بالنمو. ثم تنهدت ببطء. “سيلين…” نظرت إليّ باهتمام. خفضت صوتي قليلًا: “هناك شيء لم أقله أمام ياسمين.” تصلب انتباهها فورًا. قلت ببطء وأنا أسترجع تلك الليلة: “الضوء البنفسجي الذي خرج من وسمك اليوم…” شعرتُ بالقشعريرة تعود لجسدي رغم مرور الوقت. “لقد رأيته من قبل.” اتسعت عيناها. تابعت: “في الليلة التي وجدتكِ فيها.” عاد المشهد كاملًا إلى رأسي. الدم. الألم. رائحة الموت. ثم ذلك الضوء الذي شق الظلام فجأة. “قبل أن أفقد وعيي، رأيت نورًا بنفسجيًا في السماء.” خفضت صوتي أكثر: “وعندما استيقظت… كانت جروحي تلتئم، وأنتِ مستلقية بجانبي.” بقيت تحدق بي بصمت. أما أنا، فحاولت التمسك بالتفسير المنطقي الوحيد الذي استطعت الوصول إليه. “ربما تنتمين إلى سلالة نادرة.” عقدت حاجبيها قليلًا. أكملت: “سلالة تمتلك قدرات شفاء مختلفة عن باقي القطعان.” ثم أشرت نحو الضمادة فوق عنقها. “وهذا الوسم… قد يكون علامة تميزهم.” بدا أنها تفكر بالأمر بجدية فعلًا. ولسببٍ ما، شعرتُ بالراحة لأنها لم تنظر إليّ وكأنني مجنون. لم نكن بحاجة إلى أساطير الآن. بل إلى إجابات. خفضت عينيها نحو الوسم وهمست: “ربما…” ثم أضافت بهدوء: “ربما سأفهم كل شيء عندما تعود ذاكرتي.” راقبتها للحظة طويلة. كان هناك حزن خافت في صوتها هذه المرة. حزن شخص يشعر أن جزءًا منه مفقود في مكان بعيد لا يستطيع الوصول إليه. وقفتُ أخيرًا، ثم مددت يدي نحوها. “سنجد الحقيقة.” رفعت عينيها نحوي. قلت بثبات: “مهما كانت.” ترددت لثانية قصيرة، قبل أن تضع يدها داخل يدي. وفي اللحظة التي لامستني فيها… اهتز انديميون داخلي بعنف. تجمدتُ مكاني فورًا. مرّت حرارة حادة عبر رابطة الذئب داخلي، قوية لدرجة أن أنفاسي اضطربت للحظة. “دانيال؟” رفعتُ بصري إليها بسرعة. كانت تنظر إليّ باستغراب واضح، بينما بدا أنها لم تشعر بشيء. لكن انديميون… كان يهمس داخل رأسي بصوت لم أسمعه منه من قبل. صوت أقرب إلى الذهول. “لقد شعرت بها.” تسارعت نبضات قلبي. “ماذا شعرت؟” ساد صمت قصير. ثم قال ببطء شديد: “ذئبتها… استيقظت للحظة.”سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر
سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.
سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل
سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا
سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق
سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.
فتحتُ عينيَّ على خيوط الشمس الذهبية وهي تتسلل برفقٍ إلى أركان الغرفة، كأنها تعلن ميلاد يومٍ جديد بعد ليلةٍ لم يشهد لها الزمان مثيلًا. كان الضوء دافئًا… مختلفًا، كأنه يعرف ما مررنا به، ويمنحنا بدايةً أهدأ، أرحم. كان دانيال لا يزال غارقًا في نومٍ عميق، وذراعاه القويتان تحيطان بي بإحكام، كأنني كنزٌ
نظرتُ في عينيه المتوهجتين، وصرختُ داخليًا بكل ما تبقى فيّ من رجاء: “دانيال… عد إليّ! سيطر على الوحش، ارجع لشكلِك البشري قبل أن يحرقك هذا التحول!” لكن الرد لم يأتِ كهمسٍ مطمئن، ولا كإشارةٍ للنجاة… بل جاء كصاعقةٍ تسقط على آخر ما تبقّى من أملٍ في صدري. اجتاحني صوته، حادًا، محمّلًا بثقل الحقيقة:
لكنَّ شيئًا انكسر في نسيج تلك اللحظة—خللٌ خفيّ لم أحسب له حسابًا، تسلل كشقٍّ مظلم في قلب الاكتمال. فجأة، وبلا أي إنذار، أفلتني دانيال، وانسحب بجسده الضخم بعيدًا، كأن اقترابي منه صار نارًا تحرقه. تراجع خطوةً… ثم أخرى، وجسده يهتزّ بعنفٍ غريب. انطلق منه أنينٌ مرّ، صوتٌ ممزق كأنه يُنتزع من أعماق روحه
توارى العالم خلف أسوار جناحنا، حتى فقد الزمن ملامحه، ولم نعد نحصي الساعات التي ذابت ونحن نغرق في بعضنا، نعيد اكتشاف تضاريس الجسد بلمساتٍ تنبض شوقًا وتشتعل حياة. كان كل شيء منغلقًا علينا، مكتفيًا بنا، إلى أن بدأ نداء خفيّ يتسلل عبر المسام، كهمسٍ قديمٍ يعرف الطريق إلى الروح. تسلل ضوء القمر الفضي من







