ログイン
دانيال
لم تكن معركة، بل كانت مأدبة للموت أُجبرتُ على حضورها. حولي، كان رفاقي يسقطون كأوراق خريفٍ محترقة؛ أجسادٌ تهاوت في صمتٍ مرعب أمام زحف "الظلال" السوداء. لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا ذئاباً.. كانوا ظلالاً تتحرك بسرعةٍ تخترقُ قوانين الزمن، تنهشُ اللحم قبل أن تلمحه العين. كنتُ الأخير.. الألفا الذي يقفُ وحيداً وسط بركةٍ من دماء شعبه، أصارعُ موتاً حتمياً بأسنانٍ كليلة وروحٍ منهكة. غرزتُ أنيابي في حنجرة ظلٍّ بارد، لكنَّ عددهم كان كالبحر الذي لا ينضب. ومع كل طعنة مخلبٍ تخترقُ صدري، كانت قوتي تتسربُ مع دمائي الدافئة فوق العشب البارد. انهرتُ أخيراً.. سقطتُ على ركبتيّ مستسلماً لجراحي التي لا تُحصى، وأغمضتُ عينيّ أنتظرُ الضربة القاضية التي ستطوي صفحة "حياتي" للأبد. وفجأة.. انشقَّت السماء. انفجر ضوءٌ باهر، أبيض كالفضة ومقدس كالصاعقة، ليفجر عتمة المكان. سمعتُ صرخاتٍ غريبة، عويلاً لا ينتمي لهذا العالم، ووقع أقدامٍ تهربُ بذعرٍ من ذاك النور الغاشم. شعرتُ بقوةٍ مجهولة تسري في عروقي، نبضٌ جديد يضخُّ الحياة في أطرافي المحطمة. فتحتُ عينيّ بذهول؛ جراحي التي كانت تنزف قبل ثوانٍ بدأت تلتحمُ بسرعةٍ خرافية، تاركةً خلفها ندوباً بيضاء تحكي قصة معجزة. وقفتُ وسط ركام الجثث، رفاقي وأعدائي، لكنَّ بصري لم يرَ سوى "شيءٍ" واحد. هناك، وسط الدماء والخراب، كانت ترقدُ هي. فتاةٌ بدت وكأنها سقطت من الجنة مباشرةً إلى هذا الجحيم. بشرتها مرمرية تشعُّ بنورٍ خافت، وشعرها الأبيض الطويل يمتدُّ فوق الأرض كخيوط القمر. كانت رقيقةً لدرجةٍ جعلت أنفاسي تتوقف، جسدٌ منحوتٌ بجمالٍ طاغٍ يكسرُ قسوة المشهد حولي. شعرتُ بشيءٍ في أعماقي، برباطٍ لا أفهمه، يشدُّني نحوها بقوةٍ لا تُقاوم. اقتربتُ منها، أتحسسُ وجودها بذهول، حين اخترق هدوء اللحظة صوتٌ جهوري غليظ؛ كانت التعزيزات قد وصلت أخيراً. **"تأكدوا من موت الجميع! احرقوا الجثث.. لا تتركوا أثراً لهذا الدنس!"** تقدم أحد المحاربين نحو الفتاة، مشهراً سيفه باعتبارها عدواً محتملاً. في تلك اللحظة، لم أفكر. انبعثت من حنجرتي زمجرةٌ وحشية زلزلت المكان، زمجرةُ "ألفا" يعلنُ للعالم أنَّ هذه الفتاة هي ملكيته الخاصة. تراجع المحارب بذعر، بينما انحنيتُ لأحملها بين ذراعيّ وهي فاقدة الوعي . كانت خفيفةً كالحلم، ودافئةً برغم برودة المكان. توجهتُ بها نحو القلعة، وجراحي -رغم التئامها- كانت لا تزال تئنُّ تحت وطأة الذكرى، لكنَّ ثقلها الجميل في حضني كان هو الوجع الوحيد الذي لم أرغب في الشفاء منه. مرّ شهرٌ كامل على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء فوق وادي "لاتموس"، ليلةٌ لم تترك وراءها سوى السكون وبقايا ضوء فضي غامض. ثلاثون يوماً ودانيال، الألفا الشاب الذي نحتت المسؤولية المبكرة ملامحه الحادة، يشعر بأن شيئاً ما في أعماقه قد تآكل من قسوته المعهودة. كان يجد نفسه، دون وعي، يختلق الأعذار ليقضي وقتاً أطول مع تلك الغريبة التي أسماها "سيلين"؛ كان يقنع نفسه بأن التقرب منها مجرد واجب قيادي لسبر أغوارها ومساعدتها على استرجاع ذاكرتها المفقودة، لكن في قرارة نفسه، كان يترقب وقع خطواتها الهادئة بجانبه في الحديقة، ويستأنس بصوتها الرقيق الذي يكسر صمت مائدة الطعام. كانت أحاديثهما اليومية، الحذرة والمغلفة باحترامٍ غريب، هي الجسر الوحيد الذي يربط فتاةً بلا ماضي برجلٍ يحاول بكل قوته نسيان ماضيه؛ ذلك الماضي الملطخ بدماء والديه واللحظة التي أُلقي فيها ثقل القيادة على كتفيه وهو لا يزال غضاً، مما خلف في روحه صدمةً لا يداويها سوى هذا الهدوء الذي تنشره سيلين حولها. في قاعة المجلس الحجرية، حيث تفوح رائحة الخشب القديم والتوتر، كان الجو يغلي كمرجلٍ على وشك الانفجار. جلس جون (34 عاماً)، الأخ الأكبر لدانيال، في صدارة الجانب الأيمن. كان ضخم البنية بشكلٍ مرعب، وشعره الأسود الذي غزاه الشيب عند الصدغين يجعله نسخة طبق الأصل عن والدهما الراحل، مما كان يثير في نفس دانيال مزيجاً من الاحترام والألم. وبجانبه جلست زوجته صوفي، امرأة باردة الملامح بجمالٍ جليدي، تنتمي لقطيع الشمال القوي؛ كان زواجهما تحالفاً سياسياً بحتاً صاغه جون ببرود القادة، فهو الذي لم يعثر على شريكته الحقيقية أبداً، فقرر وأد قلبه والارتباط بصوفي لتعزيز نفوذ عائلته وحماية حدودهم، وهو ما جعله يرى في "لين" دانيال تجاه سيلين ترفاً لا يملكه من يحمل دماء الألفا. على الجانب الآخر، كان ديفيد (29 عاماً)، الأخ الأوسط والمقرب لقلب دانيال، يكسر حدة الجو بابتسامته الهادئة وبنيته الرياضية المتينة، بينما كانت شريكته ياسمين، طبيبة القطيع ذات الشعر الأحمر الناري، تراقب نبض القلوب بعينيها العسلية التي لا تخدعها الكلمات. أما كميل (27 عاماً)، البيتا المخلص وصديق طفولة دانيال، فكان يقف كالسد المنيع خلف الألفا، بينما جلست شريكته ميرا بصلابة تحسد عليها. ميرا، ابنة الألفا التي تربت على أن منصب "اللونا" هو أمانة مقدسة لا تُمنح إلا لمن تستحقها قوةً ونسباً، لم تكن تحقد على سيلين، بل كانت تنظر إليها بعين القلق والريبة؛ فهي ترى أن منصب اللونا يجب أن تشغله امرأة صلبة تكون سنداً للقطيع، وليست فتاةً مجهولة، باهتة الحضور، وتبدو في غاية الضعف والضياع. بالنسبة لميرا، كان السماح لغريبة بلا ذئب أو تاريخ بالتقرب من مركز السلطة يمثل إهانة للأعراف التي ضحت هي بالكثير من أجلها. ضرب جون الطاولة بيده الضخمة، فاهتزت الكؤوس وتردد صدى الضربة في أرجاء القاعة: "لقد طال الأمر يا دانيال! وجود غريبة في قلب العرين، تشاركك طعامك وتمشي في حديقتك بلا رتبة أو هوية، هو خرقٌ صارخ لكل الأعراف التي تربينا عليها. القطيع يتساءل في الخفاء.. هل نسينا دماءنا وقوانيننا من أجل وجهٍ غريب لا نملك عنه خبراً؟". لم يرد دانيال بكلمة واحدة، بل اكتفى بالالتفاف نحو أخيه ببطء، وألقى عليه نظرة قاسية ومحذرة؛ نظرة "ألفا" لا يقبل أن تُنازع سلطته، مما جعل القاعة تغرق في صمتٍ ثقيل ومهيب. تابعت ميرا بنبرة رصينة، مغلفة بحرصها على بروتوكولات القطيع: "نحن نهتم لأمننا واستقرارنا يا دانيال. سكوتك عن هوية هذه الفتاة يفتح باباً للهواجس. إنها لا تملك حتى اسماً حقيقياً، فكيف نثق بمستقبلها بيننا وهي لا تملك ماضياً؟". هنا، تدخلت ياسمين بذكائها المعهود، وضعت يدها برقة على الطاولة وقالت بصوت ناعم وجازم: "ميرا، سيلين ليست خطراً على أحد. لقد قضيت معها وقتاً كافياً لأعرف أن قلبها لا يحمل سوى البراءة والضياع المطلق.. إنها روح مكسورة وجدت ملجأها بيننا، ودورنا كعائلة وقطيع هو الاحتواء والرحمة، لا المحاكمة الجائرة". أمالت ميرا رأسها بابتسامة غامضة لم تصل لعينها، بينما ظل دانيال صامتاً، يراقب الجميع بعينين ذهبيتين تعلنان أن سيلين خط أحمر لا يقبل النقاش. وقف دانيال معلناً نهاية المجلس بصرامة، فانسحب الجميع . وعند الباب، التفت جون بلمحة سريعة لم يلحظها أحد وسط الزحام؛ تلاشت قسوته المصطنعة لثانية واحدة، وحلت مكانها نظرة خوفٍ حقيقي وقلقٍ عميق على أخيه الصغير، نظرة رجلٍ يخشى أن يحترق دانيال بالنور الذي يحاول حمايته، قبل أن يستدير ويختفي في الممر المظلم، تاركاً دانيال وحيداً يصارع أشباح ماضيه وتساؤلات حاضره.سيلين تلاشت الحدود الفاصلة بين الأيام والليالي حتى أصبحت مجرد خطوطٍ باهتة لا أستطيع تمييزها. لم أعد أعرف إن كان أسبوعٌ قد مرّ على وجودي هنا أم شهرٌ أم دهرٌ كامل. الزمن داخل هذا المكان لم يكن يسير بالطريقة الطبيعية التي اعتدتها؛ كان يتمدد ببطءٍ مؤلم، كوحشٍ يتلذذ بابتلاع الدقائق والثواني أمام عينيّ. كل يومٍ كان نسخةً مشوهة عن سابقه. أستيقظ. آكل بضع لقيماتٍ بالكاد تستطيع معدتي تقبلها. أتجول في أروقة القصر. ثم أعود إلى غرفتي. وأنتظر. أنتظر ماذا؟ لم أكن أعرف. لكنني كنتُ أنتظر شيئاً ما. أي شيء. صوتاً. خبراً. معجزة. أو حتى كارثة تنهي هذا الانتظار الخانق. كان القصر ضخماً إلى حدٍ يفوق الوصف. كل زاوية فيه تنطق بالعظمة والقوة. الأعمدة الحجرية الشاهقة كانت ترتفع كأنها تحمل السماء فوق أكتافها، والثريات العملاقة المعلقة في السقوف المرتفعة كانت تتلألأ بأضواءٍ باهتة تشبه ضوء القمر المحتضر. ومع ذلك… لم أشعر يوماً أن هذا المكان حي. بل على العكس. كان أقرب إلى قبرٍ هائل. قبرٍ مزخرفٍ بالفخامة. أحياناً كنتُ أسير لساعاتٍ في الممرات الطويلة دون أن أصادف إنساناً واحداً. لا خدم. لا حر
سيلين ركضتُ بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي نحو غرفتي، وكأن شياطين العالم بأسره تطاردني من الخلف. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف داخل صدري، حتى شعرتُ أن ضلوعي ستتمزق من فرط الضغط. كل ما حدث قبل لحظات كان يدور في رأسي كدوامة سوداء تبتلع كل محاولة للفهم. اندفعتُ عبر الباب واقتحمتُ الغرفة، ثم أغلقتُه خلفي بعجلةٍ هستيرية، ودفعته بظهري للتأكد من أنه أُحكم إغلاقه تماماً. تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، ثم ارتميتُ فوق السرير بلا قوة، وانكمشتُ على نفسي كطفلةٍ ضائعة تبحث عن زاوية تختبئ فيها من العالم. كانت الغرفة ساكنة. ساكنة إلى درجةٍ مخيفة. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة وارتجاف قلبي الذي أخذ يطرق داخل صدري بعنفٍ مؤلم. حدقتُ في السقف المظلم، لكنني لم أره حقاً. كل ما كنتُ أراه هو عيناه. عينا “بان”. تلك النظرات التي رمقني بها قبل قليل. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن صورته ازدادت وضوحاً. لم يكن يريد قتلي. كنتُ متأكدة من ذلك. لو أراد قتلي لفعلها. “بان” لا يتردد عندما يقرر أمراً. وليس من النوع الذي يمنح خصومه فرصةً ثانية. ومع ذلك… شيءٌ ما منعه. شيءٌ ما جعل تلك النظرات تختلف عن كل ما رأيته سابقاً.
سيلينسرتُ بخفةٍ وحذر عبر الممرات الشاغرة.كانت خطواتي بطيئة إلى حدٍ مبالغ فيه، حتى إنني أصبحت أراقب المكان قبل أن أرفع قدمي لكل خطوة جديدة.لم أكن أعرف هذا القصر.ولم أكن أثق به.كان هادئاً أكثر مما ينبغي.هادئاً بطريقةٍ تجعل المرء يشعر وكأن الجدران نفسها تراقبه.كل شيء بدا مرتباً بصورة مثالية.الممرات نظيفة.الأرضيات مصقولة.والشموع الموزعة على الجدران تلقي ظلالاً طويلة متراقصة فوق السجاد الداكن.لكن رغم ذلك…لم أشعر بالأمان.بل على العكس.كلما تعمقت أكثر داخل القصر، ازداد إحساسي بأنني دخيلة على مكانٍ لا يجب أن أكون فيه.وضعت يدي على معدتي التي كانت لا تزال تحتج بصوتٍ خافت.وحاولت التركيز على هدفي البسيط.إيجاد المطبخ.إيجاد أي شيء يؤكل.أي شيء يبعدني عن التفكير في كل ما يحدث.لكن قبل أن أتابع طريقي…وصل إلى سمعي صوت.تجمدت في مكاني فوراً.كان خافتاً في البداية.مجرد همهمة بعيدة.ثم بدأ يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً.أصوات أشخاص يتحدثون.عقدت حاجبي بتوتر.لأنني لم أسمع أي شخص منذ وصولي إلى هذا المكان.ولأنني كنت أظن أن المكان خالٍ تماماً.تقدمت ببطء.شديد البطء.حتى أصبحت خطواتي أقرب إل
سيلينلم أكن أدرك إلى أين يقتادني “إيريس”.منذ اللحظة التي استعدت فيها وعيي وأنا أسير خلفه كأنني عالقة داخل حلمٍ مشوش لا أملك منه سوى شذراتٍ مبعثرة.كانت الطرق التي نعبرها غريبة.ملتوية.وصامتة على نحوٍ يثير القلق.ممرات حجرية طويلة تتشابك كمتاهة لا نهاية لها، وأقواس مرتفعة تلقي بظلالٍ داكنة فوق الأرض، حتى إنني لم أعد قادرة على تمييز الاتجاهات أو معرفة المسافة التي قطعناها.حاولت أكثر من مرة أن أركز.أن أبحث داخل رأسي عن أي ذكرى.أي صورة.أي إحساس يخبرني أنني رأيت هذه الأماكن سابقاً.لكن كلما حاولت الإمساك بشيء، كان يتبخر من بين أصابعي.كأن ذاكرتي بابٌ مغلق بإحكام.وكلما اقتربت منه أكثر، ازداد ابتعاداً.شعرت بالعجز.عجزٍ مزعج يكاد يخنقني.إن كانت هذه الأماكن مألوفة بالنسبة لي حقاً، فلماذا لا أتذكرها؟خفضت رأسي قليلاً وأنا أسير.ولم يعد تفكيري منصباً على نفسي.بل على من تركتهم خلفي.على “جون”.هل وصل إليه سول في الوقت المناسب؟هل ما زال حياً؟هل تمكن من النجاة؟ثم انتقلت أفكاري إلى “صوفي”.تذكرت وجهها عندما كانت تختنق بين يدي “إيريس”.تذكرت الرعب الصافي في عينيها.والدموع التي كانت تقا
سول وفجأة… تعثرت خطوات “دانيال”. وكأن شيئاً غير مرئي سحب القوة من جسده دفعةً واحدة. قبل لحظات فقط كان يركض كإعصارٍ لا يمكن إيقافه، يمزق الغابة بسرعته ويكاد يقتلع الأرض من تحت قدميه، لكن الآن… خانته ساقاه. أو ربما كان ذلك الثقل الهائل الذي ظل يحمله منذ سماع اسم “سيلين”. ثقل الخوف. ثقل الذنب. ثقل الاحتمالات التي كانت تنهش عقله بلا رحمة. سقط على ركبتيه بعنفٍ هز الأرض من حوله. ارتطم جسده بالتربة الرطبة بقوة حتى تناثر الغبار والأوراق اليابسة في كل اتجاه. ظل للحظات منحنياً للأمام. ورأسه منخفض. وأنفاسه تخرج متقطعة وعنيفة. كأن كل نفسٍ أصبح معركة مستقلة. شعرت للحظة وكأن الغابة كلها تحبس أنفاسها معه. ثم فجأة… هوى بقبضته على الأرض. ارتجفت التربة تحت الضربة. وتشققت الصخور القريبة. ثم تبعتها الثانية. أقوى. وأعنف. وأشد يأساً. ضربة تلو أخرى. بلا توقف. بلا رحمة. كأنه لا يضرب الأرض. بل يضرب نفسه. يعاقب نفسه. يفرغ كل ذلك الألم الذي يعجز عن احتماله. تصدعت الأرض تحت ركبتيه. وتناثرت الحجارة الصغيرة حوله. بينما راحت زمجرات مكتومة تخرج من أعماق صدره. زمجرات لم تكن غضباً فق
سول لم يحتمل “دانيال” المقدمات. لم يحتمل الهدوء المتعمد في صوتي. ولا التردد الذي سبق كلماتي. ولا تلك النظرة التي كنت أحاول عبثاً إخفاء الحقيقة خلفها. رأيت التوتر يتصاعد داخله ثانيةً بعد أخرى. كأن شيئاً مظلماً بدأ يستيقظ في أعماقه. شيئاً يخبره أن كارثة قد وقعت بالفعل. وقبل أن أتمكن من متابعة حديثي… اندفع نحوي. بسرعةٍ جعلت الهواء نفسه يتمزق بيننا. لم أرَ الحركة إلا عندما أصبح أمامي مباشرة. أطبقت يداه على كتفيّ. بقوةٍ هائلة. حتى إن جسدي اهتز في مكاني. شعرت بأصابعه تنغرس في لحمي عبر الملابس. وكأنها مخالب حيوانٍ مفترس. ورأيت عينيه. لأول مرة منذ عرفته. رأيتهما بهذا الشكل. متسعتين. مشتعلتين. مليئتين بشيءٍ يشبه الذعر أكثر من الغضب. “سول!” خرج اسمي من فمه كزئير. كأن الكلمة انتُزعت من أعماق صدره. ازدادت قبضته على كتفي حتى سمعت صوت احتكاك عظامي. “تكلم!” ارتجفت عضلات فكه بعنف. وبرزت عروق عنقه بشكلٍ مخيف. “أين سيلين؟!” ساد الصمت. صمت قصير جداً. لكنه بدا أطول من العمر كله. وكان كل من في المعسكر يحدق بنا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم. حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.
كان قلب جاكسن يخفق بقوة، لم أكن بحاجةٍ لأن يتكلم؛ نبضه كان واضحاً لي، مكشوفاً ككتابٍ مفتوح. كنتُ أعرف ما الذي يريده، أو بالأحرى… من الذي يريده. لم أعلّق، لم أحرجه، فقط التفتُّ إليه وقلتُ بهدوءٍ يحمل قراراً لا يقبل التردد: “هيا بنا… نذهب إلى منزلك. سنبات هناك الليلة.” رأيتُ البريق في عينيه فوراً
دانيال بينما كنتُ أغُطُّ في نومٍ عميق، محتضناً سيلين بين ذراعيّ وكأنني أحمي كنزي الأخير من العالم، بدأ الفجرُ يعلنُ وصوله بخيوطٍ باهتة تسللت عبر شقوق الستائر. وفي تلك اللحظة من السكون الهش، اخترق صوتُ "جون" رأسي بصرخةِ تخاطرٍ ملحة: **"دانيال! استيقظ.. ثمة شخصٌ عند البوابات يدعي أنه يعرفك. إنه "
أليس لاحَ خيطُ الفجرِ الأول من النوافذ المحطمة، ومعه جاء الصوت الذي تمنيتُ ألا أسمعه أبداً: **"ألييييس!"** كانت جيني. هذه الفتاة الحمقاء التي لم تعرف يوماً معنى "الأمر". عادت لتنقذ من لا يُنقذ. انتبهت جوزفين لوجودها، ولمعت عيناها بخبثٍ أزلي؛ أدركت أنَّ هذه البشرية الضعيفة هي مفتاحُ كسري الأخي
أليس وقفتُ وسط القاعة الواسعة، أتبادل الأنفاس اللاهثة مع الموت في صراعٍ صامت قبل العاصفة. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً برائحة الغبار والدماء الوشيكة. خمسة عشر هجيناً من النخبة كانوا يطوقونني، عيونهم تلمعُ بجوعٍ مفترس لتمزيق فريسةٍ ظنوها أضعف من أن تقاوم. وخلف هذا السور من الأجساد المتعطشة، كانت تقب