LOGIN
كانت السماء مرصعة بالنجوم المتلألأة عندما حدق أحمد في عيون ملاك بنظرة تفيض حب خالص وقال لها بنبرة صادقة :لن يفرقني عنك سوى الموت.
ساد الصمت في المكان ثوان معدودة ليقطع طريقه صوتها المتلهف خوفاً وغضباً :لا أريد أن أسمع فمك ينطق هذه الجملة ثانيةً، لماذا تصر دائماً على قمع لحظاتنا السعيدة، سكتت لوهلة ثم استطردت حديثها بصوت مفعم بالحيوية :صحيح، أخي يود أن أدعوك لحضور حفل افتتاح معرضه. أنت تعلم أنه يسعى لذلك المعرض منذ مدة ولكنه أجل الإفتتاح بسبب إنشغالك، أليس كذلك؟ ولا تقلق لن يطول الإفتتاح طويلاً فعليه أن ينهي بعض الصفقات. قطع حديثها اتصالاً من أخيها يدعوها للعودة إلى المنزل فقد تأخر الوقت، وهكذا انتهى اللقاء مع خطيبها في تلك الليلة. إلا أنها قضت بقيتها في التحدث معه عبر الهاتف بعد عدة أيام تقابلا مرة أخرى في إفتتاح المعرض، وهم أخوها عمر ممازحاً أحمد قائلاً :: إني أحيي صبرك يا رجل فأختي كثيرة الحركة والكلام ألا تصاب بالصداع من حديثها؟ فنظرت ملاك بغضب لأخيها وقالت :هل أنت بصفه أم بصفي، ثم أكملت بسخرية على الأقل هناك من يتحمل حديثي ليس كبعض البشر لم يجدوا من يتحملهم حتى الٱن وضحكت بعفوية، ففهم عمر مزاحها وتقدم إليها مقضباً حاجبيه على أمل أن يخفيها قليلاً فأمسك أحمد يدها بقوة لطيفة وأعادها خلف ظهره تستنجد بأكتافه العريضة ثم وقف أمام عمر قائلاً بنبرة ممازحة :إلى أين تذهب يا أخي، كأنك ضللت طريقك ، ثم أكمل: ليس لك الحق في النظر إليها بهذا الشكل، ثم إنها على حق وأنهى كلامه بضحكة خفيفة، فنظر إليه عمر بتعجب وضحك ضحكة خافتة تعبر عن إعجابه بموقف أحمد ثم قال :لم أعد أطيق الوقوف هنا فالأجواء أصبحت مليئة بكلمات معسولة وأخاف أن يرتفع السكري عندي وضحك الجميع ثم أكملوا الافتتاح. عند إنتهاء الإفتتاح كانت ملاك تتأمل خطيبها أثناء تحدثه مع مجموعة من المستثمرين وعيونها تفيض بالحب والفخر، تسرح في خيالها لترى كيف ستكون حياتها معه بعد الزواج. وفي اليوم التالي كانت ملاك تعد مفاجأة لخطيبها أحمد بمناسبة مرور نصف عام على خطبتهم ، فأرادت شراء بعض الأغراض، فبقيت تتسوق حتى بلغها التعب، فهمّت بالدخول إلى أول مقهى رأته وبينما وصلت إلى الطاولة قرب الباب، لمحت شاب وفتاة يتغازلان على الطاولة فابتسمت وتذكرت خطيبها. أمعنت النظر في الشخصين،فقد كان الكتفين العريضين لذلك الشاب مؤلوفين بشدة لملاك،أما صوت ضحكة الفتاة فقد مر على مسامعها من قبل،وقطع شكوكها وجه صديقتها لميس الذي ظهر عندما حرك الشاب ظهره،فضحكت في نفسها قائلة : ها هي لميس ترتبط أخيراً بشاب فقد أرهقت أذناي من شكواها بخصوص الرجل المثالي .ولكنها سرعان ما تجمدت في مكانها لا تقوى حتى على إغماض عينيها فمن كان يغازل صديقتها لميس هو خطيبها أحمد . بعد أن إستفاقت من صدمتها، حاولت الوقوف لتتوجه إلى طاولتهم لكن قدماها خذلاها مرة أخرى، فجلست تدعو في نفسها أن تكون في حلم، أو أن يكون مقلب من مقالب صديقتها المعروفة. ثم أجبرت نفسها على الوقوف لتتقدم باتجاه الطاولة وهي تحمل بصيص أمل أن يكون ما رأته مجرد سوء تفاهم، وأنها لم تتعرض للخيانة فحبيبها أقسم أنه لن يفرقه عنها سوى الموت من شدة حبه لها . ماذا ستكون ردة فعل خطيبها، وهل هو سوء تفاهم فعلاً، أم أنه مجرد رجل كاذب يستمتع بفتاتين في ذات الوقت؟حل الليل ولا يزال الفريق يعمل، انقضت الساعات في تدقيقهم في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة لإيجاد ثغرة قد سها الآخرون عنها. ما المعلومات التي بحوزتنا يا رفاق؟ سأل إياد صديقيه. لقد وصلت للحسابات المالية الخاصة بالشركة التي يديرها شهاب، ويبدو كل شيء مثالياً بطريقة مريبة، وما لفت نظري تحويل مبالغ مالية بشكل ثابت لحساب جمعية خيرية، قال فتحي ذلك وهو يعرض الملف على إياد وقيس. انتظر، ما اسم الجمعية؟ الملاك الناجي. لقد مر معي هذا الموضوع في الملف الذي درسته، لحظة واحدة. قلب إياد بين الأوراق التي بحوزته، ثم قال بعد أن وجد الورقة المطلوبة : هه، ها هي، جمعية الملاك الناجي وهي جمعية متخصصة في كفالة أطفال الكوارث الذين فقدوا أهلهم. أكمل إياد قراءته ثم توقف عند أحد أسماء المتطوعين في هذه الجمعية والذي يعتبر المشرف الرئيسي، فابتسم ابتسامة ذات معنى ثم قال : والله وقعت ولم يسمِ أحد عليك . ما الأمر؟ ماذا وجدت؟ سأل قيس بفضول. انظرا هنا. حدق كل من قيس وفتحي في الورقة لكنهما لم يفهما شيئاً. ثم؟ قالا بتساؤل. انظرا إلى الاسم، شارق شهاب القليط. نظر الثلاثة إلى بعضهم وكأنهم
في اليوم التالي توجه إياد إلى مقر الفوج لحضور الاجتماع. أوووووه، سيد إياد مضى وقت طويل على لقائك. أهلاً سيد فتحي، بالفعل مضى وقت طويل. كيف أمور الشركة؟ هل هي بأحسن حال؟ نعم، لا تقلق. في الحقيقة لقد انتظرنا مجيئك منذ عودتك للبلاد، لكنك لم تشرفنا . شغلتني ظروفي. لا بأس. والآن هل أنت مستعد للعودة؟ كما أبلغكم قيس سأعود ولكن بشرط. هل للأمر علاقة برجعتك؟ نستطيع قول ذلك. قل لي. ريان الزيتي. أريد ملفه على طاولتي. هل أفهم منك أنك تريد الملف بدل تهنئة رجعتك؟ نعم. ههههههه، لا بأس لك ذلك، وسأتوصى بالأمر لا تقلق . إذن لنوقع العقد. بالتأكيد، هذا مناي. استل إياد قلماً من جيبه وقام بتوقيع العقد. هل تريد إخفاء اسمك كما في الأيام الخوالي؟ إذا تكرمت. حسناً لك ذلك. ألقى فتحي ملفاً على الطاولة، ثم قال باستحياء : أعلم أنك وقعت منذ دقيقة لكنني.... نظر إياد إلى الملف، ثم نظر إلى فتحي وقال : هل أنت جاد؟ إذن لقد كنتم تنتظرون عودتي بالمعنى الحرفي. لم أرد أن يكون الأمر كذلك، لكن هذا الملف شيب قسم الاستخبارات الدولية بأكمله. نظر إ
استقل قيس سيارته وأكمل طريقه نحو شركة التألق. طق طق طق . تفضل. دخل قيس فوجد إياد بوضعيته المعتادة يجلس خلف مكتبه ويدقق بالملفات التي بحوزته. ستكون حسرة في نفسي إذا لم أرك يوماً ما في وضعية مختلفة. قال قيس بمزاح . هل رأيتني في الحلم، حتى جئت لمقابلتي في الصباح الباكر؟ قال إياد دون أن يرفع رأسه عن الملف. ههههههه، يا لدعابتك عند الصباح، قال قيس بسخرية ثم أردف : لست أنا من رآك في الحلم وإنما أشخاص آخرون. تحولت ملامح إياد إلى الجدية، ثم رفع رأسه عن ملفه وخلع نظارته وقال: هل وصل الرد؟ نعم نعم، لقد وصل فكما تعرف إنهم متيمون بك وينتظرون موافقتك بفارغ الصبر، قال قيس بسخرية. دع السخرية الآن وقل لي؛ ماذا قالو؟ لقد وافقو على شرطك، ويدعونك للاجتماع غداً في المقر. هل أخبرتهم عن ظروفي الحالية؟ لا تقلق، سيحتاجونك فقط في المهمات المعقدة، أي أنك تستطيع ممارسة حياتك الطبيعية. هز إياد رأسه موافقاً وهو يفكر في شيء ما، ثم قال : جميل. ما بك اليوم هادئ على غير عادتك؟ اسكت، لقد قابلت مصيبة حياتي هذا الصباح. هل هي فتاة القهوة؟ وهل هناك مصائب في حياتي غيرها؟ لكنها هذه المرة
انتهى الاجتماع وعادت ملاك لمكتبها بينما تولى مراد توديع الضيوف. طق طق طق. تفضل. ملاك؟! رفعت ملاك رأسها من الملف الذي بيدها، ثم دعت رنا للدخول. رنا، هيا ادخلي. لقد قلقت عليك، ماذا حدث ليدك؟ لا يوجد ما يدعو للقلق، مجرد حادث صغير. وكيف حال الخالة؟ هل هي بخير؟ سكتت ملاك قليلاً، ثم أجابت ، ستتحسن. عندما سمعت رنا أجوبة ملاك الرسمية شعرت أن هناك شيئاً غير صحيح، لكنها لم تضغط على ملاك أكثر واستأذنت للخروج. خرجت رنا وذهبت لمكتب مراد. طق طق طق. تفضل. دخلت رنا فوجدت مراد يتكئ على ظهر الكرسي ويغمض عينيه، و ملامحه يسكنها التعب والقلق. مراد، هل أنت بخير؟ رفع مراد رأسه، ثم قال : رنا؟! هيا تعالي اجلسي. ما الذي يحدث هنا؟ أنت متعب وملاك يبدو أنها هاجرت هذا العالم ومنار لا ترد على مكالماتي، ما بكم؟ تنهد مراد بضيق ثم قال : الأوضاع معقدة يا رنا. ما هي هذه الأوضاع؟ قل لي حتى أعرف. القصة بدأت منذ الأسبوع الماضي. أي قصة؟ ملاك لم تكن تعرف بشأن خطبة منار وعمر. ماذا ؟ هل أنت جاد؟ كيف ذلك؟ سألت رنا بدهشة. وليس هذا فقط، تدهورت حالة ال
استيقظت ملاك مفزوعة من نومها وهي تظن أن كابوسها قد بات حقيقة. تفقدت حال والدتها، فوجدتها على حالها لم يطرأ عليها أي إشارات تراجع أو تحسن. جلست ملاك مرة أخرى على كرسيها عاجزة عن الحركة من وطأة ما حلمت به ثم شعرت بانتفاضة جسدها بسبب تسارع دقات قلبها . شعور بدأ يروادها منذ وفاة والدها يفقدها السيطرة على جسدها أو التحكم بنفسها. أسندت رأسها بحذر إلى الخلف وعدلت وضعية جلوسها لتكون أشبه بالتمدد، رفعت قدمها اليسرى إلى الأعلى قليلاً وبدأت تحاول أخذ نفساً عميقاً.استمر الوضع هذه المرة لخمس دقائق وهو ضعف وقت المرات السابقة. كان جسدها كله يهتز من شدة النبض لكن النبض لا يقاس، شعرت بقلبها قد حط على رئتيها فحاولت جاهدة أن تهدأ. بعد إنقضاء خمس دقائق عاد نبض ملاك طبيعياً لكن نفسها لا يزال مضطرباً قليلاً.أخذت ملابس من الحقيبة التي كان قد جلبها السائق، ثم دخلت لتستحم. فتحت الماء الدافئ وتركت قطراته تنهمر على جسدها، وكلما أغمضت عينها تذكرت كابوسها، فاستحمت سريعاً وخرجت. أرسلت رسالة إلى عمر أنها ستخرج لقضاء شيء ما، ومن ثم استقلت سيارتها. فتحت نافذة السيارة وزادت سرعتها وتوجهت نحو البحر. نزلت من
ركبت ملاك الجبيرة وتوجهت إلى قسم الرعاية التلطيفية. ذهبت ملاك إلى إحدى الممرضات وسألتها إن كان بإمكانها زيارة أمها. عذراً، هل يمكنني زيارة والدتي؟ هل تقيم في هذا القسم؟ نعم. بالطبع يمكنك زيارتها، في هذا القسم الزيارات دائماً متاحة ليقضي المريض آخر أيامه مع عائلته. ابتسمت ملاك للممرضة ابتسامة مجاملة انتزعتها من شفتيها لتخفي غصتها من واقعية كلام الممرضة ثم غادرت المكان لتدخل غرفة والدتها. كانت أضواء الغرفة خافتة للغاية بما يتماشى مع صحة المرضى. دخلت ملاك بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل للسرير ، ثم قالت بعد أن أخذت نفساً عميقاً : أمي، لقد عدت، هيا انهضي، ألم تكوني دائماً تستقبلينني عند الباب؟ هيا استيقظي، انظري لقد آذيت يدي مرة أخرى، ألا تريدين توبيخي؟ انظري إلى ضوء الغرفة، أنت لا تحبينه خافتاً، هيا استيقظي وأشعليه. أمي، لماذا لا تردين علي؟ وضعت ملاك رأسها على يد والدتها الممدة على السرير وذرفت دموعها وهي تقول : لقد أصبحت وحيدة يا أمي، لا تتركيني هكذا. قالت ملاك هذه الكلمات وغطت بنوم عميق دون سابق إنذار، فمن يراها من بعيد يظن أنها فقدت الوعي. في







