FAZER LOGINالفصل الثامن
الكتاب وجدت المفكّرة بالصدفة. أو هكذا ظنّت. كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى. ضغطت عليها. اللوح انزلق. وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع. فاطمة. عمر. جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا. فتحتها. كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب. الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. وتحته سطر واحد: "إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ." * * * لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها. ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها الخط العادي مع رموز لم تتعرف عليها، أشكال هندسية صغيرة متكررة تتخلل الكلمات في أماكن معينة. كأن الجدة فاطمة كانت تعرف أن من سيقرأ قد يقرأه من لا ينبغي له. ترميز. أمضت ساعة تحاول فهم النمط. استطاعت استيعاب بعض المقاطع. "القبيلة تعرف"، "الخيانة من الداخل"، "لا تثقي بكل ذي عينين ذهبيتين"، "الدم لا يكذب". لكن الجمل الأطول، الجمل التي تحمل التفاصيل، كانت محاطة بالرموز من كل جانب. حملت المفكّرة وخرجت. * * * وجدت نادر في الممر كالعادة. نظر إلى المفكّرة في يدها ثم إلى وجهها، وقرأ كلا الاثنين بسرعة. — من أين أتيتِ بهذا؟ — قال بصوت أهدأ من معتاده. — من غرفتي. — قالت. — وأريد أن أرى راكان الآن. لحظة صغيرة. ثم: — تعالي. * * * حين وضعت المفكّرة على طاولة راكان ورأى الحرفين على الغلاف، حدث شيء لأول مرة: أصبح وجه راكان الأسود غير محكوم تمامًا لثانية واحدة. ثانية واحدة فقط. ثم عاد كل شيء لمكانه. مدّ يده ثم أوقفها في الهواء. نظر إلى ليلى. — هل تأذنين؟ أومأت. أمسكها بأصابع حذرة، كأنه يمسك شيئًا قد ينكسر أو يختفي. فتحها ببطء. قرأ الصفحة الأولى وعيناه لم تتحركا طويلاً عند السطر الأخير. رفع رأسه. — "إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ." — كرّر الجملة بصوت خافت كأنه يتذوقها. — من تقصد بـ"هي"؟ — سألت ليلى. — الغابة. — قال راكان، وفي صوته شيء بين اليقين والدهشة. — فاطمة كانت تعرف أن الغابة ستُرشدكِ في يوم ما. وضعت المفكّرة هنا تنتظر. — لكنكِ قلت إن هذا مجمعكم؟ — نعم. هذه كانت غرفتها حين كانت هنا. نظرت ليلى إلى المفكّرة ثم إليه. — الرموز. أستطيع قراءة بعض الكلمات لكن معظم التفاصيل مُشفَّرة. هل تعرفها؟ نظر إلى الصفحات المفتوحة. شيء في عيني الذهب تحرّك. — نعم. — قال بهدوء. — هذا الترميز كان يستخدمه المجلس القديم للقبيلة. لم يعد أحد يستخدمه منذ جيل. — وقفة. — أو كان هذا ما اعتقدناه. — إذن تستطيع قراءتها؟ — معظمها. نعم. نظر إليها. نظرت إليه. بينهما على الطاولة كانت مفكّرة جدة رحلت قبل ثلاثة وثلاثين عامًا وتركت وراءها سرًا يكفي لملء غرفة. — متى نبدأ؟ — قالت ليلى. — غدًا صباحًا. — قال راكان. ثم أضاف بعد توقف: — وشكرًا لثقتكِ. نظرت إليه بعيون تقيس. — لم أقل إنني أثق بك. — أعرف. لكنكِ أحضرتِ المفكّرة إليّ. لم تردّ. لأنه كان محقًا. * * * بعد أن خرج راكان، بقيت ليلى جالسة في مكانها لدقائق دون أن تتحرك. المفكّرة في يدها كانت لا تزال دافئة بدفء يدها هي، لا بدفء خاص بها. لكن شيئًا في الطريقة التي أمسكها بها راكان، بتلك الأصابع الحذرة وذلك الاستئذان قبل اللمس، جعل الأمر يبدو مختلفًا عن مجرد وثيقة. كأنه يُمسك بشيء يعرف أنه لها حتى قبل أن تعرف هي. نهضت وذهبت إلى النافذة. الغابة في ضوء النهار كانت مختلفة عن الغابة التي ضلّت فيها في الليل. أشجارها نفسها، لكن النهار يُظهر ما يُخفيه الليل ويُخفي ما يكشفه الليل. جمال في كليهما. مختلف. فكّرت في جدّتها. في كل مرة سألتها: يا جدّتي من أين أنتِ؟ وكانت تضحك وتقول: من مكان يحبّكِ حتى لو لم تريه بعد. كانت ليلى الصغيرة تظن أنها تتكلم عن الله أو عن السماء. الآن تعرف أن جدّتها كانت تتكلم عن غابة بعيدة وقبيلة تركتها وسرّ حملته ثلاثة وثلاثين عامًا. أحكمت قبضتها على المفكّرة. غدًا ستبدآن فكّ ما تبقى من الشفرة. وشيئًا ما يقول لها إن الإجابة التي طالما بحثت عنها جدّتها، الاسم الذي يقف وراء كل شيء، قريب. أقرب مما كانا يظنّان.الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك
الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه أيضًا. تعبير وجهها حين تمر بليلى في الممر كان يقول: أنتِ لا تنتمين هنا.ليلى كانت تتجاهل. حتى الآن.* * *حدث الأمر في الحديقة الداخلية في منتصف الأسبوع الأول.كانت ليلى جالسة وحدها تحاول إعادة قراءة الصفحات التي دوّنتها من المفكّرة، حين جاءت ريم وجلست على الكرسي المقابل دون دعوة.نظرت ليلى إليها. انتظرت.— سمعتُ أنكِ قرأتِ مفكّرة فاطمة الفضية مع الملك. — قالت ريم مباشرة.— أخبار تتنقل بسرعة. — قالت ليلى.— في قبيلة الذئاب؟ بسرعة أكثر مما تتصورين. — ريم تضع ذراعيها على الطاولة. — ما الذي وجدتموه؟— هذا سؤال لراكان، ليس لي.— راكان لن يخبرني. لكنكِ لستِ راكان.— صحيح. لكنني لن أخبركِ أيضًا.نظرت ريم إليها بتلك العيون التي تقيس. — أنتِ لا تثقين بأحد هنا.— لا أثق بأحد لم يُعطني سببًا.— ومعقو
الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم تدوينه في دفتر أعطاها إياه نادر.بدأ من الصفحة الأولى.— "أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أعود. ليس لأنني خائفة من الطريق، بل لأن ما عرفته يجعل العودة خطرًا على من أحبّ. القبيلة التي أحبّيتها وخدمتها ثلاثين عامًا تحمل في قلبها جرحًا لا تعرف عنه شيئًا، وأنا كنت أقرب الناس إلى ذلك الجرح دون أن أرى."توقف راكان. ليلى لاحظت أن قلمها توقف هي الأخرى.— تكمل؟ — قالت بهدوء.— نعم. — أكمل.* * *استغرقت القراءة أكثر من ساعتين. الترميز المتخلل للنص أبطأ الأمور، وفي مواضع عدة توقف راكان ليفكّر أو يُعيد قراءة رمز أكثر من مرة قبل أن يُعطيه معناه.ما تكشّف كان هذا:قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وقبيل رحيل فاطمة بشهور، كانت القبيلة تشهد صراعًا خفيًا على السلطة. لم يكن أحد يعلم به علنًا، لكنه كان يدور في الظلام.
الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح انزلق.وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع.فاطمة. عمر.جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا.فتحتها.كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب.الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا.وتحته سطر واحد:"إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ."* * *لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها.ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها
الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق دقيق لكنه يهمّها.أرادت أن تُجرّب. أرادت أن ترى ما سيحدث.خطّطت بهدوء. نادر لا يأتي إلا بعد الإفطار. الحراسة الليلية تُخفَّف قليلاً عند الفجر، هذا ما لاحظته من نافذتها. البوابة الرئيسية بها حارسان لكن الباب الخشبي الصغير في الجانب الشرقي من الحديقة يبدو أقل مراقبة. لم تتأكد. لكنها كانت ستعرف الآن.خرجت في الساعة الخامسة فجرًا. الهواء كان قارسًا وعرضها أنفاسًا مرئية. مشت ببطء متعمَّد كأنها تتجول لا تهرب. وصلت إلى الباب الخشبي. يدها على المقبض.مفتوح.أحسّت بنبضة إثارة في صدرها. دفعته وخرجت.الغابة كانت أمامها مباشرة، أشجارها الضخمة في ضوء الفجر الخافت تبدو كأعمدة معبد قديم. أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تمشي.عشر خطوات. عشرون. خمسون.— إلى أين بالضبط؟توقفت.الصوت كان خلفها. منخفض. هادئ. لا غضب فيه
الفصل السادسالرائحةراكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء.هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت في الهواء.لم تكن هي هنا. كانت في الحديقة الداخلية مع نادر، يعرف ذلك. لكن رائحتها كانت قد عبرت هذا الممر قبل ساعة وتركت في الهواء شيئًا يشبه البصمة، خفية جدًا لدرجة أي إنسان ولا معظم الذئاب لن يشعر بها. لكنه ليس معظم الذئاب.رائحتها كانت... غير عادية.للذئاب طريقة مختلفة تمامًا في تجربة العالم من حولهم. الرائحة ليست مجرد معلومة، هي قصة كاملة. تخبرك عن صحة الشخص، عن مشاعره، عن ماضيه أحيانًا. ورائحة ليلى كانت تحكي قصة يتناقض أولها مع آخرها: رائحة بشرية واضحة، دافئة وأرضية، لكن تحتها، عميقًا جدًا بحيث يحتاج أن يركّز ليشعر بها، كان هناك شيء آخر. شيء يشبه رائحة الغابة في ليلة القمر الكامل. شيء يشبه القبيلة.الذئب في داخله يعرف ما هذا.العقل في داخله يرفضه.— سيادة الملك.التفت. كانت سيرا تقف على
الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ
الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و
الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج
الفصل الثانيالاختفاءلم تكن الغرفة سجنًا.هذا ما قالته ليلى لنفسها وهي تنظر حولها في الصباح الباكر، بعد ليلة نامت فيها نومًا أعمق مما ينبغي لشخص في مكان غريب. الغرفة واسعة، جدرانها من الحجر الداكن المصقول، والسرير فيها أضخم مما تعوّدت عليه في شقتها الصغيرة. على الطاولة الخشبية إلى جانب النافذة كان







