Se connecterالفصل الثاني
الاختفاء لم تكن الغرفة سجنًا. هذا ما قالته ليلى لنفسها وهي تنظر حولها في الصباح الباكر، بعد ليلة نامت فيها نومًا أعمق مما ينبغي لشخص في مكان غريب. الغرفة واسعة، جدرانها من الحجر الداكن المصقول، والسرير فيها أضخم مما تعوّدت عليه في شقتها الصغيرة. على الطاولة الخشبية إلى جانب النافذة كان هناك طعام: خبز طازج وجبن أبيض وكوب من الشاي لا يزال يُبخّر. كأنهم يعرفون متى تستيقظ. هذا ما جعلها تشعر أن الغرفة سجن. نهضت ببطء وذهبت إلى النافذة. خلفها كانت الغابة تمتد حتى حيث لا يصل البصر، أشجارها الضخمة صامتة تحت ضوء الصباح الرمادي الشاحب. الثلج لا يزال يغطي الأرض، وأثر أقدامها من الليلة الماضية كان قد اختفى تمامًا تحت طبقة جديدة بيضاء نقية، كأن الغابة تمحو الأدلة بعناية. لم تجد كاميرتها. هذا أول ما تذكّرته حين صحت تمامًا: حقيبتها كانت معها حين دخلت الباب. كانت متأكدة. لكنها الآن لم تجدها في أي مكان في الغرفة. فتّشت تحت السرير، خلف الستائر، في الخزانة الخشبية الصغيرة في الزاوية. لا شيء. الكاميرا فيها كل صور الشهر الماضي. عملها. وشيء آخر لا يقل أهمية: الصور الأخيرة التي التقطتها لجدتها قبل وفاتها بأسبوعين. ضغطت ليلى على فكّها وقرّرت أن تجد من يكلمه. فتحت باب الغرفة. لم يكن مقفلاً. وقفت على العتبة وتأملت الممر الطويل المضاء بمصابيح مدمجة في الجدار تعطي ضوءًا دافئًا مصفرًا. ممر من الحجر الداكن، بلاط من الخشب الثقيل، وصمت لا تسمع فيه إلا تنفسها هي. خطت إلى الممر. — أنصحكِ بالإفطار أولاً. توقفت. كان الصوت جاء من اليسار، شاب يتكئ على الجدار بذراعيه مطويتين على صدره، يبدو في العشرين من عمره، بشرة سمراء دافئة وعينان بنيتان تحملان شيئًا بين الدعابة والتنبّه. لم تسمع خطواته. لم تشعر بوجوده. — من أنت؟ — قالت ليلى مباشرة. — نادر. مساعد. ودليلك إذا قرّرتِ التجوّل. — ابتسم ابتسامة لا تكشف كثيرًا. — وإذا قرّرتِ الهروب، فأنا أيضًا من سيُعيدكِ. نظرت إليه ليلى بثبات. — كاميرتي أين؟ — آمنة. — لم أسألك إن كانت آمنة. سألتك أين هي. مرّت لحظة صغيرة. شيء خفي تحرّك في عيني نادر، شيء يشبه الإعجاب المحسوب. — مع الملك. — أريد استعادتها. — بإمكانكِ طلب ذلك منه شخصيًا. * * * أخذها نادر عبر ممرات المجمع بخطى هادئة، وكانت ليلى تسجّل كل شيء بعينيها: أبواب خشبية ضخمة بعضها مفتوح وبعضها مغلق، أشخاص يمرون بملابس عادية لكن بطريقة حركة مختلفة، شيء في كيفية تحريكهم لأجسادهم يذكّر بالحيوانات لا البشر. ثقة جسدية مطلقة. وعي محيطي دائم. وكلما مرّت بأحدهم التفت إليها وفيه نظرة لا تستطيع تفسيرها: ليست عدائية، لكنها ليست ترحيبًا أيضًا. كأنها ظاهرة غريبة يحاولون حلّها. توقف نادر أمام باب أكبر من سواه في نهاية الممر. دقّ دقتين. — ادخل. — صوت من الداخل. صوت منخفض ينتشر في الهواء كالدخان. فتح نادر الباب وأشار لليلى بالدخول. دخلت. كانت الغرفة مكتبًا بالمعنى الكامل، رفوف من الكتب على ثلاثة جدران من الأرض للسقف، وطاولة ضخمة في المنتصف مغطاة بخرائط وأوراق. والرجل خلف الطاولة لم يرفع رأسه حين دخلت. كانت ليلى ترى قمة رأسه فقط، شعر داكن قصير، وكتفان عريضان في قميص أسود بسيط. يكتب شيئًا بتركيز تام، كأنها لم تدخل، كأن دخولها لا يستحق انقطاع ما هو فيه. مرّت عشر ثوانٍ. عشرون. قالت ليلى: — كاميرتي. رفع الرجل رأسه. والعينان الذهبيتان من الغابة نظرتا إليها. في ضوء النهار كانتا أكثر إثارة للدهشة مما كانتا في الظلام. ذهب خالص بلا بقع، بلا بياض حول الحدقة، عيون لا يملكها بشر. وتحتهما وجه بُني اللون مكتنز الملامح، حاد الخطوط بطريقة تجعله يبدو كأنه نُحت لا وُلد. لم يكن تعبيره بمرحبًا ولا بمعادٍ. كان فارغًا بشكل يوحي بأن صاحبه يتحكم في ما يُظهره بدقة جراح. — اجلسي. — قال. — لن يطول كلامي. أريد كاميرتي فقط. — اجلسي من فضلكِ. جلست. ليس لأنه طلب، بل لأنها قرّرت أن الوقوف موقف دفاع لا هجوم. وضع يده على الطاولة، وعلى راحتها كانت الكاميرا. دفعها ببطء نحوها. أخذتها ليلى بسرعة وفتحت الشاشة. الصور كلها موجودة. لم يُمس شيء. — شكرًا. — قالت وأرادت النهوض. — كانت هناك صور التقطتِها في الغابة الليلة الماضية. توقفت. — ماذا تقصد؟ — الكاميرا التقطت صورًا قبل أن تصلي إلينا. صور من الغابة. — نظر إليها بعينين لا تُقرأ تمامًا. — صور لأشياء لا ينبغي أن تراها عين بشرية. فتحت ليلى الكاميرا وبحثت. آخر الصور: أشجار. ظلام. ضوء القمر على الثلج. ثم صورة أخيرة التقطتها بالخطأ حين أمسكت الكاميرا وهي تجري. كانت ضبابية وغير واضحة المعالم، لكن في وسطها كان شكل ضخم داكن، أضخم بكثير من ذئب عادي، منتصب على قائمتين الخلفيتين في لحظة تحوّل. نظرت ليلى إلى الرجل أمامها. نظر إليها. — ما هذا؟ — سألت بصوت ثابت أكثر مما توقعت. — سؤال جيد. — قال. — وإجابته تستغرق وقتًا أطول من دقيقة. — إذن لدي وقت. شيء تحرّك في عيني راكان الأسود. شيء صغير جداً، لكن ليلى رأته: لم يكن استهجانًا. كان شيئًا أقرب إلى الاهتمام غير المتوقع. — اسمكِ؟ — سأل. — ليلى عمر. واسمك أنت؟ — راكان. — راكان من؟ — راكان الأسود. — وقفة. — ملك هذه القبيلة. أحكمت ليلى قبضتها على الكاميرا وتنفّست ببطء. قبيلة. ملك. صورة لكائن في لحظة تحوّل. عيون ذهبية في الغابة. كل شيء كان يصطف في خط واحد في ذهنها، وكان الخط يقود إلى شيء لا يصدّقه العقل. — أنتم مستذئبون. — قالت. ليس سؤالاً. لم ينفِ. لم يؤكد. نظر إليها فقط بتلك العيون الذهبية الفارغة من التعبير. — وجدوكِ في غابتنا ليلاً. — قال أخيرًا. — هذا وحده كافٍ لإبقائكِ هنا حتى نعرف من أنتِ ولماذا أتيتِ. — أتيت لأصوّر القمر. ضللت الطريق. — ربما. — ليس ربما. هذا ما حدث. — ليلى عمر. — قال اسمها بطريقة تجعله يبدو وكأنه يختبر نكهته على لسانه. — قبيلتنا لم يصل إليها إنسان عادي بالصدفة منذ خمسين عامًا. الغابة تمنع ذلك. — الغابة لا تمنع ولا تسمح. إنها أشجار. — لأشخاص مثلكِ، ربما. — توقف. — لكن أنتِ وصلتِ. وهذا يعني أن الغابة سمحت لكِ. وهذا يعني أن ثمة سببًا. نظرت إليه ليلى طويلاً. ثم قالت ما لم تتوقع أن تقوله: — جدتي كانت اسمها فاطمة عمر. هل هذا الاسم يعني لك شيئًا؟ أول مرة. أول مرة تتحرك ملامح راكان الأسود بشكل حقيقي. كان تحرّكًا طفيفًا، شدّة خفيفة حول عينيه، تصلّب صغير في فك محكم، لكن ليلى رأته وعرفت أنها أصابت شيئًا. — من أين جاءكِ هذا الاسم؟ — قال بصوت تغيّر بمقدار لا يُقاس. — من شهادة وفاتها. — قالت ليلى ببرود. — ماتت قبل أسبوعين. وتركت لي مفكّرة لم أستطع قراءتها. والآن أنا هنا في غابتكم بالصدفة. — وقفة مقصودة. — أو ربما ليس بالصدفة، كما قلتَ أنت. صمت راكان. وفي الصمت كان الهواء في الغرفة يحمل شيئًا ثقيلاً لا اسم له. — ستبقين. — قال أخيرًا. — لن أب— — ليس أمرًا. — قاطعها، وكان صوته قد عاد إلى برودته الأولى لكن بطبقة أعمق تحتها. — طلب. اسم جدّتكِ يعني لي شيئًا. وإذا كانت فاطمة عمر هي من أظنها، فإن حياتكِ خارج هذا المجمع أقل أمانًا مما تتصوّرين. نظرت إليه ليلى. نظر إليها. — كم من الوقت؟ — قالت. — حتى أعرف الحقيقة. — وإذا لم تعجبني الحقيقة؟ — الحقيقة لا تسأل إذا كانت ستعجب أحدًا. أخذت ليلى نفسًا طويلاً. نظرت إلى الكاميرا في يدها. إلى الصورة الضبابية على الشاشة. إلى العيون الذهبية أمامها. — حسنًا. — قالت. — لكن أريد غرفة بنافذة أكبر. هذه المرة، وللمرة الأولى، تحرّكت زاوية فم راكان الأسود بمقدار لا يكاد يُرى. ولا أحد يعرف إذا كانت ابتسامة أم لا. لكنها كانت شيئًا.الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك
الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه أيضًا. تعبير وجهها حين تمر بليلى في الممر كان يقول: أنتِ لا تنتمين هنا.ليلى كانت تتجاهل. حتى الآن.* * *حدث الأمر في الحديقة الداخلية في منتصف الأسبوع الأول.كانت ليلى جالسة وحدها تحاول إعادة قراءة الصفحات التي دوّنتها من المفكّرة، حين جاءت ريم وجلست على الكرسي المقابل دون دعوة.نظرت ليلى إليها. انتظرت.— سمعتُ أنكِ قرأتِ مفكّرة فاطمة الفضية مع الملك. — قالت ريم مباشرة.— أخبار تتنقل بسرعة. — قالت ليلى.— في قبيلة الذئاب؟ بسرعة أكثر مما تتصورين. — ريم تضع ذراعيها على الطاولة. — ما الذي وجدتموه؟— هذا سؤال لراكان، ليس لي.— راكان لن يخبرني. لكنكِ لستِ راكان.— صحيح. لكنني لن أخبركِ أيضًا.نظرت ريم إليها بتلك العيون التي تقيس. — أنتِ لا تثقين بأحد هنا.— لا أثق بأحد لم يُعطني سببًا.— ومعقو
الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم تدوينه في دفتر أعطاها إياه نادر.بدأ من الصفحة الأولى.— "أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أعود. ليس لأنني خائفة من الطريق، بل لأن ما عرفته يجعل العودة خطرًا على من أحبّ. القبيلة التي أحبّيتها وخدمتها ثلاثين عامًا تحمل في قلبها جرحًا لا تعرف عنه شيئًا، وأنا كنت أقرب الناس إلى ذلك الجرح دون أن أرى."توقف راكان. ليلى لاحظت أن قلمها توقف هي الأخرى.— تكمل؟ — قالت بهدوء.— نعم. — أكمل.* * *استغرقت القراءة أكثر من ساعتين. الترميز المتخلل للنص أبطأ الأمور، وفي مواضع عدة توقف راكان ليفكّر أو يُعيد قراءة رمز أكثر من مرة قبل أن يُعطيه معناه.ما تكشّف كان هذا:قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وقبيل رحيل فاطمة بشهور، كانت القبيلة تشهد صراعًا خفيًا على السلطة. لم يكن أحد يعلم به علنًا، لكنه كان يدور في الظلام.
الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح انزلق.وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع.فاطمة. عمر.جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا.فتحتها.كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب.الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا.وتحته سطر واحد:"إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ."* * *لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها.ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها
الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق دقيق لكنه يهمّها.أرادت أن تُجرّب. أرادت أن ترى ما سيحدث.خطّطت بهدوء. نادر لا يأتي إلا بعد الإفطار. الحراسة الليلية تُخفَّف قليلاً عند الفجر، هذا ما لاحظته من نافذتها. البوابة الرئيسية بها حارسان لكن الباب الخشبي الصغير في الجانب الشرقي من الحديقة يبدو أقل مراقبة. لم تتأكد. لكنها كانت ستعرف الآن.خرجت في الساعة الخامسة فجرًا. الهواء كان قارسًا وعرضها أنفاسًا مرئية. مشت ببطء متعمَّد كأنها تتجول لا تهرب. وصلت إلى الباب الخشبي. يدها على المقبض.مفتوح.أحسّت بنبضة إثارة في صدرها. دفعته وخرجت.الغابة كانت أمامها مباشرة، أشجارها الضخمة في ضوء الفجر الخافت تبدو كأعمدة معبد قديم. أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تمشي.عشر خطوات. عشرون. خمسون.— إلى أين بالضبط؟توقفت.الصوت كان خلفها. منخفض. هادئ. لا غضب فيه
الفصل السادسالرائحةراكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء.هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت في الهواء.لم تكن هي هنا. كانت في الحديقة الداخلية مع نادر، يعرف ذلك. لكن رائحتها كانت قد عبرت هذا الممر قبل ساعة وتركت في الهواء شيئًا يشبه البصمة، خفية جدًا لدرجة أي إنسان ولا معظم الذئاب لن يشعر بها. لكنه ليس معظم الذئاب.رائحتها كانت... غير عادية.للذئاب طريقة مختلفة تمامًا في تجربة العالم من حولهم. الرائحة ليست مجرد معلومة، هي قصة كاملة. تخبرك عن صحة الشخص، عن مشاعره، عن ماضيه أحيانًا. ورائحة ليلى كانت تحكي قصة يتناقض أولها مع آخرها: رائحة بشرية واضحة، دافئة وأرضية، لكن تحتها، عميقًا جدًا بحيث يحتاج أن يركّز ليشعر بها، كان هناك شيء آخر. شيء يشبه رائحة الغابة في ليلة القمر الكامل. شيء يشبه القبيلة.الذئب في داخله يعرف ما هذا.العقل في داخله يرفضه.— سيادة الملك.التفت. كانت سيرا تقف على
الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ
الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و
الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين أدركت ليلى أنها ضلّت الطريق.لم يكن ذلك ما أرادته حين قرّرت تصوير الغابة ليلاً. أرادت القمر الكامل يرسم ظلاله بين الأشجار، أرادت الصمت الذي لا يجده المصوّر إلا في ساعات الذروة الظلامية، حين ينام الضجيج ويصحو الجمال الخفي. لكن الغابة كان لها رأي آخر.بدأت المشكلة







