Home / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل الثاني: الاختفاء

Share

الفصل الثاني: الاختفاء

last update publish date: 2026-06-13 10:28:58

الفصل الثاني

الاختفاء

لم تكن الغرفة سجنًا.

هذا ما قالته ليلى لنفسها وهي تنظر حولها في الصباح الباكر، بعد ليلة نامت فيها نومًا أعمق مما ينبغي لشخص في مكان غريب. الغرفة واسعة، جدرانها من الحجر الداكن المصقول، والسرير فيها أضخم مما تعوّدت عليه في شقتها الصغيرة. على الطاولة الخشبية إلى جانب النافذة كان هناك طعام: خبز طازج وجبن أبيض وكوب من الشاي لا يزال يُبخّر. كأنهم يعرفون متى تستيقظ.

هذا ما جعلها تشعر أن الغرفة سجن.

نهضت ببطء وذهبت إلى النافذة. خلفها كانت الغابة تمتد حتى حيث لا يصل البصر، أشجارها الضخمة صامتة تحت ضوء الصباح الرمادي الشاحب. الثلج لا يزال يغطي الأرض، وأثر أقدامها من الليلة الماضية كان قد اختفى تمامًا تحت طبقة جديدة بيضاء نقية، كأن الغابة تمحو الأدلة بعناية.

لم تجد كاميرتها.

هذا أول ما تذكّرته حين صحت تمامًا: حقيبتها كانت معها حين دخلت الباب. كانت متأكدة. لكنها الآن لم تجدها في أي مكان في الغرفة. فتّشت تحت السرير، خلف الستائر، في الخزانة الخشبية الصغيرة في الزاوية. لا شيء.

الكاميرا فيها كل صور الشهر الماضي. عملها. وشيء آخر لا يقل أهمية: الصور الأخيرة التي التقطتها لجدتها قبل وفاتها بأسبوعين.

ضغطت ليلى على فكّها وقرّرت أن تجد من يكلمه.

فتحت باب الغرفة. لم يكن مقفلاً. وقفت على العتبة وتأملت الممر الطويل المضاء بمصابيح مدمجة في الجدار تعطي ضوءًا دافئًا مصفرًا. ممر من الحجر الداكن، بلاط من الخشب الثقيل، وصمت لا تسمع فيه إلا تنفسها هي.

خطت إلى الممر.

— أنصحكِ بالإفطار أولاً.

توقفت. كان الصوت جاء من اليسار، شاب يتكئ على الجدار بذراعيه مطويتين على صدره، يبدو في العشرين من عمره، بشرة سمراء دافئة وعينان بنيتان تحملان شيئًا بين الدعابة والتنبّه. لم تسمع خطواته. لم تشعر بوجوده.

— من أنت؟ — قالت ليلى مباشرة.

— نادر. مساعد. ودليلك إذا قرّرتِ التجوّل. — ابتسم ابتسامة لا تكشف كثيرًا. — وإذا قرّرتِ الهروب، فأنا أيضًا من سيُعيدكِ.

نظرت إليه ليلى بثبات. — كاميرتي أين؟

— آمنة.

— لم أسألك إن كانت آمنة. سألتك أين هي.

مرّت لحظة صغيرة. شيء خفي تحرّك في عيني نادر، شيء يشبه الإعجاب المحسوب. — مع الملك.

— أريد استعادتها.

— بإمكانكِ طلب ذلك منه شخصيًا.

* * *

أخذها نادر عبر ممرات المجمع بخطى هادئة، وكانت ليلى تسجّل كل شيء بعينيها: أبواب خشبية ضخمة بعضها مفتوح وبعضها مغلق، أشخاص يمرون بملابس عادية لكن بطريقة حركة مختلفة، شيء في كيفية تحريكهم لأجسادهم يذكّر بالحيوانات لا البشر. ثقة جسدية مطلقة. وعي محيطي دائم. وكلما مرّت بأحدهم التفت إليها وفيه نظرة لا تستطيع تفسيرها: ليست عدائية، لكنها ليست ترحيبًا أيضًا. كأنها ظاهرة غريبة يحاولون حلّها.

توقف نادر أمام باب أكبر من سواه في نهاية الممر. دقّ دقتين.

— ادخل. — صوت من الداخل. صوت منخفض ينتشر في الهواء كالدخان.

فتح نادر الباب وأشار لليلى بالدخول. دخلت.

كانت الغرفة مكتبًا بالمعنى الكامل، رفوف من الكتب على ثلاثة جدران من الأرض للسقف، وطاولة ضخمة في المنتصف مغطاة بخرائط وأوراق. والرجل خلف الطاولة لم يرفع رأسه حين دخلت.

كانت ليلى ترى قمة رأسه فقط، شعر داكن قصير، وكتفان عريضان في قميص أسود بسيط. يكتب شيئًا بتركيز تام، كأنها لم تدخل، كأن دخولها لا يستحق انقطاع ما هو فيه.

مرّت عشر ثوانٍ. عشرون.

قالت ليلى: — كاميرتي.

رفع الرجل رأسه.

والعينان الذهبيتان من الغابة نظرتا إليها.

في ضوء النهار كانتا أكثر إثارة للدهشة مما كانتا في الظلام. ذهب خالص بلا بقع، بلا بياض حول الحدقة، عيون لا يملكها بشر. وتحتهما وجه بُني اللون مكتنز الملامح، حاد الخطوط بطريقة تجعله يبدو كأنه نُحت لا وُلد. لم يكن تعبيره بمرحبًا ولا بمعادٍ. كان فارغًا بشكل يوحي بأن صاحبه يتحكم في ما يُظهره بدقة جراح.

— اجلسي. — قال.

— لن يطول كلامي. أريد كاميرتي فقط.

— اجلسي من فضلكِ.

جلست. ليس لأنه طلب، بل لأنها قرّرت أن الوقوف موقف دفاع لا هجوم.

وضع يده على الطاولة، وعلى راحتها كانت الكاميرا. دفعها ببطء نحوها. أخذتها ليلى بسرعة وفتحت الشاشة. الصور كلها موجودة. لم يُمس شيء.

— شكرًا. — قالت وأرادت النهوض.

— كانت هناك صور التقطتِها في الغابة الليلة الماضية.

توقفت.

— ماذا تقصد؟

— الكاميرا التقطت صورًا قبل أن تصلي إلينا. صور من الغابة. — نظر إليها بعينين لا تُقرأ تمامًا. — صور لأشياء لا ينبغي أن تراها عين بشرية.

فتحت ليلى الكاميرا وبحثت. آخر الصور: أشجار. ظلام. ضوء القمر على الثلج. ثم صورة أخيرة التقطتها بالخطأ حين أمسكت الكاميرا وهي تجري.

كانت ضبابية وغير واضحة المعالم، لكن في وسطها كان شكل ضخم داكن، أضخم بكثير من ذئب عادي، منتصب على قائمتين الخلفيتين في لحظة تحوّل.

نظرت ليلى إلى الرجل أمامها.

نظر إليها.

— ما هذا؟ — سألت بصوت ثابت أكثر مما توقعت.

— سؤال جيد. — قال. — وإجابته تستغرق وقتًا أطول من دقيقة.

— إذن لدي وقت.

شيء تحرّك في عيني راكان الأسود. شيء صغير جداً، لكن ليلى رأته: لم يكن استهجانًا. كان شيئًا أقرب إلى الاهتمام غير المتوقع.

— اسمكِ؟ — سأل.

— ليلى عمر. واسمك أنت؟

— راكان.

— راكان من؟

— راكان الأسود. — وقفة. — ملك هذه القبيلة.

أحكمت ليلى قبضتها على الكاميرا وتنفّست ببطء. قبيلة. ملك. صورة لكائن في لحظة تحوّل. عيون ذهبية في الغابة. كل شيء كان يصطف في خط واحد في ذهنها، وكان الخط يقود إلى شيء لا يصدّقه العقل.

— أنتم مستذئبون. — قالت. ليس سؤالاً.

لم ينفِ. لم يؤكد. نظر إليها فقط بتلك العيون الذهبية الفارغة من التعبير.

— وجدوكِ في غابتنا ليلاً. — قال أخيرًا. — هذا وحده كافٍ لإبقائكِ هنا حتى نعرف من أنتِ ولماذا أتيتِ.

— أتيت لأصوّر القمر. ضللت الطريق.

— ربما.

— ليس ربما. هذا ما حدث.

— ليلى عمر. — قال اسمها بطريقة تجعله يبدو وكأنه يختبر نكهته على لسانه. — قبيلتنا لم يصل إليها إنسان عادي بالصدفة منذ خمسين عامًا. الغابة تمنع ذلك.

— الغابة لا تمنع ولا تسمح. إنها أشجار.

— لأشخاص مثلكِ، ربما. — توقف. — لكن أنتِ وصلتِ. وهذا يعني أن الغابة سمحت لكِ. وهذا يعني أن ثمة سببًا.

نظرت إليه ليلى طويلاً. ثم قالت ما لم تتوقع أن تقوله: — جدتي كانت اسمها فاطمة عمر. هل هذا الاسم يعني لك شيئًا؟

أول مرة.

أول مرة تتحرك ملامح راكان الأسود بشكل حقيقي. كان تحرّكًا طفيفًا، شدّة خفيفة حول عينيه، تصلّب صغير في فك محكم، لكن ليلى رأته وعرفت أنها أصابت شيئًا.

— من أين جاءكِ هذا الاسم؟ — قال بصوت تغيّر بمقدار لا يُقاس.

— من شهادة وفاتها. — قالت ليلى ببرود. — ماتت قبل أسبوعين. وتركت لي مفكّرة لم أستطع قراءتها. والآن أنا هنا في غابتكم بالصدفة. — وقفة مقصودة. — أو ربما ليس بالصدفة، كما قلتَ أنت.

صمت راكان.

وفي الصمت كان الهواء في الغرفة يحمل شيئًا ثقيلاً لا اسم له.

— ستبقين. — قال أخيرًا.

— لن أب—

— ليس أمرًا. — قاطعها، وكان صوته قد عاد إلى برودته الأولى لكن بطبقة أعمق تحتها. — طلب. اسم جدّتكِ يعني لي شيئًا. وإذا كانت فاطمة عمر هي من أظنها، فإن حياتكِ خارج هذا المجمع أقل أمانًا مما تتصوّرين.

نظرت إليه ليلى. نظر إليها.

— كم من الوقت؟ — قالت.

— حتى أعرف الحقيقة.

— وإذا لم تعجبني الحقيقة؟

— الحقيقة لا تسأل إذا كانت ستعجب أحدًا.

أخذت ليلى نفسًا طويلاً. نظرت إلى الكاميرا في يدها. إلى الصورة الضبابية على الشاشة. إلى العيون الذهبية أمامها.

— حسنًا. — قالت. — لكن أريد غرفة بنافذة أكبر.

هذه المرة، وللمرة الأولى، تحرّكت زاوية فم راكان الأسود بمقدار لا يكاد يُرى.

ولا أحد يعرف إذا كانت ابتسامة أم لا. لكنها كانت شيئًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنياب القمر    الفصل الخمسون: تحت القمر المكتمل

    مرت أشهر عديدة منذ حفل التتويج، واستقرت الأوضاع في القبيلة بشكل ملحوظ تحت قيادة راكان وليلى المشتركة، التي أثبتت نفسها يومًا بعد يوم كملكة حكيمة وعادلة، تجمع بين قوة الذئبة البيضاء وحكمة حارسة الذاكرة في شخصية واحدة متكاملة أحبها أفراد القبيلة جميعًا دون استثناء تقريبًا، حتى أولئك الذين تحفظوا في البداية على رابطتها مع الملك بسبب دمها المزدوج.لم يظهر صاحب العينين الحمراوين مرة أخرى طوال هذه الأشهر، لكن راكان وليلى لم يتوقفا عن الحذر واليقظة، مدركين أن ظله قد يعود يومًا ما، ربما بعد سنوات، ربما في جيل قادم، تمامًا كما عاد بعد هروب فاطمة الأولى قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. قررا معًا أن يوثقا كل تفاصيل هذه القصة في أرشيف الذاكرة بدقة متناهية، ليكون درسًا للأجيال القادمة، بدلًا من إخفاء الحقيقة كما فعلت الأجيال السابقة خوفًا من مواجهتها.في مساء أحد الأيام، تحت ضوء قمر مكتمل جديد أضاء سماء الوادي بأكمله، وقفت ليلى وراكان معًا على الشرفة نفسها التي شهدت الكثير من محادثاتهما المهمة عبر هذه الرحلة الطويلة. أخبرته ليلى بابتسامة مشرقة عن خبر جديد أثار فرحًا عارمًا بينهما: أنها تحمل الآن حياة جديد

  • أنياب القمر    الفصل التاسع و الاربعون : تتويج الملكه

    بعد أسابيع قليلة من استقرار الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ، قرر مجلس الحكماء أن الوقت حان أخيرًا لتنظيم حفل تتويج رسمي لليلى كملكة كاملة الصلاحيات للقبيلة، إلى جانب راكان، تكريمًا لدورها المحوري في حماية القبيلة خلال أحلك أوقاتها، ومكافأة لشجاعتها ونكرانها لذاتها التي أثبتتها مرارًا عبر هذه الرحلة الطويلة والشاقة منذ وصولها الأول إلى هذا العالم الغريب عليها في البداية.استقبلت ليلى هذا الخبر بمزيج من الفخر والتواضع الحقيقي، وقالت لراكان بصدق: «لا أشعر أنني أستحق لقب ملكة بقدر ما أشعر أنني جزء من عائلة كبيرة أحمي أفرادها بكل ما أملك من قوة وحب.» ابتسم راكان بحنان، وقال: «وهذا بالضبط ما يجعلك تستحقين هذا اللقب أكثر من أي شخص آخر، لأن القيادة الحقيقية تنبع من الحب والتواضع، لا من الرغبة في السلطة أو التفاخر بالمكانة.»تحضّرت القلعة لحفل التتويج بحماس متجدد، وشارك الجميع في الترتيبات: طارق تولى تنظيم عرض عسكري رمزي بمشاركة كل المحاربين الذين قاتلوا في المعركة الكبرى، بينما أشرفت سيرا على الجانب الروحي للطقس التتويجي التقليدي، الذي يتضمن وضع تاج فضي قديم توارثته الملكات السابقات عبر أجيال طويل

  • أنياب القمر    الفصل الثامن و الأربعون: ظل يعود

    بعد أسبوع من احتفالات الاقتران التي امتدت بفرح متجدد عبر القبيلة بأكملها، وصل خبر مقلق كسر هذا الهدوء النسبي: رُصدت مجموعة صغيرة من أتباع صاحب العينين الحمراوين المتبقين تتجمع مرة أخرى قرب الحدود الشمالية، في محاولة يائسة أخيرة ربما، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا يجب التعامل معه بجدية تامة قبل أن يتفاقم إلى أزمة أخرى مماثلة لما سبق.جمع راكان قادته فورًا لمناقشة الموقف، وقرروا إرسال فريق صغير بقيادة نادر وطارق للتحقيق في الأمر عن كثب دون الدخول في مواجهة مباشرة إلا إذا كان ذلك ضروريًا تمامًا. طلبت ليلى المشاركة في هذه المهمة، مدركة أن خبرتها المتزايدة في التعامل مع أتباع هذا الرجل الغامض قد تكون حاسمة لفهم نواياهم الحقيقية ومنع أي تهديد مستقبلي محتمل ضد القبيلة وأمنها المستعاد بصعوبة بالغة.وافق راكان بتردد، مشترطًا مرافقته لها شخصيًا هذه المرة، غير مستعد لتحمل فكرة تعرضها لأي خطر إضافي بعد كل ما مرا به معًا. انطلق الفريق الصغير عند الفجر، متتبعين أثر المجموعة المشبوهة عبر تضاريس وعرة قرب الحدود، حتى وصلوا أخيرًا إلى معسكر صغير مؤقت مخفي بين الأشجار الكثيفة، حيث وجدوا عددًا قليلً

  • أنياب القمر    الفصل السابع و الأربعون: طقس الاقتران

    حلّت أخيرًا ليلة طقس الاقتران، تحت قمر مكتمل ثانٍ أضاء سماء القلعة بضوء فضي ساحر يشبه إلى حد كبير ذلك الذي رافق ليلة استيقاظ الذئبة البيضاء قبل أسابيع قليلة. تجمّع أفراد القبيلة بأكملهم في الساحة الكبرى، مرتدين أفضل ثيابهم، ينتظرون بترقب حقيقي بداية أعظم احتفال شهدته هذه الأسوار منذ سنوات طويلة مضت.ارتدت ليلى ثوبًا أبيض طويلًا مطرزًا برموز فضية دقيقة تشبه تلك الموجودة على علامتها، من تصميم سيرا نفسها التي أشرفت على كل تفصيلة بحب وعناية فائقة. وقفت أمها بجانبها تساعدها في اللمسات الأخيرة، ودموع الفخر تملأ عينيها وهي ترى ابنتها تستعد للحظة لم تكن تحلم يومًا أن تشهدها بأم عينيها بعد كل سنوات الغياب والخوف الطويلة.دخلت ليلى الساحة الكبرى وسط تصفيق حار وعواء جماعي مهيب، ووجدت راكان ينتظرها عند النصب الحجري القديم، مرتديًا زيًا ملكيًا فاخرًا يليق بهذه المناسبة التاريخية. تبادلا نظرة طويلة مليئة بكل ما مرا به معًا، من اللقاء الأول في الغابة إلى المعركة الكبرى، وشعرا كلاهما أن كل لحظة ألم سابقة كانت تستحق الوصول إلى هذه اللحظة بالذات.بدأت سيرا الطقس بتلاوة كلمات قديمة بلغة الحراس الأصلية،

  • أنياب القمر    الفصل السادس و الأربعون: التحضير لطقس الاقتران

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس و الأربعون: لقاء بعد غياب

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل الرابع: الملك

    الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و

  • أنياب القمر    الفصل الثالث: القبيله

    الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج

  • أنياب القمر    الفصل الأول : الغابة لا تنام

    كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين أدركت ليلى أنها ضلّت الطريق.لم يكن ذلك ما أرادته حين قرّرت تصوير الغابة ليلاً. أرادت القمر الكامل يرسم ظلاله بين الأشجار، أرادت الصمت الذي لا يجده المصوّر إلا في ساعات الذروة الظلامية، حين ينام الضجيج ويصحو الجمال الخفي. لكن الغابة كان لها رأي آخر.بدأت المشكلة

  • أنياب القمر    الفصل العاشر : التحدي

    الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status