LOGINصوت من خلف الحجر
ساد الصمت لثوانٍ طويلة بعد أن تردد ذلك الصوت العجوز من أعماق الممر الحجري، حتى إن الريح التي كانت تعصف بين الأشجار خفتت كأن الغابة نفسها تنتظر قرار لورين.
كانت عيناها مثبتتين على المدخل السري الذي انشق من قلب الصخر، بينما أخذ الضوء الأزرق الخافت يتراقص على الجدران القديمة، مانحًا المكان هيبة غامضة لا تشبه أي شيء رأته من قبل.
قال الصوت مرة أخرى، هذه المرة ببطء أشد:
«ابنة إلياس... لا تجعليني أعيد دعوتك للمرة الثالثة.»
قبضت لورين على مقبض خنجرها.
«من أنت؟»
جاءها الرد دون تردد.
«شخص... انتظر وصولك سنوات طويلة.»
تقدمت خطوة.
لكن دارين أمسك بذراعها.
«لن تدخلي.»
التفتت إليه.
«لقد سمعت ما قاله.»
«سمعته.»
«إنه يريدني أنا.»
هز رأسه بقوة.
«وهذا سبب إضافي يمنعك من الذهاب.»
قال أحد الفرسان مؤيدًا: «قد يكون كمينًا.»
ابتسمت لورين ابتسامة خافتة لا تخلو من المرارة.
«كل طريق سلكته منذ طفولتي كان كمينًا... ولم أتراجع.»
اشتدت قبضة دارين على ذراعها.
«هذه المرة مختلفة.»
«ولماذا؟»
«لأنني لا أملك شعورًا جيدًا تجاه هذا المكان.»
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى يده الممسكة بها.
فهم الرسالة.
وأفلتها بهدوء.
في تلك الأثناء، كان كاسيان يقف صامتًا، وعيناه لا تفارقان المدخل الحجري.
لاحظت لورين أنه لا ينظر إلى الظلام، بل إلى النقوش المحفورة على جانبي البوابة.
اقتربت منه.
«هل تعرف هذه الرموز؟»
ظل يحدق فيها لحظة طويلة قبل أن يجيب.
«لا... لكنني رأيت ما يشبهها من قبل.»
رفعت حاجبها.
«أين؟»
التفت إليها.
«في مكان أتمنى ألا تضطري لرؤيته يومًا.»
انعقد حاجباها.
«كلما سألتك سؤالًا زادت أسرارك.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«ولو أخبرتك بكل شيء... لما بقي بيننا ما يثير فضولك.»
نظرت إليه باستنكار.
«أتعتمد على الفضول حتى تستمر معرفتنا؟»
مال برأسه قليلًا وقال بنبرة هادئة امتزجت فيها السخرية بالصدق:
«بل أعتمد على أنك عنيدة بما يكفي لتستمري في مطاردتي بالأسئلة.»
لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها.
لكنها سرعان ما أخفتها عندما لاحظت نظرات دارين المتجهة نحوهما.
قال دارين بجدية:
«لورين... لا تنسي أننا في مهمة.»
أجابته وهي تعود بنظرها إلى المدخل:
«ولن أنسى.»
ثم تقدمت خطوة أخرى.
وفجأة...
خرجت من داخل النفق كرة ضوء زرقاء صغيرة.
لم تكن لهبًا.
ولا سحرًا كما تخيلت.
بل أشبه بفراشة مضيئة.
دارت حولها مرة.
ثم اتجهت نحو الممر.
وتوقفت.
وكأنها تدعوها لتتبعها.
همست لورين:
«ما هذا؟»
قال الصوت العجوز:
«دليل الطريق.»
تبادلت نظرة سريعة مع كاسيان.
ثم قالت:
«إذا دخلت... هل سيُسمح لهم بالدخول أيضًا؟»
ساد الصمت لحظة.
ثم جاء الرد.
«لا.»
وقبل أن تتكلم...
أكمل الصوت:
«لكن إن كان بينهم رجل يرتدي السواد... فليدخل معك.»
انعقدت حواجب الجميع في اللحظة نفسها.
أما لورين...
فاستدارت ببطء نحو كاسيان.
«يقصدك أنت.»
أما دارين فقال بحدة:
«وكيف يعرفه؟»
لم يجب أحد.
حتى كاسيان نفسه بدا مندهشًا للمرة الأولى.
رفع رأسه نحو المدخل وقال بصوت ثابت:
«من أنت؟»
ضحكة خافتة خرجت من الأعماق.
«من يعرف اسمك الحقيقي يا كاسيان... لا يحتاج إلى تقديم نفسه.»
تصلب جسد كاسيان للحظة خاطفة.
كانت لحظة قصيرة جدًا.
لكن لورين لاحظتها.
لم تقل شيئًا.
غير أن سؤالًا جديدًا انغرس في عقلها.
كيف لرجل مجهول أن يعرف كاسيان؟
تنحنح دارين.
«هذا يكفي.»
ثم تقدم أمامهما.
«لن يدخل أحد.»
رفع سيفه في مواجهة المدخل.
«أظهر نفسك أولًا.»
لكن ما إن أنهى جملته...
حتى اهتزت الأرض بعنف.
وتساقطت الحجارة من أعلى المدخل.
ثم اندفعت موجة هواء هائلة دفعت الجميع إلى الخلف عدة خطوات.
ثبت كاسيان نفسه بصعوبة.
أما لورين فكادت تسقط.
لكنه أمسك بيدها قبل أن ترتطم بالأرض.
تشابكت أصابعهما للحظة.
رفعت رأسها إليه.
كانت أنفاسهما متقاربة.
قال بهدوء:
«هل أصابك شيء؟»
هزت رأسها.
«لا...»
لكنه لم يترك يدها فورًا.
بل ظل ممسكًا بها حتى استعادت توازنها تمامًا.
ولسبب لم تستطع فهمه...
لم تسحب يدها هي الأخرى.
إلى أن جاء صوت دارين من الخلف.
«لورين.»
انتبهت فجأة.
وسحبت يدها بسرعة.
ثم أشاحت بوجهها محاولة إخفاء الارتباك الذي تسلل إليها.
ابتسم كاسيان ابتسامة خفيفة لم يعلق بعدها بشيء.
أما دارين...
فاكتفى بالصمت.
لكن الصمت في عينيه كان يحمل أكثر مما يمكن للكلمات قوله.
وفجأة...
توقفت فراشة الضوء أمام قدمي لورين.
ثم انطلقت إلى داخل النفق.
وقال الصوت للمرة الأخيرة:
«الوقت ينفد... وإذا لم تدخلا الآن، فسأعتبر أن إلياس أخطأ عندما وثق بالبشر.»
توقفت لورين.
ثم رفعت رأسها بسرعة.
«لقد عرفت والدي فعلًا!»
لكن لم يصلها جواب.
اختفى الصوت تمامًا.
نظرت إلى كاسيان.
«سأدخل.»
أجابها فورًا:
«وأنا معك.»
«قد يكون فخًا.»
«أعرف.»
«وقد لا نخرج.»
ابتسم ابتسامته الهادئة التي بدأت تحفظها.
«إذن سيكون خروجنا أكثر إبهارًا.»
ضحكت رغم توترها.
ضحكة قصيرة وصادقة.
ثم قالت وهي تهز رأسها:
«لا أعرف كيف تستطيع المزاح في كل موقف.»
اقترب منها خطوة.
وقال بصوت لم يسمعه سواها:
«لأنني إذا توقفت عن المزاح... فسأبدأ بالقلق عليك.»
توقفت أنفاسها.
ونظرت إليه طويلًا.
كان صادقًا.
أو هكذا شعرت.
لكن قبل أن تتمكن من الرد...
خرج هدير مرعب من أعماق النفق.
هدير لم يكن يشبه صوت متحول.
ولا صوت أي وحش عرفته.
ثم...
بدأت الأرض تهتز من جديد.
واقتربت خطوات ثقيلة جدًا من داخل الظلام.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم ثالثة...
حتى ظهر أول جزء من مخلوق ضخم يتقدم ببطء نحو المدخل.
ولم يكن أكثر ما أرعب لورين حجمه...
بل الدرع الفضي القديم الذي كان يغطي جسده.
لأنها تعرف ذلك الدرع.
كانت قد رأته مرارًا في الرسومات القديمة داخل منزلها.
وكان يخص...
والدها إلياس.
نهاية الفصل الرابع عشر
أول خيطحلّ الصباح على الأكاديمية مثقلًا بأجواء لم يعتدها الطلاب. لم تعد ساحات التدريب تضج بالأحاديث والضحكات كما في السابق، بل خفتت الأصوات، وازدادت الدوريات حول الأسوار، بينما انتشرت أخبار الهجوم على القرية بين الجميع، وإن لم يعرفوا تفاصيله كاملة.كانت لورين تقف في ساحة التدريب منذ شروق الشمس، تكرر حركاتها بالسيف بلا توقف.ضربة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كانت تضرب بقوة أكبر من المعتاد، حتى بدأت أنفاسها تتسارع.راقبها دارين من بعيد، ثم اقترب منها."منذ متى وأنتِ تتدربين دون راحة؟"أوقفت سيفها أخيرًا."منذ أن عدنا."عقد حاجبيه."الإرهاق لن يساعدك."أجابته دون أن ترفع عينيها:"والجلوس لن يعيد الموتى."ساد الصمت بينهما.كان يعلم أنها تقصد عائلتها، لذلك لم يحاول مواساتها بكلمات يعرف أنها لن تغير شيئًا.قال بهدوء:"المدير يريد رؤيتك."في مكتب المدير...طرقت لورين الباب ودخلت.كان المدير يقف أمام النافذة، بينما وُضعت أمامه عدة ملفات قديمة.استدار إليها بابتسامة هادئة."اجلسي."جلست في صمت.فتح أحد الملفات، ثم دفعه نحوها."هل تعرفين هذا الخط؟"نظرت إلى الورقة.اتسعت عيناها."إنه... خط والدي."
أول خيط...هبط الليل على الأكاديمية أسرع من المعتاد.كان الهدوء الذي خيم على الأسوار يخفي توترًا واضحًا بين الحراس، فبعد الهجوم على القرية لم يعد أحد يصدق أن الوحشيين يتحركون بعشوائية. أصبح الجميع يدرك أن هناك من يقودهم، لكن أحدًا لم يكن يعرف هويته.عادت فرقة الاستطلاع قبل منتصف الليل بقليل.ما إن دخلوا البوابة الرئيسية حتى هرع عدد من المعالجين نحو الجرحى، بينما استقبلهم مدير الأكاديمية بنفسه عند الساحة.وقعت عيناه أولًا على الحارس المصاب الذي أنقذوه.ثم نظر إلى القائد."كيف كان الوضع؟"أجابه القائد بإيجاز:"القرية دُمِّرت جزئيًا... لكننا أنقذنا بعض الناجين."ساد الصمت لحظة.ثم أضاف:"والوحشيون لم يكونوا وحدهم."تغيرت ملامح المدير."ادخلوا جميعًا إلى قاعة الاجتماع."بعد دقائق...اجتمع القائد، والمدير، ودارين، وكاسيان، ولورين داخل القاعة الحجرية.وضعت لورين قطعة القماش السوداء فوق الطاولة."وجدتها في موقع المعركة."اقترب المدير منها.قلبها بين يديه عدة مرات.ثم انعقد حاجباه."هذا الشعار..."سألته لورين بسرعة:"هل تعرفه؟"ظل صامتًا للحظات، قبل أن يجيب بحذر:"رأيته منذ سنوات طويلة."تبا
آثار في الظلامانطلقت الفرقة بين الأشجار بأقصى سرعتها، بينما كانت أصوات الأغصان المتكسرة تحت أقدامهم تختلط بأنفاسهم المتلاحقة. وكلما اقتربوا من مصدر الانفجار، ازدادت رائحة الدخان والدم كثافة، حتى شعرت لورين بانقباض مألوف في صدرها، ذلك الشعور الذي كان يسبق دائمًا مواجهة مصاصي الدماء الوحشيين.رفع القائد قبضته."توقفوا."انخفض الجميع خلف مجموعة من الصخور الكثيفة.أشار دارين إلى الأمام بصوت خافت."هناك..."تسللت لورين بنظرها بين الأشجار.كانت مساحة واسعة من الغابة قد تحولت إلى ساحة قتال. الأشجار مقتلعة من جذورها، والأرض مليئة بالحفر العميقة، بينما تناثرت بقع من الرماد الأسود في كل مكان.همست بدهشة:"رماد..."اقترب كاسيان ببطء، ثم انحنى بجوار إحدى الكومات السوداء.مرر أصابعه فوقها قبل أن يقول:"وحشي."اتسعت عينا أحد الجنود."إذن أحدهم قضى عليهم قبل وصولنا."لم يجب كاسيان، بل نهض واتجه نحو شجرة ضخمة انشطر جذعها إلى نصفين.كانت عليها آثار ضربات سيف دقيقة وقوية.قال القائد وهو يتفحص المكان:"لا توجد جثث بشرية."أجاب دارين:"لكن آثار المعركة تشير إلى أنهم كانوا كثيرين."تنقلت عينا لورين بين ا
آثار في الظلام ..اندفعت الفرقة داخل الغابة فور سماع الصرخة، وكانت الأشجار الكثيفة تبتلع ضوء الشمس حتى بدا المكان أقرب إلى الغسق منه إلى النهار. ركضت لورين في المقدمة إلى جوار دارين، بينما تحرك كاسيان بصمت على الجانب الآخر، وعيناه تمسحان الغابة بحذر شديد.بعد دقائق...توقف كاسيان فجأة.رفع يده."قفوا."توقفت الفرقة كلها في اللحظة نفسها.سأل القائد:"ماذا وجدت؟"انحنى كاسيان بجوار إحدى الأشجار.كان لحاؤها ممزقًا بثلاثة أخاديد عميقة.اقتربت لورين."مخالب."هز رأسه."نعم... لكنها حديثة."ثم أشار إلى الأرض.وجد الجميع آثار أقدام كثيرة، بعضها يعود للوحشيين، بينما ظهرت بينها آثار أقدام بشرية صغيرة.قالت لورين بقلق:"إنهم يأخذون القرويين معهم."أجاب كاسيان:"وليسوا جميعًا."قطب القائد حاجبيه."كيف عرفت؟"أشار إلى الأرض."هناك آثار مقاومة هنا... ثم اختفت."اقترب دارين، ولاحظ بقعًا صغيرة من الدم."إذن حاول أحدهم الهرب."ظل كاسيان صامتًا للحظات، ثم نظر إلى الأشجار المحيطة."لا يزال قريبًا."وفجأة...صدر صوت ارتطام خفيف من خلف الشجيرات.استل الجميع أسلحتهم.اقترب دارين بحذر، ثم أبعد الأغصان بسي
بين الواجب والقلب ساد الصمت بعد كلمة كاسيان."نبيل."تبادل الجنود النظرات في حيرة، بينما عقد القائد حاجبيه.قال بصوت منخفض:"هل أنت متأكد؟"لم يرفع كاسيان عينيه عن آثار المخالب المنغرزة في الأرض."هذه ليست آثار وحشي. الوحشيون يتركون آثارًا عشوائية بسبب فقدانهم السيطرة، أما هذه... فهي مقصودة ومنظمة."انحنى أكثر، ثم مرر أصابعه فوق إحدى الحفر."صاحبها كان يبطئ خطواته عمدًا."سأل دارين باستغراب:"ولماذا يفعل ذلك؟"نهض كاسيان بهدوء، وأجاب:"لأنه لم يحاول الاختباء... بل أراد أن نعرف أنه مر من هنا."شعرت لورين بانقباض في صدرها.همست:"كأنه يرسل تحديًا."نظر إليها كاسيان للحظة قصيرة."بالضبط."تابعت الفرقة سيرها حتى بدأت معالم القرية الأولى تظهر بين الأشجار.لكن ما إن اقتربوا حتى خيم عليهم شعور ثقيل.كانت الأبواب مفتوحة.النوافذ مكسورة.والساحة الرئيسية...خالية تمامًا.لم يسمعوا صوت طفل، ولا حديث أحد، ولا حتى نباح كلب.قال أحد الجنود:"هل غادر الجميع؟"رد القائد:"انتشروا بحذر."تفرقت المجموعة بين البيوت.دخلت لورين أحد المنازل، فرأت المائدة ما تزال مجهزة بالطعام، لكنه أصبح باردًا منذ ساعات
بين الواجب والقلب لم تنم لورين تلك الليلة.جلست أمام نافذة غرفتها، تحدق في الغابة التي يغمرها ضوء القمر، بينما كانت كلمات كاسيان تتردد في رأسها بلا توقف."هناك نوعان من مصاصي الدماء..."أغلقت عينيها بقوة.كانت تريد أن ترفض كل ما سمعته، وأن تعتبره مجرد كذبة متقنة، لكنها لم تستطع تجاهل حقيقة واحدة...كاسيان أنقذ حياتها أكثر من مرة.ولو كان يريد قتلها، لفعل ذلك منذ لقائهما الأول.لكن صورة أخرى اقتحمت ذهنها.وجه والدتها وهي تدفعها إلى مكان اختبائها.صوت والدها وهو يقاتل حتى النفس الأخير.النيران...والدماء...والصرخة الأخيرة التي لم تستطع نسيانها طوال السنوات الماضية.قبضت على حافة النافذة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.همست بصوت مكسور:"لن أنسى... مهما حدث."في الجهة الأخرى من الأكاديمية...كان كاسيان يقف فوق أحد الأبراج الحجرية، ينظر إلى الأضواء القليلة المنتشرة في الساحة.اقترب منه المدير بهدوء.وقف بجواره دون أن يتكلم لعدة لحظات.ثم قال:"لقد أخبرتهم أكثر مما كنت أخطط."أجاب كاسيان دون أن يحول نظره:"لم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة."تنهد المدير."لورين لن تتقبل الأمر بسهولة."ابتسم كاسيان ا







