LOGINيظن البشر أن الليل ليس سوى ساعاتٍ قليلة من الظلام تنتهي مع شروق الشمس، لكنهم لا يعلمون أن عالمًا آخر يستيقظ حين يخلدون إلى النوم، عالمًا يختبئ في الظلال ويعيش بينهم منذ قرون دون أن يشعروا بوجوده. في ذلك العالم توجد وحوش تتغذى على الخوف والدماء، ومصاصو دماء يخفون حقيقتهم خلف وجوه بشرية، وصيادون كرّسوا حياتهم لمطاردة ما يختبئ في العتمة. أما لورين، فلم تكن ترى في ذلك العالم سوى شيء واحد… الانتقام. ففي ليلةٍ دامية، وبين ألسنة اللهب وصيحات الموت، فقدت عائلتها على يد مخلوقات ذات عيون حمراء وأنياب حادة، ومنذ ذلك الحين أقسمت أن تُبيد جميع مصاصي الدماء دون استثناء، حتى لو اضطرت إلى السير وحدها في أحلك الطرق وأكثرها خطورة. لكن ما الذي يحدث عندما ينقذ حياتك الشخص الذي أقسمت على قتله؟ وماذا لو كان العدو الذي تعلمت أن تكرهه ليس الشرير الحقيقي؟ بين الأسرار والخيانة والدماء، وبين قلب يرفض الاستسلام وماضٍ يرفض أن يُنسى، ستكتشف لورين أن بعض الأقدار لا تبدأ بلقاءٍ عابر… بل تبدأ في الليلة التي تلتقي فيها الأنياب بالظلام.
View More«إن كنتِ مولعة بالموت إلى هذا الحد، فكان يكفيكِ أن تطلبي مني مرافقتكِ إلى المقبرة، لا أن تقتحمي عشَّ الوحوش وحدكِ.»
كانت تلك آخر جملة سمعتها لورين قبل أن يبتلعها الظلام، وآخر ما رأته عينان غريبتان تحدقان فيها بهدوء وسط المذبحة، لكن الغريب أنها لم تكن تعلم حينها أن تلك الكلمات الساخرة ستكون بداية الحكاية التي ستقلب حياتها بأكملها.
قبل ساعات…
كان الليل قد بسط عباءته السوداء على المدينة، وبدت الشوارع القديمة شبه مهجورة، لا يقطع صمتها سوى صفير الرياح الباردة ونباح كلب بعيد. فوق أحد الأسطح العالية وقفت لورين، مرتدية ملابس سوداء عملية، وقد ربطت شعرها البني الطويل إلى الخلف، بينما كانت عيناها الرماديتان تجوبان المنطقة بدقة شديدة.
وضعت يدها على مقبض الخنجر الفضي المعلق عند خصرها وقالت بصوت خافت: «لقد اختفيتم يومين كاملين… لا بد أنكم في مكان قريب.»
ارتفع صوت صغير من جهاز الاتصال المثبت في أذنها.
«لورين، انتهت دوريتك منذ ساعة. عودي إلى المدرسة.»
زفرت بضيق ولم تجب.
عاد الصوت مرة أخرى.
«هل تسمعينني؟»
نزعت الجهاز من أذنها وأغلقته تمامًا.
تمتمت ببرود: «لن أعود قبل أن أجدكم.»
وفي اللحظة نفسها وصل إليها شيء جعلها تتجمد في مكانها.
رائحة دم.
ثم…
صرخة فتاة.
رفعت رأسها فجأة، وحدقت نحو زقاق ضيق يبعد عدة شوارع عن مكانها.
«وجدتكم.»
قفزت من السطح إلى آخر، ثم إلى آخر، تتحرك بخفة وسرعة حتى وصلت إلى حافة المبنى الأخير، وما إن نظرت إلى الأسفل حتى انكمشت ملامحها.
كانت فتاة في نحو العشرين من عمرها ملتصقة بالجدار، تبكي وتنتفض خوفًا، بينما أحاط بها أربعة مخلوقات شاحبة البشرة، ذات عيون حمراء متوهجة وأنياب طويلة.
همست لورين: «متحولون…»
ابتسم أحد الوحوش وهو يقترب من الفتاة.
«لا تصرخي… لن يؤلم كثيرًا.»
وقبل أن يلمسها…
هبطت لورين من الأعلى.
ارتطمت قدماها بالأرض بقوة، ثم رفعت رأسها ببطء.
تجمدت الوحوش.
وتراجعت الفتاة خطوة في ذعر.
قال أحدهم وهو يضيق عينيه: «ومن هذه؟»
أخرجت لورين خنجرها الفضي.
ثم أجابت ببرود:
«نهايتكم.»
انفجر الوحش ضاحكًا.
«فتاة؟»
ابتسمت لورين ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها.
«أجل… فتاة.»
وانقضت عليه.
تحرك بسرعة غير طبيعية، قافزًا نحوها بمخالبه الحادة، لكن لورين كانت أسرع مما توقع. انخفضت بجسدها إلى الأسفل في اللحظة الأخيرة، ثم استدارت حول نفسها وغرست خنجرها الفضي في جانبه.
أطلق الوحش صرخة حادة، وقفز إلى الخلف.
ابتسمت لورين بسخرية.
«هل هذه كل سرعتك؟ لقد رأيت ما هو أفضل منك.»
زمجر في غضب، بينما تبادل رفاقه النظرات.
قال أحدهم بصوت منخفض:
«إنها صيادة.»
قطبت الفتاة المحاصرة حاجبيها وهي تنظر إلى لورين بذهول.
أما الوحش المصاب فقد بصق بغضب:
«اقتلوا الفتاة أولًا.»
رفع أحدهم يده نحو الشابة المرتجفة.
وفي اللحظة نفسها…
اخترق الخنجر الفضي عنقه.
اتسعت عيناه.
رفع يده ببطء نحو النصل المغروس في رقبته، ثم بدأت النار تنتشر في جسده كأنها خرجت من عظامه نفسها، ولم تمض ثوانٍ حتى تحول إلى رماد أسود تناثر في الهواء.
ساد الصمت.
ثم التفتت لورين ببطء نحو الوحوش الثلاثة الباقين.
«بقي ثلاثة.»
قال أحدهم بغيظ:
«أيتها اللعينة…»
أشارت برأسها نحو الفتاة.
«اهربي.»
«ل… لكن…»
رفعت لورين صوتها ببرود:
«قلت اهربي.»
أومأت الفتاة عدة مرات، ثم ركضت مبتعدة وهي تبكي.
راقب أحد الوحوش هروبها.
ثم ابتسم ابتسامة مخيفة.
«الآن… لا أحد يزعجنا.»
واندفعوا نحوها دفعة واحدة.
قفزت لورين إلى الخلف.
مرت المخالب على بعد سنتيمترات من وجهها.
استدارت سريعًا، ثم وجهت ركلة قوية إلى صدر أحدهم، وأمسكت معصم الثاني قبل أن تصله مخالبه ودفعته نحو رفيقه.
وفي اللحظة التي اصطدما فيها ببعضهما، اندفعت إلى الأمام وغرست الخنجر في صدر الثالث.
تجمد الوحش.
نظر إليها بصدمة.
ثم اشتعل جسده وتحول إلى رماد.
تنفست لورين بعمق.
اثنان.
لكنها لم تملك وقتًا للراحة.
إذ انقض أحدهما من الخلف.
شعرت به.
استدارت بسرعة…
لكن ليس بالسرعة الكافية.
مزقت مخالبه كتفها.
شهقت من الألم.
تراجعت عدة خطوات، بينما سال الدم فوق ذراعها.
ابتسم الوحش.
«أخيرًا.»
أحكمت قبضتها على الخنجر.
وتجاهلت الألم.
«جرح سطحي.»
انفجر الوحش ضاحكًا.
«عنيدة أيضًا!»
ثم هجم مجددًا.
تبادل الاثنان الضربات بسرعة.
كانت لورين تتراجع أحيانًا وتتقدم أحيانًا أخرى، تتجنب المخالب بصعوبة، بينما بدأ الدم يفقدها جزءًا من قوتها.
وفي لحظة خاطفة، انخفضت تحت ذراعه، ثم غرست خنجرها في قلبه.
صرخ.
وتحول إلى رماد.
تنفست بقوة.
واحد.
رفعت رأسها ببطء.
لكنها تجمدت.
لم يكن واحدًا.
خرج من الظلام اثنان آخران.
ثم ظهر ثالث.
ثلاثة.
وأمامها الوحش الأخير.
أربعة متحولين.
اتسعت عيناها قليلًا.
لقد كان كمينًا.
ابتسم أحدهم ابتسامة بشعة.
«هل تفاجأتِ؟»
وقال آخر:
«كنا نراقبك منذ أيام يا صيادة.»
أحاطوا بها من كل اتجاه.
قبضت لورين على خنجرها بقوة.
كانت تتنفس بصعوبة.
والدم ما زال ينزف من كتفها.
قال أحدهم:
«إنها مصابة.»
وقال آخر:
«لن يستغرق الأمر طويلًا.»
ورغم ذلك…
رفعت لورين ذقنها.
«تعالوا إذن.»
نظروا إليها باستغراب.
كانت تنزف.
محاصرة.
ومع ذلك…
لم يكن هناك ذرة خوف في عينيها.
قال أحدهم ببطء:
«أنتِ مجنونة.»
ابتسمت لورين ابتسامة باردة.
«سمعت هذا كثيرًا.»
ثم اندفعوا.
قاتلت كمن يقاتل للمرة الأخيرة.
تفادت مخلبًا.
تلقت ضربة.
طعنت أحدهم.
تراجعت.
ضربة أخرى أصابت جنبها.
اهتزت رؤيتها.
لكنها لم تتوقف.
لم تستطع.
لأنها كلما رأت تلك العيون الحمراء…
كانت ترى شيئًا آخر.
كانت ترى منزلها يحترق.
كانت ترى والدتها تبكي.
كانت ترى والدها غارقًا في الدماء.
وكانت ترى نفسها…
طفلة في العاشرة…
ترتجف داخل الخزانة وهي تستمع إلى صرخاتهم.
صرخت وهي تهاجم.
«أيها الوحوش!»
ثم غرست خنجرها في صدر أحدهم.
احترق.
لكن في اللحظة نفسها…
خرج الآخر من جانبها.
ورفعت مخالبه نحو عنقها مباشرة.
كانت بطيئة.
متعبة.
مصابة.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
أدركت أنها لن تستطيع تفادي الضربة.
اقتربت المخالب.
أكثر.
وأكثر.
ثم…
دوى انفجار هائل في الزقاق.
اهتزت الأرض.
وتشققت الحجارة.
واندفعت موجة هواء قوية بعثرت الغبار والرماد في كل اتجاه.
تجمد الجميع.
حتى الوحوش.
حدقت لورين بصعوبة.
وسط الغبار…
كان هناك شخص.
رجل طويل القامة.
ظهره إليها.
يرتدي معطفًا أسود طويلًا.
وشعر أسود تحرك مع الريح.
وقف بكل هدوء…
كأنه لم يهبط وسط معركة.
بل خرج للتو من نزهة ليلية.
ساد الصمت.
ثم قال بصوت عميق وهادئ:
«خمسة متحولين ضد فتاة جريحة؟»
أمال رأسه قليلًا.
«لا بد أن مستوى الذكاء بينكم أسوأ مما توقعت.»
لم تتحرك لورين لثوانٍ بعد أن أنهى المدير كلماته، وظلت عيناها معلقتين بالورقة الملطخة بالدماء، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها بأن الكلمات المكتوبة عليها ليست حقيقية، لكن اسم والدها الذي ورد فيها كان كافيًا ليعيد إلى صدرها ذلك الألم القديم الذي ظنت أنها تعلمت كيف تخفيه.قالت أخيرًا بصوت متوتر:«إيثان كان لسه مصاب... إزاي قدروا ياخدوه من الأكاديمية؟»أجاب المدير بصرامة:«لم يأخذوه بالقوة.»رفعت رأسها إليه.«يعني إيه؟»«الحارس الذي كان مكلفًا بمراقبته وجده في غرفته قبل أقل من نصف ساعة، وبعدها بدقائق اختفى، ولم يكن هناك أي أثر لمعركة أو اقتحام.»اقترب كاسيان من المدير.«هل كان الحارس نفسه يعرف إلى أين ذهب إيثان؟»هز المدير رأسه.«قال إن إيثان تلقى رسالة، وبعد قراءتها طلب منه أن يتركه وحده لبعض الوقت، لأنه كان يعتقد أن الأمر يتعلق بالمعلومات التي كان والد لورين قد تركها.»شدت لورين قبضتها.«والحارس وافق؟»صمت المدير لحظة.«قال إيثان إنه سيبقى داخل الجناح، لذلك لم يرَ الحارس سببًا للشك.»خفض كاسيان نظره إلى الورقة.«هذا يعني أن الشخص الذي استدرجه يعرف بالضبط ماذا يقول له.»ثم رفع عينيه إلى المدي
أثرٌ من الماضيلم تستطع لورين النوم تلك الليلة.ظلت كلمات إيثان تتردد في رأسها بلا توقف، خصوصًا الجملة التي نقلها عن والدها، فقد كانت المرة الأولى منذ سنوات التي تشعر فيها أن والدها لم يمت تاركًا خلفه مجرد ذكريات مؤلمة، بل ترك شيئًا كان يريدها أن تعرفه يومًا ما.خرجت من غرفتها قبل الفجر بقليل، وسارت في ممرات الأكاديمية الهادئة حتى وصلت إلى ساحة التدريب.كانت السماء لا تزال مظلمة، والهواء البارد يلامس وجهها، بينما وقفت أمام أحد أهداف التدريب وأخرجت سيفها.بدأت تتحرك.ضربة.ثم أخرى.ثم ثالثة.لكن حركاتها كانت أسرع من المعتاد، وأشد عنفًا.لم تكن تتدرب فقط.كانت تحاول إسكات أفكارها.وفجأة جاء صوت من خلفها:«لو استمريتِ بهذه السرعة، هتكسري السيف قبل ما تكسري الهدف.»توقفت لورين، ثم استدارت.كان كاسيان واقفًا عند مدخل الساحة، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي بدأت تعتاد وجودها أكثر مما تريد الاعتراف به.ضيقت عينيها.«إنت بتظهر منين كل مرة؟»ضحك بخفوت.«من الباب، زي أي شخص طبيعي.»«مش طبيعي خالص.»تقدم نحوها.«واضح إنك ما نمتيش.»خفضت سيفها.«ولا إنت.»نظر إليه
الرسول الذي نجا من الموت...ساد صمت طويل داخل غرفة العلاج بعد كلمات إيثان، حتى إن لورين شعرت أن الهواء أصبح أثقل من أن تتنفسه. كانت تحدق في الرجل الذي عرف والدها، بينما تداخلت في ذهنها صور طفولتها الأخيرة؛ وجه والدها المبتسم، ووالدتها وهي تضمها بقوة، ثم تلك الليلة التي احترق فيها كل شيء.قطع المدير الصمت بهدوء:"إيثان... هل أخبرك والدها بأي شيء آخر قبل أن تفترقا؟"أغمض إيثان عينيه لحظة وكأنه يحاول انتزاع ذكرى دفنتها السنوات.ثم قال بصوت متعب:"قبل آخر مهمة... سلمني ظرفًا صغيرًا."اتسعت عينا المدير."ظرف؟"أومأ إيثان."قال لي: إذا لم أعد... فسلمه لك."شعرت لورين بأن قلبها توقف.اقتربت خطوة دون أن تشعر."وأين هو؟"خفض إيثان رأسه بأسف."سُرق."ساد الصمت من جديد.قال القائد بحدة:"متى؟""بعد إصابتي مباشرة."رفع كاسيان رأسه فجأة."إذن الذي هاجمك لم يكن يريد قتلك."نظر إليه إيثان."نعم... كان يبحث عن الظرف فقط."قال المدير وهو يضم الرسالة القديمة بين يديه:"وهذا يعني أن ما تركه والد لورين كان مهمًا إلى درجة أن شخصًا ما خاطر بكل شيء للحصول عليه."رفعت لورين رأسها ببطء.كان الحزن يملأ عينيها
الرسول الذي نجا من الموت...ساد الصمت داخل غرفة الاجتماعات بعد كلمات المعالج، ولم يتبادل أحد النظرات أو يعلق، فقد كانت الجملة التي نطق بها الرسول كافية لتثير عشرات الأسئلة.قال المدير أخيرًا:"لنذهب إليه."غادر الجميع الغرفة بخطوات سريعة، وساروا عبر الممرات الحجرية المؤدية إلى جناح العلاج، بينما كانت لورين تراقب كاسيان من حين لآخر.كان هادئًا كعادته...لكنها بدأت تلاحظ أنها أصبحت تستطيع التمييز بين هدوئه الحقيقي، وذلك الهدوء الذي يخفي خلفه أفكارًا لا يريد لأحد أن يقرأها.فتح المعالج الباب بهدوء.كانت الغرفة صغيرة، تضيئها مصابيح زيتية خافتة، بينما كان الرجل المصاب مستلقيًا على السرير، وقد لُفت كتفه وذراعه بالضمادات.ما إن وقع بصره على كاسيان حتى تنفس بارتياح واضح.همس بصوت متعب:"إذن... وصلت."اقترب كاسيان حتى وقف بجوار السرير."كيف عرفت أنني كنت هناك؟"ابتسم الرجل ابتسامة باهتة."لأن الوحشيين... لا يُهزمون بهذه السرعة إلا على يد شخص واحد."عقد القائد حاجبيه."هل تعرفه؟"أجاب الرجل وهو يهز رأسه ببطء:"لا أعرف اسمه... لكنني سمعت عنه."ظل كاسيان صامتًا.لم يشأ أن يطيل الحديث في هذا الات
reviewsMore