LOGINمرت الأيام التالية منذ استقرارنا في مدرسة «سينت بول الثانوية» بهدوء لم أكن أتوقعه.
كان الزمن هنا مختلفًا. لا يشبه أبدًا ذلك الزمن الذي عشته داخل القصر، حيث كانت كل ساعة تحمل معها ضغطًا جديدًا، وكل خطوة محسوبة بدقة وكأنني أعيش داخل قفص ذهبي لا يسمح لي بالتنفس. أما هنا… فكانت الأيام تمر ببساطة. صباحات هادئة. ضحكات عفوية. ولحظات صغيرة لم أكن أدرك سابقًا قيمتها. لقد وجدنا لأنفسنا مكانًا خاصًا بعيدًا عن كل شيء. مكانًا لا تحكمه الألقاب، ولا تتحكم فيه توقعات الآخرين. مكانًا أستطيع فيه أن أكون مارس فقط. مر أسبوعان كاملان منذ بداية حياتنا الجديدة، وبشكل لم أتوقعه، أصبحت تفاصيلنا اليومية شيئًا ثابتًا اعتدنا عليه. طاولتنا المعتادة في الكافتيريا. مقاعدنا المتجاورة في حافلة السكن. محادثاتنا الطويلة التي لا تحمل أي معنى مهم، لكنها كانت تمنحني شعورًا لم أعرفه منذ سنوات. شعور الانتماء. كانت جيسيكا دائمًا تمثل الجانب الهادئ والدافئ في حياتي. وفاؤها لم يتغير منذ الطفولة، وكأنها كانت الشخص الوحيد الذي لم يتخلَّ عني رغم كل شيء. أما زوي… فكانت العكس تمامًا. طاقة لا تنتهي. أسئلة كثيرة. وفوضى مضحكة تدخل حياتنا دون استئذان. لكن الغريب أنني بدأت أعتاد عليها. بل بدأت أحب وجودها. كنت بينهما أحاول أن أتعلم شيئًا جديدًا… كيف أعيش دون خوف. كيف أضحك دون التفكير في العواقب. كيف أسمح للآخرين بالاقتراب مني دون أن أضع حول قلبي ألف جدار. شيئًا فشيئًا، بدأ ذلك الجليد الذي بنيته حول نفسي طوال السنوات الماضية بالذوبان. لم تعد جيسيكا وزوي مجرد زميلتين في السكن. لقد أصبحتا العائلة التي اخترتها بنفسي. عائلة لا تطلب مني أن أكون مثالية. لا تهتم باسمي أو بمكاني. كل ما تريده فقط… أن أكون أنا. --- في مساء يوم الجمعة، كان جناحنا المشترك في سكن الطالبات هادئًا بشكل مريح. كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الخزائن الخشبية وترسم ظلالًا ناعمة على الجدران. جلست جيسيكا على طرف السرير وهي تجدّل شعرها الأشقر ببطء، بينما كانت زوي مستلقية على السجاد البرتقالي تتصفح هاتفها بسرعة وكأنها تبحث عن شيء مهم للغاية. أما أنا، فكنت أجلس قرب المكتب وأرتب بعض أغراضي بهدوء. كانت اللحظة مثالية. هادئة. مريحة. لكنني كنت أعرف أن وجود زوي يعني أن الهدوء لن يستمر طويلًا. وبالفعل… بعد دقائق قليلة، تغيرت ملامحها فجأة. رفعت رأسها عن الهاتف، ثم جلست على ركبتيها بحماس واضح. عرفت فورًا أن هناك شيئًا قادمًا. قالت بصوت مليء بالإثارة: — "مارس! جيسيكا!" التفتنا إليها. ابتسمت وكأنها تحمل خبرًا سيغير العالم. — "هل تعلمان أن إدارة المدرسة أعلنت عن مسابقة قصيرة للأنشطة الثقافية الأسبوع القادم؟" توقفت للحظة، ثم رفعت هاتفها أمامنا. — "والجائزة ليست مجرد شهادة تقدير!" اتسعت ابتسامتها. — "الجائزة هي إذن خروج استثنائي للأنشطة! يعني يمكننا الذهاب إلى المدينة والتجول خارج أسوار المدرسة!" لمعت عينا جيسيكا فورًا. — "إذن خروج استثنائي؟!" وضعت يدها على وجهها بحماس. — "هذا يعني أننا سنذهب للمدينة؟ سنستطيع المشي بحرية والتسوق واستنشاق هواء مختلف بعيدًا عن السكن؟" نظرت إليهما بهدوء. كنت سعيدة بحماسهما، لكنني كنت أعرف الواقع. — "الأمر ليس بهذه السهولة." التفتتا إليّ. أكملت: — "الحصول على إذن خروج يحتاج موافقة رسمية من الإدارة. وأنتما تعرفان الآنسة ماي جيدًا… هي لا تمنح التصاريح بسهولة." خفضت زوي كتفيها للحظة. لكن ذلك الاستسلام لم يستمر أكثر من ثانية. اقتربت مني بسرعة وضمت يديها أمامها بطريقة مبالغ فيها. — "مارس… أرجوكِ!" نظرت إليها بلا تعبير. تابعت: — "أنتِ ذكية، وهادئة، وتعرفين كيف تتحدثين بطريقة تجعل الآخرين يقتنعون بك. أنتِ فرصتنا الوحيدة!" نظرت إليها ثم إلى جيسيكا. كانت عيونهما مليئة بالحماس. وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا غريبًا. لأول مرة منذ سنوات… لم أكن أفكر في الهروب من شيء. لم أكن أبحث عن مكان أختبئ فيه. كنت فقط… أريد قضاء وقت ممتع مع شخصين أصبح وجودهما مهمًا بالنسبة لي. ابتسمت بخفة. ثم تنهدت. — "حسنًا." اتسعت أعينهما. أكملت: — "سنتحدث مع الآنسة ماي غدًا." رفعت إصبعي محذرة. — "لكن إذا رفضت، لن نقوم بأي تصرف متهور أو فوضى. مفهوم؟" في اللحظة التالية، صفقت زوي بحماس وكأنها فازت بأكبر جائزة في العالم. — "كنت أعلم أنكِ ستوافقين!" ضحكت جيسيكا بهدوء. — "أشعر أن هذه الخطوة ستكون بداية شيء جديد." نظرت إليها باستغراب. فقالت مبتسمة: — "بداية مغامراتنا الجميلة." --- في تلك الليلة، وبينما كانت خيوط الظلام تغطي سماء المدرسة، بقيت أفكر في الأمر. قبل أسابيع فقط، كنت أهرب من كل شيء. أما الآن… فأنا أنتظر بفارغ الصبر يومًا أقضيه مع صديقتين. ربما كانت هذه هي الحياة التي كنت أبحث عنها طوال الوقت. حياة لا أعيشها لإرضاء أحد. حياة أكتب تفاصيلها بيدي. لكنني لم أكن أعلم… أن طلب إذن الخروج البسيط هذا… سيكون الخطوة الأولى نحو مواجهة شيء من الماضي ظننت أنني تركته خلفي إلى الأبد.كانت أضواء القصر قد خفتت تدريجياً، وانزوت زوايا الممرات الطويلة خلف ستائر العتمة الثقيلة، لكن عقل مارس كان في أقصى درجات اليقظة والانتباه. في هدوء غرفتها، كانت تجلس أمام منضدة صغيرة، تسحب ببطء الضمادة الطبية عن معصمها الأيسر الذي تورّم قليلاً نتيجة الضغط القاسي الذي تعرضت له خلال ترويض "صاعقة" وضربه في ملعب الجولف. كان الألم حارقاً ومستمراً، لكنه لم يكن شيئاً مقارنة بالحرارة التي تشتعل في صدرها. كتمت أنينها، ووضعت كمادة باردة بحذر، وهي تدرك تماماً أن معصمها هذا لن يمنحها ترف الضعف. إن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلة فان أستور يعني تقديم صك الهزيمة على طبق من ذهب. لكن البقاء في الغرفة وانتظار الخطوة القادمة من راينر أو كاترينا لم يكن خياراً مجدياً. الفخوخ تحيط بها من كل جانب، والملف الجلدي الذي لم تستطع إكمال قراءته ليلة دخولي مكتب أخيها لا يزال يطن في ذهنها كألغاز مفتوحة. من يكون المستهدف الحقيقي؟ وما علاقة جوليان بكل هذه التحركات المشبوهة؟ والأهم من ذلك كله... أين تقف إيلينا في هذه المعادلة المعقدة؟ تلك الأخت التي كانت دا
لم تنتهِ حكاية ذلك اليوم بانتهاء ضربة الجولف الأخيرة ولا بتفرق تجمع النخبة على العشب الأخضر؛ فخلف الأبواب المغلقة، وفي عقول أولئك الذين راقبوا تحركات مارس عن قرب طوال اليوم، كانت الأفكار تغلي بصمت، والأسئلة تتكاثر كشرارات تحيط ببرميل بارود على وشك الانفجار في وجه الإمبراطورية بأسرها.أولاً: منظور جوليان — اللعبة الكبرى وخطأ الحسابات الاستراتيجيةداخل جناحه المؤقت الفاخر، كان جوليان يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، يرتشف كطساً من القهوة الداكنة ويهز برفق سائلها الداكن بينما يطيل النظر إلى الحدائق المظلمة للقصر. لم يكن وجوده في قصر فان أستور مجرد زيارة صدفة أو مجاملة اجتماعية روتينية بين عائلات النخبة؛ بل كان جزءاً من استراتيجية دقيقة ومدروسة لتقييم قوة هذه الإمبراطورية العريقة من الداخل، وبحث الثغرات التي يمكن استغلالها. وكان يدرك تماماً أن تفكيك كيان بحجم فان أستور يتطلب البحث عن الشقوق الصغيرة التي تبدأ عادة من الخلافات بين الأشقاء والطموحات المتصارعة.لكن... مارس لم تكن شقاً عابراً في الجدار كما تصور في البداية. تذكر نظراتها الحادة، وطريقة
وقفت مارس في مكانها، تتنفس هواء الصباح البارد الذي لم يفلح في تبريد النيران المشتعلة في عروقها. كانت متجاهلة الوخز النابض في معصمها بحرقة، ذلك الألم الذي يشبه شفرات صغيرة تمزق أوتار يدها مع كل حركة طفيفة. تقدمت بخطوات ثابتة ومدروسة كأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية سحيقة، لتأخذ دورها في التسديد أمام أعين تترقب سقوطها بشغف. الكرة البيضاء الصغيرة كانت مستقرة على العشب الأخضر القصير، تبدو وكأنها مجرد نقطة مضيئة في محيط شاسع من المساحات الخضراء الممتدة. لكن بالنسبة لمارس، لم تكن مجرد كرة؛ بل كانت بمثابة قلب الصراع الدائر في قصر عائلة فان أستور، حيث الهدف البعيد يبعد مسافة طويلة تتطلب ضربة قوية، متزنة، ومحسوبة بدقة متناهية لا تقبل الخطأ أو التردد. كل نظرة في الملعب كانت مسلطة عليها، وكل همسة كانت تُحسب كجزء من حرب نفسية لا تقل قسوة عن الألم الجسدي الذي تكابده بصمت.رفعت مارس المضرب الفضي ببطء وحذر، محاولة توزيع ثقل الحركة على عضلات ذراعها لتخفيف العبء عن المنطقة المصابة. ولكن، وحين قبضت عليه بإحكام شديد لتجهيز ضربتها الفاصلة، سرى تيار من الألم الحارق في معصمها الأيسر، موجة كهرب
لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس الذهبية، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ. كانت كل شفرة عشب قصيرة كأنها شفرة حلاقة تفصل بين النصر والسقوط، وكل زاوية في الملعب تخفي خلفها كواليس من الصراع الخفي على النفوذ والسيطرة بين أفراد هذه العائلة المرموقة التي لا تعرف الرحمة. بعد ساعات قليلة من المعركة الشرسة في الإسطبل وترويض الحصان الجامح المتمرد "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال الفوري مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة لاستكمال طقوسهم الاجتماعية المفروضة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب الذي تحمل الكثير من الضغط أثناء مقاومة الحصان، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز الحاد مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الجارفة في الانسحاب إلى مكان هادئ لتأمين راحة جسدها وإصلاح ما أفسده الترويض، إلا أن إظهار الوجع أو الشكوى أمام عائ
لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ.بعد ساعات قليلة من صراع الإسطبل وترويض الحصان الجامح "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة. كانت الهواء المفتوح محملاً برائحة العشب الندّي ورائحة الأموال الطائلة والنفوس المتوجسة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الملحة في الانسحاب لتأمين راحة جسدها وإخفاء جسدها عن هذه الأنظار المتطفلة، إلا أن إظهار الوجع أمام عائلة فان أستور كان بمثابة إعلان استسلام مباشر وكسر لهيبتها، وهو خيار لم يكن مطروحاً في قاموس مارس أبداً تحت أي ظرف مهما كانت التكاليف والأثمان.كانت الأجواء الخارجية مشحونة بالتوتر المكتوم وكأن عاصفة رعدية توشك على الانفجار في سماء صافية
تجاهلت مارس همسات سيلين المسمومة ونظرات إيلينا الحاقدة تماماً، وكأنها لم تسمع شيئاً ولم ترَ شيئاً من الأساس، والتفتت بخطوات هادئة وثابتة لتجد راينر يرمقها بنظرة حادة وفاحصة من بعيد، نظرة تحمل في طياتها الكثير من الاختبارات الخفية. لم تدم نظراته طويلاً حتى أشار برهة برأسه نحو الطرف الأقصى من الإسطبل الواسع، حيث كان يقف حصان ضخم، عربي السلالة ونقي الدم، أبيض كالثلج النقي وعيناه تقدحان شرراً وعنفواناً جباراً، وكأنه يرفض الانقياد لأي إنسان أو الخضوع لقوانين البشر والرواد.قال راينر بصوته الأجش والعميق الذي قطع المسافة بينهما بسهولة ودون أي انفعال ظاهر:— "بما أنكِ تبحثين عن إثبات جدارتكِ الحقيقية أمام الجميع، فهذا الحصان، (صاعقة)، وصل للتو من إحدى المزارع الإسكتلندية العريقة، ولم يستطع أحد حتى الآن ترويضه أو ركوبه دون أن يلقي به أرضاً بقسوة بالغة. هل ترين في نفسكِ القدرة على السيطرة عليه بمعصمكِ المصاب، أم أنكِ ستكتفين بمشاهدته من بعيد كبقية الحاضرين؟"ساد صمت مطبق ومفاجئ في الساحة الواسعة، توقف الجميع عن الحركة والتنفس وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة الفارقة. تفت