Home / المراهقة / أواخر مارس يا عائلتي / الفصل السادس: ختم الآنسة ماي والحرية المؤقتة

Share

الفصل السادس: ختم الآنسة ماي والحرية المؤقتة

Author: liro
last update publish date: 2026-08-04 12:45:50

---

في صباح اليوم التالي…

وقفتُ أنا وجيسيكا وزوي أمام باب مكتب الإدارة العتيق في مدرسة «سينت بول الثانوية».

كان المكان مختلفًا عن بقية أرجاء المدرسة.

الممر هنا أكثر هدوءًا، والجدران تحمل طابعًا رسميًا يجعل أي طالب يشعر بالتوتر بمجرد الاقتراب منه.

كانت رائحة الشمع القديم والكتب المخزنة تنتشر في الهواء، وكأن هذا المكان يحتفظ بأسرار كل القرارات التي اتخذتها الإدارة طوال السنوات الماضية.

أمامنا مباشرة كان باب المكتب الخشبي الضخم مغلقًا.

نظرت إليّ زوي للحظة.

رغم محاولتها إخفاء الأمر، كان واضحًا أنها متوترة.

أما جيسيكا فبقيت هادئة كعادتها، لكنها كانت تراقب تعابير وجهي وكأنها تنتظر مني أي إشارة.

تنفست بهدوء.

لم يكن هذا أكثر شيء مخيف واجهته في حياتي.

بعد كل ما مررت به داخل القصر…

كان الوقوف أمام الآنسة ماي مجرد اختبار بسيط.

طرقت الباب.

— "ادخلوا."

جاء صوتها الحاد من الداخل.

فتحنا الباب ودخلنا.

كانت الآنسة ماي تجلس خلف مكتبها الخشبي المصنوع من خشب البلوط الداكن، وأمامها مجموعة من الأوراق المرتبة بعناية.

رفعت عينيها من فوق نظارتها ذات الإطار الفضي ونظرت إلينا بصمت.

كانت نظرتها حادة.

وكأنها تحاول قراءة أفكارنا قبل أن ننطق بأي كلمة.

جلست في مكانها بثبات ثم قالت:

— "إذن… أنتن تقدمتن بطلب رسمي للحصول على إذن خروج إلى المدينة؟"

وضعت الورقة أمامها.

— "بحجة المشاركة في نشاط الكشافة الميداني والأبحاث البيئية؟"

توقفت قليلًا، ثم ضيقت عينيها.

— "ألا تعتقدن أن الوقت ضيق نوعًا ما لتحمل كل هذه المسؤوليات المفاجئة؟"

ساد الصمت للحظة.

نظرت جيسيكا إلى زوي.

وزوي نظرت إليّ.

كان دوري.

تقدمت خطوة إلى الأمام بهدوء.

أخرجت الاستمارة وقدمتها لها.

— "نعم، آنسة ماي."

قلت بصوت ثابت:

— "لكن قوانين السكن الداخلي تسمح للطلاب الملتزمين بالمشاركة في الأنشطة المعتمدة رسميًا خارج المدرسة."

فتحت الورقة وبدأت تقرأ.

تابعت:

— "نحن ندرك مسؤولية هذا الإذن، ونعد بالالتزام الكامل بجميع التعليمات، والعودة في الوقت المحدد دون أي تأخير."

لم أرفع صوتي.

ولم أحاول المبالغة في الإقناع.

كنت فقط أتحدث بثقة.

الثقة التي تعلمتها خلال سنوات طويلة من التعامل مع أشخاص لا يقبلون الضعف.

رفعت الآنسة ماي عينيها عن الورقة.

كانت تراقبني.

ربما كانت تبحث عن أي علامة تردد.

أي خوف.

أي سبب يجعلها ترفض.

لكنني بقيت هادئة.

خصوصًا أن سجلنا خلال الأسبوعين الماضيين كان خاليًا من أي مشاكل.

مرّت عدة ثوانٍ طويلة.

زوي بجانبي بدأت تحرك أصابعها بتوتر.

أما أنا فبقيت أنتظر.

ثم…

مدت الآنسة ماي يدها نحو الختم الموجود بجانبها.

توقفت زوي عن الحركة فورًا.

وضعت الآنسة ماي الختم فوق الورقة.

ثم ضغطت عليه بقوة.

طَق!

صدر صوت الختم في المكتب الهادئ.

وقالت بنبرة صارمة:

— "موافقة استثنائية."

اتسعت عينا زوي.

لكن الآنسة ماي رفعت إصبعها محذرة:

— "لكن استمعن جيدًا."

تغيرت نبرتها إلى الجدية.

— "أي تأخير، ولو لدقيقة واحدة، عن الموعد المحدد للعودة… أو حدوث أي مشكلة داخل المدينة… سيؤدي إلى حرمانكن من أي تصريح خروج طوال الفصل الدراسي."

ابتلعت زوي ريقها.

أما جيسيكا فأومأت باحترام.

قلت:

— "نحن نفهم، آنسة ماي."

نظرت إلينا مرة أخيرة ثم قالت:

— "يمكنكن الانصراف."

---

خرجنا من المكتب.

وبمجرد أن ابتعدنا عن الممر الإداري الهادئ…

توقفت زوي فجأة.

ثم أمسكت بذراعي بحماس وهي تحاول خفض صوتها:

— "نجحنا!"

نظرت إليها.

كانت ابتسامتها كبيرة لدرجة أنها كادت تملأ المكان.

— "مارس! أنتِ مذهلة! كيف استطعتِ الوقوف أمام الآنسة ماي بهذا البرود؟ كنت أشعر أنها ستكشف كل خططنا!"

نظرت إليها بابتسامة صغيرة.

أما جيسيكا فهزت رأسها بإعجاب.

— "يبدو أن سينت بول أصبحت أجمل مما توقعنا."

نظرت حولي.

الممرات.

أشعة الشمس التي تدخل من النوافذ.

وصديقتاي تسيران بجانبي.

للحظة…

شعرت بشيء غريب.

شيء لم أشعر به منذ سنوات.

الحرية.

لم تكن حرية الهروب هذه المرة.

لم أكن أهرب من القصر.

بل كنت أركض نحو شيء جديد.

نحو حياة اخترتها بنفسي.

لكن رغم ذلك…

كان هناك صوت صغير في داخلي يذكرني بحقيقة لم أستطع تجاهلها.

العالم الذي تركته خلفي…

لم ينسَ وجودي.

وخروجي إلى المدينة يعني أنني سأبتعد خطوة واحدة فقط عن المكان الذي حاولت الهروب منه.

ربما…

قد ألتقي بأشخاص لم أكن مستعدة لرؤيتهم.

أشخاص يظنون حتى هذه اللحظة أن مارس ما زالت تلك الفتاة الضعيفة التي تركوها خلفهم في القصر.

لكنهم لا يعلمون شيئًا.

أنا لم أعد تلك الفتاة.

لقد تغيرت.

ومع ذلك…

لم أكن أعلم أن أول يوم حرية حقيقي لي…

سيكون أيضًا اليوم الذي سيبدأ فيه الماضي بالعودة من جديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل السابع والثلاثون: ظلال الشك وسطوة القصر

    ظلت يد مارس معلقة على بعد بوصات قليلة من ذلك الملف الجلدي الداكن، وكأن الزمن بأسره قد جمّد أنفاسه عند تلك اللحظة بالضبط. صوت خطواته الملتفة في الممر المظلم لم يكن مجرد صدى عابر، بل كان نذيراً حتمياً بأنها سقطت فعلاً في الشرك الذي نصبه أخيها بعناية فائقة. رائحة الحبر القديم والجلود الفاخرة التي كانت تملأ المكتب امزجت ببرودة مفاجئة سرت في أوصالها، لكنها لم تنفجر بالذعر، ولم تحاول الركض أو اختلاق الأعذار الواهية؛ فعقلها كان يعمل بسرعة فائقة لتدارك الموقف وحماية ما تبقى من هدوئها.استدارت ببطء شديد، ودمها يرتطم بصدرها بقوة طبل حربي، لتلتقي عيناها مباشرة بنظرات راينر الحادة التي كانت تخترق عتمة الغرفة ببرود مرعب.خطa راينر بخطوات ثابتة وواثقة إلى داخل المكتب المظلم، ولم يكشف ملامحه الصارمة سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة الكبيرة المطلة على الحدائق الخلفية. وقف على مسافة قريبة منها، وذرع الغرفة بنظرة سريعة وساخرة إلى الملف المفتوح، قبل أن يعود ليثبت عينيه القاسييتين عليها، وكأنه يدرس تأثير الرعب في وجهها.قال بصوته الهادئ الذي يحمل طابع السخرية المبطنة والتهديد المتجذر

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل السادس والثلاثون: خيوط اللعبة الخفية

    مرت الساعات الأولى من حفل العشاء وسط أجواء مشحونة بالتوتر الخفي، رغم الأحاديث السطحية والمجاملات الدبلوماسية التي كان يتبادلها ضيوف النخبة مع راينر. كانت سيلين تحاول طوال الوقت لفت الانتباه وتهميش حضور مارس، بينما كان جوليان يرمق مارس بين الحين والآخر بنظرات فضولية تحمل قدراً غير مألوف من الاهتمام، وكأنه يرى فيها شيئاً مختلفاً عن بقية أفراد عائلة فان أستور التقليدية.وسط ذلك الضجيج الخافت الصادر من صالون الاستقبال، كانت الحوارات تدور حول صفقات الأسهم الكبرى وأحدث الاستثمارات في البورصة العالمية، بينما ظل جوليان شارد الذهن، مأخوذاً بالتناقض الصارخ الذي تجسده مارس. لقد اعتاد في أكاديمية النوبل على رؤية الفتيات المتكلفات اللواتي يلهثن خلف الألقاب والمظاهر المزيفة، لكن جرأة مارس ونظراتها الجليدية التي لا تساومان أي أحد، صنعتا في نفسه هالة من الفضول العميق الذي يكاد يتحول إلى إعجاب خفي. كانت سيلين تلاحظ ذلك التشتت في نظراته، فيزداد غيظها وحنقها الدفين، محاولة بكل الطرق استمالة انتباهه مجدداً عبر أحاديث روتينية مكررة عن أناقة أزياء الموسم الجديد ومجتمعات المخملية الراقية.

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الخامس والثلاثون: بريق الفضيات وسم التحيات

    كانت قاعة الطعام الكبرى تبدو في تلك الليلة وكأنها لوحة فنية صُممت خصيصاً لتعكس تفوق وثراء عائلة "فان أستور" المطلق. الثريات الكريستالية الضخمة تنشر ضوءاً أصفر هادئاً وفخماً يرتدّ عن الجدران الرخامية المصقولة، والأطباق الخزفية المذهبة تترتب بعناية فائقة أمام المقاعد، بينما تنتشر في الأرجاء رائحة العطور الفرنسية باهظة الثمن التي يضعها الضيوف.جلس راينر في رأس المائدة كعادته، بملامحه الصارمة وابتسامته الواثقة التي لا تصل إلى عينيه. وإلى جواره، كانت "سيلين" تجلس بتباهٍ واضح، مرتدية فستاناً استثنائياً يبرز مكانتها الاجتماعية، وتتبادل أطراف الحديث بضحكات رقيقة ومدروسة مع "جوليان" وبقية شباب النخبة القادمين من أكاديمية النوبل. أما إيلينا، فكانت تجلس بملامح مشحونة بالترقب والتشفي، بانتظار اللحظة التي تظهر فيها مارس لتراها في أسوأ حالاتها.انفتح الباب الخشبي الثقيل للقاعة ببطء، وتوقف الجميع عن الهمس للحظات.خطت مارس إلى داخل القاعة بخطوات متزنة، بطيئة، ومدروسة بعناية فائقة. ارتدت فستانها الأسود الطويل الذي زادها وقاراً وصرامة، ورفعت رأسها بشموخ لا ينكسر، ناظرة إلى

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الرابع والثلاثون: ضيوف العرين وظلال الحبيبة

    مرت الأيام الثلاثة التالية في عزلة شبه مطلقة داخل الجناح الشرقي. لم تكن مجرد استراحة لتلتئم العظام المحطمة تحت الجبيرة السميكة، بل كانت فترة صمت مطبق وضعت فيها مارس كل خيوط اللعبة نصب عينيها. كانت تقضي ساعاتها الطويلة في تأمل الغابات المظلمة والكثيفة المحيطة بالقصر من خلف الزجاج السميك والمصفح، تفكر في جيسيكا وزوي اللتين تركتهما خلف أسوار "سينت بول"، وفي الهاتف المغلق الذي قطع ارتباطها بالعالم الخارجي، وفي تلك الرسالة التي تركها راينر والتي كانت بمثابة نبوءة تحققت بحذافيرها.لم تجلس يوماً لتندب حظها أو تبكي ذراعها المكسورة؛ فالضعف البشري لم يكن مسموحاً في قاموس عائلة فان أستور، ومارس كانت تعرف تماماً أن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلتها هو بمثابة منحهم سلاحاً جديداً لتقييد حريتها. كانت تمارس تمارين التنفس الهادئة، وترتب أفكارها بدقة تسويقية حادة، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه ضربتها المضادة، بغض النظر عن مدى قسوة الحصار المفروض حولها.لكن هذا الهدوء الجليدي انكسر صباح يوم الجمعة بصخب خفيف وأصوات محركات سيارات رياضية فارهة وباهظة الثمن، كانت تتواكب بانتظام وهي تخترق بوابات القص

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثالث والثلاثون: مائدة العائلة والابتسامات المسمومة

    في المساء، أُجبرت مارس على النزول لتناول العشاء في غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات الكريستال الضخمة، والفضيات تلمع ببريق مزعج، ورائحة الأطباق الفاخرة تمتزج بصمت مطبق لا يكسره سوى صوت اصطدام الشوكات بالصحون الخزفية ببطء مقصود وعناية بالغة.جلس راينر في رأس المائدة ببدلته الرسمية الأنيقة، وإيلينا إلى مقعدها القريب بملابسها المصممة بعناية، بينما جلست الأم في المنتصف كتمثال حريري صامت. لم يكن هناك أي نقاش عائلي دافئ؛ فالأحاديث، إن وجدت، كانت مقتصرة تماماً على شؤون الاستثمار، الميراث، والمظاهر الاجتماعية التي تضمن تفوق اسم فان أستور على الجميع، دون أي اعتبار للمشاعر الإنسانية أو الدفء العائلي المفقود وسط هذه الجدران الفارهة.قطعت إيلينا هذا الصمت المطبق بابتسامة صفراء ومستفزة للغاية، وهي تقطع قطعة اللحم ببطء أمامها لتلفت الأنظار نحو مارس:— "من المضحك حقاً، بل والمثير للشفقة، أن ترى شخصاً كان يتحدث طوال

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثاني والثلاثون: صقيع الجناح الشرقي وجليد الملامح

    كان الصباح في الجناح الشرقي لقصر "فان أستور" يأتي بطيئاً، كثيفاً، وخالياً تماماً من أي بهجة تخص شروق الشمس. النوافذ هنا لم تكن مجرد زجاج عادٍ، بل كانت مصفحة، معتمة بطبقة سميكة تحجب العالم الخارجي، وتترك الغرفة غارقة في رمادية باردة تشبه لون الرخام المصقول الذي يكسو الأرضيات الواسعة. لم يكن هناك صوت يخرق هذا السكون سوى دقات الساعة القديمة المعلقة على الجدار، والتي كانت تقيس الزمن ببطء مقصود، كأنها تحصي أنفاس مارس في قفصها الجديد.استيقظت مارس على نبضات ألم خفي وثقيل يتردد في ذراعها اليمنى. الجبيرة البيضاء السميكة كانت تحاصه كقيد إسمنتي، تمنع أي حركة عفوية وتذكرها كل ثانية بتلك اللحظة العنيفة على الطريق المقطوع. لم تصرخ، ولم تطلق أي تنهيدة شكوى؛ فالقاعدة الأولي التي تشربتها في هذا القصر منذ طفولتها هي أن الألم علامة ضعف، والضعف جريمة لا تُغفر في قاموس عائلة فان أستور.جلست على حافة السرير الفخم ببطء شديد. عيناها الداكنتان كانتا تستقران على الفراغ بهدوء تام، بينما كان عقلها يعمل بسرعة البرق. كانت تستعرض خياراتها، وتقارن بين حرية السكن الطلابي في "سينت بول" حيث كانت تضحك مع جيسي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status