Accueil / المراهقة / أواخر مارس يا عائلتي / الفصل الرابع: مناعة ضد الفوضى

Partager

الفصل الرابع: مناعة ضد الفوضى

Auteur: liro
last update Date de publication: 2026-08-04 12:45:39

مرت الأيام ببطء هادئ، وكأن الزمن داخل مدرسة «سينت بول الثانوية» اختار أن يسير بقوانين مختلفة تمامًا عن ذلك العالم الذي تركته خلفي.

في القصر…

كانت كل دقيقة محسوبة.

كل تصرف مراقب.

كل كلمة يجب التفكير بها قبل خروجها.

أما هنا؟

فلم يكن أحد ينتظر مني أن أكون شيئًا معينًا.

لم يكن هناك لقب يسبق اسمي.

ولا مقارنة تُلقى على كتفي.

فقط أنا… وحياة جديدة أحاول اكتشافها.

شيئًا فشيئًا، بدأت جدران مدرسة «سينت بول الثانوية» تفقد ذلك الشعور الغريب الذي لازمها في البداية.

لم تعد الممرات مكانًا مجهولًا.

ولم يعد الصباح مجرد ساعات صامتة أقضيها مع جيسيكا داخل السكن.

فقد ظهر عنصر جديد قلب هدوء حياتنا بالكامل.

زوي.

تلك الفتاة التي استطاعت خلال أيام قليلة فقط أن تجعل الصمت يبدو مستحيلًا.

كانت تدخل فجأة، تتحدث بصوت مرتفع، تضحك دون تردد، وكأنها قررت أن تعلن حربًا على أي لحظة هدوء نعيشها.

والغريب…

أنني لم أكن منزعجة كما توقعت.

بل ربما كنت أحتاج هذا النوع من الفوضى أكثر مما أدرك.

---

في ذلك اليوم، كانت الكافتيريا المدرسية مزدحمة بشكل واضح.

أصوات الطلاب تملأ المكان، ضحكات تنتشر بين الطاولات، وأصوات الأطباق وأدوات الطعام تختلط مع الأحاديث المتداخلة.

جلست بجانب النافذة الكبيرة برفقة جيسيكا، أتناول شطيرتي بهدوء بينما كنت أراقب الأشجار في الساحة الخارجية.

كان المشهد بسيطًا جدًا.

لكنه كان يحمل شيئًا لم أملكه في القصر.

الراحة.

كانت رائحة القهوة الطازجة والمعجنات الساخنة تنتشر في المكان، بينما كانت جيسيكا تتحدث عن الدراسة والمواد القادمة بحماسها المعتاد.

استمعت إليها بصمت.

ولأكون صادقة…

كنت أستمتع بذلك.

أن يكون هناك شخص يتحدث معي فقط لأنه يريد مشاركتي يومه.

دون هدف.

دون مصلحة.

وفجأة…

انقطع هدوء الطاولة بصوت صينية وُضعت أمامنا بقوة خفيفة.

لم أحتج إلى النظر لأعرف من صاحبة هذا الأسلوب.

زوي.

جلست أمامنا بكل ثقة، وضعت كوب العصير بجانبها، ثم ابتسمت وكأنها كانت تجلس معنا منذ سنوات.

أرجعت خصلات شعرها المتمرد للخلف، وأخذت قضمة كبيرة من شطيرتها، ثم قالت:

— "حسنًا يا فتيات… لقد قضيت الليلة الماضية وأنا أفكر فيكما."

نظرت إليها جيسيكا باستغراب.

أما أنا فبقيت صامتة.

تابعت زوي بحماس:

— "كيف يمكن لعلاقة صداقة أن تكون بهذا الهدوء؟ أنتما غريبتان جدًا! كل شيء عندكما منظم وبارد وكأنكما تخططان لمعركة وليس لحياة مدرسية!"

رفعت حاجبي قليلًا.

ثم قلت بهدوء:

— "زوي… نحن أتينا إلى سينت بول لأننا نريد الهدوء. الابتعاد عن المشاكل والدراما هو الهدف."

ما إن أنهيت كلامي حتى انفجرت جيسيكا بالضحك.

اقتربت من زوي وقالت بسخرية لطيفة:

— "انسِ الأمر يا زوي. مارس لديها مناعة طبيعية ضد الإثارة."

ثم أشارت إليّ:

— "إنها قادرة على الجلوس ومراقبة العالم كله ينهار حولها وهي تشاهد بصمت وكأنها في دار سينما."

نظرت إليها ببرود.

لكن داخليًا…

كنت أعترف أن وصفها لم يكن بعيدًا جدًا عن الحقيقة.

ابتسمت زوي بتحدٍ.

— "سنرى إن كانت هذه المناعة قوية فعلًا."

ثم اقتربت قليلًا وقالت:

— "بالمناسبة… ألا تلاحظان شيئًا؟"

نظرت جيسيكا حولها.

— "ماذا؟"

أشارت زوي نحو إحدى الطاولات القريبة.

— "طالبات الصف الثالث هناك. إنهن ينظرن إلينا منذ فترة ويتحدثن عنا."

التفتت جيسيكا بفضول.

أما أنا؟

فأكملت شرب عصيري بهدوء.

— "دعيهن يفعلن ما يردن."

نظرت إليّ زوي باستغراب.

أكملت:

— "الشائعات ليست شيئًا جديدًا بالنسبة لي. طالبة غامضة لا تتحدث كثيرًا؟ يبدو أن هذا أصبح مصدر تسلية للبعض."

لم تكن تلك النظرات تخيفني.

لقد عشت سنوات وأنا أشعر بأنني تحت المراقبة.

لكن الفرق هنا…

أن هذه النظرات لم تحمل نفس القسوة.

في القصر، كانت كل نظرة تحمل حكمًا.

أما هنا، فلم تكن أكثر من فضول عابر.

---

بدأت زوي بعدها في سرد قصصها الغريبة عن المدرسة.

تحدثت عن القوانين التي تراها سخيفة، وعن الأساتذة الذين يجب الحذر منهم، وعن مواقف مضحكة حدثت معها.

كانت تبالغ في كل شيء بطريقة جعلت جيسيكا تضحك باستمرار.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل…

ضحكت أنا أيضًا.

ضحكة حقيقية.

ليست مجاملة.

ولا تمثيلًا.

فقط ضحكة خرجت دون تفكير.

توقفت للحظة وأنا أراقبهما.

جيسيكا.

وزوي.

شخصان دخلا حياتي دون أن أطلب ذلك.

ورغم أنني كنت أخاف دائمًا من الاقتراب من الآخرين…

إلا أن وجودهما لم يشعرني بالخطر.

بل بالأمان.

أخذت نفسًا عميقًا.

ربما…

ربما كان قراري بالابتعاد عن القصر وتعمد الرسوب أفضل قرار اتخذته في حياتي.

لأول مرة، لم أكن "ابنة العائلة".

ولم أكن "الفتاة التي تقارن بإيلينا".

كنت فقط…

مارس.

استمرت ضحكاتنا تملأ الطاولة، بينما كانت أشعة الشمس تدخل من خلال الزجاج الكبير وتلقي دفئها على المكان.

لحظة بسيطة.

لكنها كانت ثمينة.

لم أكن أعلم أن هذه الأيام الهادئة التي ظننت أنها بداية حياتي الجديدة…

كانت مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.

لأن شيئًا ما في الخارج…

كان يستعد ليعيدني إلى العالم الذي حاولت الهروب منه.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application
Commentaires (1)
goodnovel comment avatar
llii89
تكفين...............
VOIR TOUS LES COMMENTAIRES

Dernier chapitre

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل السابع والثلاثون: ظلال الشك وسطوة القصر

    ظلت يد مارس معلقة على بعد بوصات قليلة من ذلك الملف الجلدي الداكن، وكأن الزمن بأسره قد جمّد أنفاسه عند تلك اللحظة بالضبط. صوت خطواته الملتفة في الممر المظلم لم يكن مجرد صدى عابر، بل كان نذيراً حتمياً بأنها سقطت فعلاً في الشرك الذي نصبه أخيها بعناية فائقة. رائحة الحبر القديم والجلود الفاخرة التي كانت تملأ المكتب امزجت ببرودة مفاجئة سرت في أوصالها، لكنها لم تنفجر بالذعر، ولم تحاول الركض أو اختلاق الأعذار الواهية؛ فعقلها كان يعمل بسرعة فائقة لتدارك الموقف وحماية ما تبقى من هدوئها.استدارت ببطء شديد، ودمها يرتطم بصدرها بقوة طبل حربي، لتلتقي عيناها مباشرة بنظرات راينر الحادة التي كانت تخترق عتمة الغرفة ببرود مرعب.خطa راينر بخطوات ثابتة وواثقة إلى داخل المكتب المظلم، ولم يكشف ملامحه الصارمة سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة الكبيرة المطلة على الحدائق الخلفية. وقف على مسافة قريبة منها، وذرع الغرفة بنظرة سريعة وساخرة إلى الملف المفتوح، قبل أن يعود ليثبت عينيه القاسييتين عليها، وكأنه يدرس تأثير الرعب في وجهها.قال بصوته الهادئ الذي يحمل طابع السخرية المبطنة والتهديد المتجذر

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل السادس والثلاثون: خيوط اللعبة الخفية

    مرت الساعات الأولى من حفل العشاء وسط أجواء مشحونة بالتوتر الخفي، رغم الأحاديث السطحية والمجاملات الدبلوماسية التي كان يتبادلها ضيوف النخبة مع راينر. كانت سيلين تحاول طوال الوقت لفت الانتباه وتهميش حضور مارس، بينما كان جوليان يرمق مارس بين الحين والآخر بنظرات فضولية تحمل قدراً غير مألوف من الاهتمام، وكأنه يرى فيها شيئاً مختلفاً عن بقية أفراد عائلة فان أستور التقليدية.وسط ذلك الضجيج الخافت الصادر من صالون الاستقبال، كانت الحوارات تدور حول صفقات الأسهم الكبرى وأحدث الاستثمارات في البورصة العالمية، بينما ظل جوليان شارد الذهن، مأخوذاً بالتناقض الصارخ الذي تجسده مارس. لقد اعتاد في أكاديمية النوبل على رؤية الفتيات المتكلفات اللواتي يلهثن خلف الألقاب والمظاهر المزيفة، لكن جرأة مارس ونظراتها الجليدية التي لا تساومان أي أحد، صنعتا في نفسه هالة من الفضول العميق الذي يكاد يتحول إلى إعجاب خفي. كانت سيلين تلاحظ ذلك التشتت في نظراته، فيزداد غيظها وحنقها الدفين، محاولة بكل الطرق استمالة انتباهه مجدداً عبر أحاديث روتينية مكررة عن أناقة أزياء الموسم الجديد ومجتمعات المخملية الراقية.

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الخامس والثلاثون: بريق الفضيات وسم التحيات

    كانت قاعة الطعام الكبرى تبدو في تلك الليلة وكأنها لوحة فنية صُممت خصيصاً لتعكس تفوق وثراء عائلة "فان أستور" المطلق. الثريات الكريستالية الضخمة تنشر ضوءاً أصفر هادئاً وفخماً يرتدّ عن الجدران الرخامية المصقولة، والأطباق الخزفية المذهبة تترتب بعناية فائقة أمام المقاعد، بينما تنتشر في الأرجاء رائحة العطور الفرنسية باهظة الثمن التي يضعها الضيوف.جلس راينر في رأس المائدة كعادته، بملامحه الصارمة وابتسامته الواثقة التي لا تصل إلى عينيه. وإلى جواره، كانت "سيلين" تجلس بتباهٍ واضح، مرتدية فستاناً استثنائياً يبرز مكانتها الاجتماعية، وتتبادل أطراف الحديث بضحكات رقيقة ومدروسة مع "جوليان" وبقية شباب النخبة القادمين من أكاديمية النوبل. أما إيلينا، فكانت تجلس بملامح مشحونة بالترقب والتشفي، بانتظار اللحظة التي تظهر فيها مارس لتراها في أسوأ حالاتها.انفتح الباب الخشبي الثقيل للقاعة ببطء، وتوقف الجميع عن الهمس للحظات.خطت مارس إلى داخل القاعة بخطوات متزنة، بطيئة، ومدروسة بعناية فائقة. ارتدت فستانها الأسود الطويل الذي زادها وقاراً وصرامة، ورفعت رأسها بشموخ لا ينكسر، ناظرة إلى

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الرابع والثلاثون: ضيوف العرين وظلال الحبيبة

    مرت الأيام الثلاثة التالية في عزلة شبه مطلقة داخل الجناح الشرقي. لم تكن مجرد استراحة لتلتئم العظام المحطمة تحت الجبيرة السميكة، بل كانت فترة صمت مطبق وضعت فيها مارس كل خيوط اللعبة نصب عينيها. كانت تقضي ساعاتها الطويلة في تأمل الغابات المظلمة والكثيفة المحيطة بالقصر من خلف الزجاج السميك والمصفح، تفكر في جيسيكا وزوي اللتين تركتهما خلف أسوار "سينت بول"، وفي الهاتف المغلق الذي قطع ارتباطها بالعالم الخارجي، وفي تلك الرسالة التي تركها راينر والتي كانت بمثابة نبوءة تحققت بحذافيرها.لم تجلس يوماً لتندب حظها أو تبكي ذراعها المكسورة؛ فالضعف البشري لم يكن مسموحاً في قاموس عائلة فان أستور، ومارس كانت تعرف تماماً أن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلتها هو بمثابة منحهم سلاحاً جديداً لتقييد حريتها. كانت تمارس تمارين التنفس الهادئة، وترتب أفكارها بدقة تسويقية حادة، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه ضربتها المضادة، بغض النظر عن مدى قسوة الحصار المفروض حولها.لكن هذا الهدوء الجليدي انكسر صباح يوم الجمعة بصخب خفيف وأصوات محركات سيارات رياضية فارهة وباهظة الثمن، كانت تتواكب بانتظام وهي تخترق بوابات القص

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثالث والثلاثون: مائدة العائلة والابتسامات المسمومة

    في المساء، أُجبرت مارس على النزول لتناول العشاء في غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات الكريستال الضخمة، والفضيات تلمع ببريق مزعج، ورائحة الأطباق الفاخرة تمتزج بصمت مطبق لا يكسره سوى صوت اصطدام الشوكات بالصحون الخزفية ببطء مقصود وعناية بالغة.جلس راينر في رأس المائدة ببدلته الرسمية الأنيقة، وإيلينا إلى مقعدها القريب بملابسها المصممة بعناية، بينما جلست الأم في المنتصف كتمثال حريري صامت. لم يكن هناك أي نقاش عائلي دافئ؛ فالأحاديث، إن وجدت، كانت مقتصرة تماماً على شؤون الاستثمار، الميراث، والمظاهر الاجتماعية التي تضمن تفوق اسم فان أستور على الجميع، دون أي اعتبار للمشاعر الإنسانية أو الدفء العائلي المفقود وسط هذه الجدران الفارهة.قطعت إيلينا هذا الصمت المطبق بابتسامة صفراء ومستفزة للغاية، وهي تقطع قطعة اللحم ببطء أمامها لتلفت الأنظار نحو مارس:— "من المضحك حقاً، بل والمثير للشفقة، أن ترى شخصاً كان يتحدث طوال

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثاني والثلاثون: صقيع الجناح الشرقي وجليد الملامح

    كان الصباح في الجناح الشرقي لقصر "فان أستور" يأتي بطيئاً، كثيفاً، وخالياً تماماً من أي بهجة تخص شروق الشمس. النوافذ هنا لم تكن مجرد زجاج عادٍ، بل كانت مصفحة، معتمة بطبقة سميكة تحجب العالم الخارجي، وتترك الغرفة غارقة في رمادية باردة تشبه لون الرخام المصقول الذي يكسو الأرضيات الواسعة. لم يكن هناك صوت يخرق هذا السكون سوى دقات الساعة القديمة المعلقة على الجدار، والتي كانت تقيس الزمن ببطء مقصود، كأنها تحصي أنفاس مارس في قفصها الجديد.استيقظت مارس على نبضات ألم خفي وثقيل يتردد في ذراعها اليمنى. الجبيرة البيضاء السميكة كانت تحاصه كقيد إسمنتي، تمنع أي حركة عفوية وتذكرها كل ثانية بتلك اللحظة العنيفة على الطريق المقطوع. لم تصرخ، ولم تطلق أي تنهيدة شكوى؛ فالقاعدة الأولي التي تشربتها في هذا القصر منذ طفولتها هي أن الألم علامة ضعف، والضعف جريمة لا تُغفر في قاموس عائلة فان أستور.جلست على حافة السرير الفخم ببطء شديد. عيناها الداكنتان كانتا تستقران على الفراغ بهدوء تام، بينما كان عقلها يعمل بسرعة البرق. كانت تستعرض خياراتها، وتقارن بين حرية السكن الطلابي في "سينت بول" حيث كانت تضحك مع جيسي

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status