Masukكانت الأيام تتسرب من بين أصابعنا ببطء، وكأن الزمن هنا في هذا المكان المنعزل يسير بإيقاع خاص يختلف تماماً عن روتين القصور المتسارع والمخيف، حيث كل ساعة محسوبة وكل حركة خاضعة للرقابة والتدقيق الصارم.
بدأت جدران مدرسة «سينت بول الثانوية» تفقد غربتها وحشتها الشديدة شيئاً فشيئاً. لم يعد الصباح مجرد روتين صامت وبارد بيني وبين جيسيكا داخل سكن الطالبات، بل أصبح يتخلله حضور «زوي» المفاجئ وعفويتها الصاخبة التي تقتحم هدوءنا في أوقات غير متوقعة على الإطلاق. كانت حركة الطالبات في الممرات والساحات تعج بالحياة والنشاط، ومع كل صباح جديد كنتُ أشعر بأن شيئاً من ثقل الماضي يبدأ بالانحسار عن كاهلي، مستبدلاً إياه براحة نفسية عميقة طال انتظاري لها وسط عتمة القصر. كانت الكافتيريا المدرسية في ذلك اليوم مكتظة بالطلاب بشكل ملحوظ. أطياف الضجيج تتصاعد، وأصوات الأطباق ورنين أدوات الطعام الممزوج بضحكات المراهقين تملأ الأرجاء. جلستُ عند الطاولة المجاورة للنوافذ الزجاجية الكبيرة برفقة جيسيكا، نتناول شطائرنا الهادئة ونستمتع بمنظر الأشجار المورقة في الساحة الخارجية. رائحة القهوة الطازجة والمعجنات الساخنة امتزجت بحديث جيسيكا الهادئ عن خططنا الدراسية القادمة، قبل أن ينكسر هذا الهدوء العذب بطريقة درامية حيوية اعتادت عليها صديقتنا الجديدة. وفجأة، وُضعت صينية طعام بضجة خفيفة ومباغتة على طاولتنا، لتجلس زوي أمامي وأمام جيسيكا دون استئذان أو إشعار سابق، وهي تحمل كوباً من العصير البارد وتشع بعينيها لمعة حماسية مريبة. أعدت زوي خصلات شعرها المتمرد إلى الخلف، وقالت وهي تأخذ قضمة كبيرة من شطيرتها: — "إذاً يا فتيات... لقد أمضيتُ ليلتي في السكن المكتظ وأنا أفكر ملياً في أمركما. كيف لعلاقة صديقتين أن تكون جادة، رتيبة، وبهذا البرود الصارم طول الوقت؟ نحتاج حتماً إلى إضافة بعض الإثارة والجنون لحياتكما هنا!" أنزلتُ الشطيرة من يدي بهدوء، ونظرتُ إليها وعيناي تتأملان حماسها بابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى: — "إثارة؟ زوي... نحن جئنا إلى مدرسة سينت بول بالذات بحثاً عن الهدوء والابتعاد التام عن المشاكل وعالم الدراما." انفجرت جيسيكا بالضحك وهي تميل بنصف جسدها العلوي نحو زوي، أردفت بتهكم لطيف: — "انسي الأمر تماماً يا زوي! مارس تملك مناعة ذاتية ضد مفهوم 'الإثارة'. إنها تفضل مراقبة العالم المظلم حولها ببرود تام وكأنها تجلس في دار سينما تتابع مسلسلاً مللاً لا يعنيها في شيء." رمشت زوي بعينيها بتحدٍ ملحوظ وهي تبتسم بوقاحة حبوبة: — "سنرى شأن هذه المناعة القوية قريباً جداً! بالمناسبة، ألا تلاحظان نظرات طالبات الصف الثالث من الطاولة المجاورة بالقرب من البوابة؟ إنهن يتهامسون بفضول عنكن منذ جلوسنا هنا." التفتت جيسيكا بعينين تتملكهما الرغبة في الفضول، بينما بقيتُ أنا أرتشف من العصير بلامبالاة مطلقة: — "دعيهم يتهامسون كما يروق لهم... الشائعات اليومية عن 'الطالبة المنتقلة التي لا تتحدث كثيراً والغامضة' أصبحت مجرد وسيلة تسلية مجانية بالنسبة لي للتغلب على الملل." لم تكن تلك النظرات تعني لي شيئاً يُذكر، فقد اعتدت في الماضي على تدقيق الجميع في كل حركة أصدرها تحت المجهر الملكي لعائلتي، وهنا في سينت بول، على الأقل، كانت هذه الهمسات فارغة تماماً من أي تهديد حقيقي أو قسوة متوقعة. بدأت زوي تقص علينا بطريقتها الدرامية المضحكة والمليئة بالمبالغات الكوميدية عن قوانين المدرسة الغريبة، والأساتذة الذين يجب علينا تجنب إغضابهم بأي شكل. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة جداً... وجدتُ نفسي أضحك من أعماق قلبي وسط حديثهما العفوي وغير المتكلف. كان هذا الشعور الخفيف يمثل تجربة جديدة كلياً عليّ... خفة أن أكون مجرد "مارس"، الفتاة العادية، دون ألقاب عائلتي الثقيلة، ودون تلك الظلال المظلمة والمقارنة المستمرة مع إيلينا التي دمرت طفولتي. سحبتُ نفساً عميقاً وأنا أتأمل وجهي زوي وجيسيكا... وبدأتُ أستوعب أن قرار هروبي وتعمد رسوبي كان أفضل خطوة خطوتها في حياتي. استمرت ضحكاتنا تتناثر فوق سطح الطاولة، بينما كانت أشعة الشمس الدافئة تنساب بخفة عبر الزجاج، تاركة في داخلي طمأنينة عميقة لم أختبرها من قبل قط. كانت هذه اللحظة، ببساطتها وصخبتها المحببة، بمثابة الفصل الحقيقي الأول لحياة جديدة أكتب تفاصيلها بنفسي ودون قيود.مرت الأيام التالية لواقعة البطاقة السوداء ورسالة التهديد المرعبة والغامضة ببطء قاتل وثقل شديدين على أعصاب جيسيكا المهتزة والمكتوية بنيران القلق والخوف المستمر الذي لا ينقطع عن ملاحقتها. فبينما كانت تحاول طوال الوقت التظاهر أمام مارس وزوي بأن الأمور تحت السيطرة التامة ولا داعي لأي هلع أو توتر، كانت أنفاسها تتسارع خوفاً مع كل حركة مفاجئة أو صوت غير معتاد يتردد في أرجاء سكن المدرسة المظلم والبارد. كانت تحاول بكل ما أوتيت من قوة وتماسك حماية مارس وزوي من هذا الكابوس المرعب والمحيط بها من كل جانب، رافضةً تماماً إقحام صديقاتها الحبيبات في دائرة الخطر المظلمة والمخيفة التي تحيط بها من كل الجهات دون إرادتها ودون سابق إنذار. لكن مع مرور الأيام وخفوت وتيرة التهديدات المباشرة لفترة قصيرة ومؤقتة، بدأت الأجواء العامة تعود لهدوئها الظاهري المخادع، خصوصاً مع إعلان إدارة المدرسة الرسمي والمرتقب عن موعد انطلاق "الرحلة الميدانية الكبرى" التي تنتظرها المدرسة بأكملها بفارغ الصبر خارج الأسوار الحجرية العالية، والتي ستشمل مبيتاً وتهيئة خاصة في أحد المنتزهات والمنتجعات الفاخرة والواسعة التابعة لمدرسة «سينت
شحب وجه جيسيكا تماماً في ذلك الصباح البارد. لم تستطع النوم طوال ما تبقى من الليل، وظلت عيناها المعشوقتان بالهالات السوداء تترقبان ضوء النهار بلهفة وخوف يكادان يمزقان صدرها. عندما أيقظ صوت المنبه أرجاء الغرفة، سارعت جيسيكا بمسح الرسالة المزعجة من هاتفك، وأخفت جهازها بسرعة وهي ترتجف من أثر القشعريرة التي سرت في عروقها. وقفت أمام مرآة الحمام لتترتيب مظهرها، محاولة بكل ما أوتيت من قوة وإرادة رسم ابتسامة طبيعية، كي لا تلاحظ مارس أو زوي أي تغير ملحوظ عليهما. فمنذ طفولتهما، كانت جيسيكا دائماً هي الصديقة العاقلة والمتزنة التي تمثل صمام الأمان لمارس، ولم تكن ترغب أبداً في إقحامها بهذا الكابوس المرعب؛ خصوصاً بعد أن وجدت مارس أخيرًا ملاذها الهادئ وسلامها الداخلي بعيداً عن جحيم عائلتها النافذة والباردة. في المقابل، كانت زوي تقتحم الغرفة بحماسها المعتاد، وهي تحمل فطورها وتضحك بصوت عالٍ يملأ المكان بالحياة: — "صباح الخير يا فتيات! هيا، ألا تلاحظن أن الهواء اليوم في السكن يبدو منعشاً؟ أقسم أن ابتعدنا عن نكد عائلاتكم جعلنا نولد من جديد!" ابتسمت مارس بخفة وهي ترتب معطفها الأسود بعناية فائقة، ونظرت
منتصف الليل في سكن «سينت بول» الداخلي العريق كان يحمل طابعاً مختلفاً تماماً، هادئاً وساكناً إلى حد الخوف، ومخالفاً كلياً لضوضاء النهار المزعجة وصخب رحلة المدينة البهيجة. كانت النوافذ الزجاجية الكبيرة تعكس أضواء القمر الباهتة والخافتة على جنبات الغرفة الواسعة، حيث غرقت "مارس" في نوم عميق وساكن، تبدو ملامح وجهها البارزة هادئة ومريحة وكأنها تخلفت عن قصد عن كل صراعات العالم الخارجي ومشاحناته المستمرة التي لا تنتهي. فبعيداً عن تلك الصورة الباردة والمتعالية التي يراها الجميع عليها في أروقة المدرسة، وعن عقلها الفذ والعبقري الذي يستطيع أحياناً وبنظرة سريعة واحدة رصد الثغرات التقنية المعقدة والدقيقة في أنظمة المدرسة أو الأجهزة الإلكترونية المختلفة — رغم أنها لا تطور هذه المهارة ولا تمنحها وقتاً طويلاً أو اهتماماً كبيراً، مكتفية تماماً بكونها موهبة عابرة وفطرية ولدت معها — كانت مارس في هذه اللحظات مجرد فتاة عادية وبسيطة للغاية؛ تضحك ببراءة وعفوية على أبسط المواقف والمزاح، تقفز بحماس طفولي مع زوي، وتحاول بكل جوارحها الهروب من ثقل عائلة لا تكترث أصلاً بما تفعله أو مع من تتحدث أو أين ترقد في هذه
استيقظنا في الصباح الباكر على صوت حافلة السكن المدرسية وهي تطلق صفيرها المعتاد إيذانًا ببدء يوم جديد ومختلف كليًا عن بقية الأيام الرتيبة التي تقيدنا خلف الأسوار العالية. كانت مشاعر الحماس الطفولي تتراقص بوضوح في عيني زوي وجيسيكا اللتين كانتا تجهزان أغراضهما بسرعة، بينما كنتُ أنا أقف بهدوء أمام النافذة أحاول إخفاء ابتسامتي العميقة والهادئة وأنا أرتدي معطفي المفضل بعناية تامة. أخذنا تصريح الخروج المكتوم بختم الآنسة ماي الرسمي، والذي حصلنا عليه بعد جولة طويلة من التوتر والترقب، وصعدنا بحماس إلى الحافلة المدرسية المتجهة مباشرة نحو قلب المدينة النابض بالحياة. كانت تلك الرحلة هي المرة الأولى التي أعبر فيها أسوار المدرسة والسكن الداخلي ليس بهدف الهرب المستميت أو الشعور بمرارة الوحدة والعزلة، بل لمجرد قضاء وقت ممتع حقيقي مع صديقتين أصبحت أعدهما شيئاً غاليا جداً وثابتاً في حياتي الجديدة التي أسعى لبنائها بخطى ثابتة ومدروسة. توقفت الحافلة أخيرًا في المحطة المركزية المزدحمة، وما إن نزلنا حتى استنشقنا بعمق هواء المدينة المليء بالحركة والصاخب بالحياة والحرية. الشوارع المكتظة بالمارة، والمحلات
.في صباح اليوم التالي، وقفتُ مع جيسيكا وزوي بثبات أمام باب مكتب الإدارة العريق، حيث تتسرب رائحة الشمع والكتب القديمة من الشقوق الخشبية. كانت الآنسة ماي تجلس خلف مكتبها الخشبي الضخم والمصنوع من البلوط الداكن، تنظر إلينا بنظرات حادة ومتفحصة من فوق نظارتها الطبية ذات الإطار الفضي، تحاول قراءة دوافعنا الخفية وكسر جدار ثباتنا المصطنع. قالت الآنسة ماي بصوتها الحاد والمتقطع المعتاد الذي يشبه حفيف الأوراق الممزقة: — "إذاً... تقدمتم بطلب استثناء رسمي للحصول على إذن خروج للمدينة بحجة تمثيل المدرسة في نشاط الكشافة الميداني والأبحاث البيئية المتقدمة؟ ألا تظنون أن المواعيد أقرب من أن تحملوا على عاتقكم كل هذه المسؤوليات المفاجئة؟" خطوتُ خطوة متزنة إلى الأمام برزانة وهدوء، مستحضرة كل ذكائي ودبلوماسيتي، وقدمتُ الاستمارة المكتوبة بخط يدوي منظم للغاية وأسلوب لغوي رفيع لا تشوبه شائبة: — "نعم آنسة ماي. القوانين الخاصة بالسكن الداخلي تسمح تماماً للطلبة الملتزمين بالخروج لمثل هذه الأنشطة الأكاديمية المعتمدة رسمياً، ونحن نضمن لكِ الالتزام الكامل بالتعليمات الصارمة والعودة قبل الموعد المحدد بدقائق مع
كانت الأيام التي تلت استقرارنا في مدرسة «سينت بول الثانوية» تمر وكأنها لوحة مرسومة بعناية فائقة، تتبدل ألوانها بين هدوء الصباح وسكينة المساء. لقد وجدنا لأنفسنا مساحة خاصة تتسع لكل أحلامنا البسيطة بعيداً عن أروقة القصور المظلمة التي طالما حبست أنفاسنا. لم يعد الخوف من نظرات الآخرين أو التوقعات الصارمة يلاحقنا، بل استبدلناه بدفء التفاصيل اليومية الصغيرة التي نصنعها معاً بكل حب وعفوية، لنستعيد معاً ما سرقته منا ظروف الحياة القاسية. مر أسبوعان كاملان بسرعة غير متوقعة، وأصبحت طاولتنا المعتادة في الكافتيريا، ومقاعدنا المتجاورة في حافلة السكن المدرسية، هي الملاذ اليومي الآمن لنا جميعاً. تشكلت بيننا رابطة هادئة وممتعة للغاية؛ جيسيكا بدفئها الصادق ووفائها القديم الذي رافقني منذ الطفولة، وزوي بفتونها وفضولها وجنونها الكوميدي، وأنا بينهما أعدل كفة التوازن النفسي وأحاول ترميم ما كسره الماضي داخل روحي. كانت كل لحظة نقضيها معاً تمسح شيئاً من غبار الوحدة الذي تراكم فوق أعماقي طوال سنوات العزلة القسرية في القصر. لقد أصبحت تفاصيل حياتنا اليومية تشبه القصص الدافئة التي تقرأ قبل النوم؛ حيث يذوب الجل