LOGINنظرت إليه ليلى وقد بدا الارتباك على وجهها:
– إذن... أنا لست بخير... قاطعها كريس قائلًا: – بل أنتِ في حال أفضل مما كنتِ عليه، وأظن أن الدواء بدأ يُعطي مفعوله. أخفضت ليلى رأسها، وبقيت صامتة. لم تعرف ماذا تقول، أو كيف تتفاعل مع ما تسمعه. تنهد كريس وقال: – الآن وقد استيقظتِ، وأراكِ في حالة جيدة... أرجوك، اعتني بنفسك. لا تجعليني أضطر إلى إحضار شخصٍ آخر للاعتناء بك، فأنا لا أثق بأحد. أنا مضطر للخروج، لدي أمر مهم يجب أن أنهيه. لم تجب ليلى، وبقيت على صمتها، بينما غادر كريس. جلست وحدها، تحاول أن تستوعب كل ما يجري معها، وكل ما قيل لها... لكن شيئًا في داخلها لم يكن مرتاحًا. مرّت الأيام، ولم يحدث أي شيء جديد. بدأت ليلى تعيش حياة طبيعية، رغم أنها كانت تظل صامتة أغلب الوقت، تغرق في أفكارها. أما كريس، فكان كعادته يذهب إلى العمل ثم يعود دون أن يثير أي شكوك أو تغيّرات واضحة. في يوم عادي، كانت ليلى ترتّب المنزل كجزء من روتينها المعتاد، ثم توجّهت إلى مكتب كريس لترتيب الأوراق المبعثرة. بدأت تنظم كل شيء وتضعه في مكانه، إلى أن لفت انتباهها شيء غير مألوف. وسط الأوراق، وجدت وثيقة زواج مؤرخة بسنة 2022. توقفت لحظة. شعرت بالارتباك، لم تتذكر حتى في أي سنة يعيشون الآن. التفتت بسرعة لتجد يومية موضوعة بجانب المكتب، فتحتها لتتأكد، فإذا بالتاريخ يشير إلى سنة 2023. اتسعت عيناها. "مرّت سنة على زواجنا؟" همست لنفسها بدهشة. عادت فجأة إلى كلمات العجوزة التي كانت تطاردها في كوابيسها: "جورجا اختفت منذ سنة... تزامنًا مع زواجك." شعرت بقشعريرة تزحف على جسدها. هل كل ما يحدث مجرد صدفة؟ واصلت البحث بين الأوراق بدافع لا تعرف إن كان فضولًا أو قلقًا، لتجد درجًا مغلقًا جزئيًا. سحبته لتجد داخله ملفًا يحمل اسمها. شعرت بالتوتر. "ما هذا؟ لا أذكر هذا الملف!" تمتمت. فتحت الملف ببطء، لتسقط منه صورة. التقطتها وتمعّنت النظر فيها. كانت صورة لها، مع ماريا — شبيهتها — وكريس. كانوا جميعًا يبتسمون، يبدو عليهم الانسجام والسعادة. قلبها انقبض، لم تستوعب ما تراه. "متى التُقطت هذه الصورة؟ ولماذا لا أتذكر شيئًا منها؟" قطع تفكيرها صوت جرس الباب. قفز قلبها من مكانه. أعادت بسرعة كل شيء إلى مكانه، وأغلقت الأدراج، ثم تنهدت بعمق في محاولة لاستعادة هدوئها. تقدّمت نحو الباب وفتحته ظنًا منها أنه كريس... لكن المفاجأة كانت أكبر من كل توقعاتها. كانت شيتا المحققة ، وهي أيضا والدت ماريا تبادلت عيناها النظرات مع ليلى، واتسعت ملامح وجهها بالدهشة، وقالت بصوت مرتجف ليلى : – "أنتِ؟!" قالت شيتا باستغراب وهي تراقب ملامح ليلى: – "لم أظن أن حالك سيكون هكذا... حتى لو أردتِ الكذب، عيناكِ وحركاتك لا تكذب. أنتِ لا تتذكرينني... ولا تخاطبينني كما اعتدتِ. ماذا حدث لكِ؟ إلى هذه الدرجة نسيتي كل شيء؟ سأُفهم إن نسيتي الحادث، لكن أن تنسيني أنا... وكل من حولك؟" وقبل أن تنطق ليلى بكلمة، قطع صوتهما صراخ حاد: – "ليلى! ادخلي فورًا!" كان كريس. نظرت إليه ليلى، مترددة. كان صوته غاضبًا بطريقة لم تعهدها. دخلت المنزل بصمت، رغم رغبتها الجامحة في معرفة لماذا يمنعها دومًا من التحدث مع شيتا. لم تستطع سماع ما قاله كريس لتشيتا، لكنها شعرت بشيء مريب في نبرته. بعد لحظات، دخل كريس وأغلق الباب خلفه. اقترب منها سريعًا وسأل بقلق ظاهر: – "هل أنتِ بخير؟" نظرت إليه ليلى، وقد بدأ القلق يتحوّل داخلها إلى شكٍّ يتضخم: – "أنا من يجب أن يسألك... لماذا تعامل المرأة بهذه الطريقة؟ كلما رأيتني معها تبعدني، لماذا؟" تنهد كريس، وكأن الأمر أثقل مما يبدو، ثم أجاب: – "لأن هذا الأفضل. لن تضغط عليكِ. هي لا تهتم إلا بأن ترضي نفسها وتُقنع نفسها بأنها محققة بارعة. هذا ليس وقتها، خصوصًا وأنكِ... فقدتِ ذاكرتك. لن تفيديها بشيء." نظرت ليلى إليه بعيون متشككة: – "كل تصرفاتك تجعلني أشك فيك أكثر." ردّ كريس ببرود متعمد: – "كل ما أفعله هو لحمايتك، لكنكِ لا ترين ذلك. حسنًا... سأخبرك بما يمكنني قوله." تقدمت خطوة منه، بنبرة بدأت تختلط بين الغضب والوجع: – "لماذا لا تخبرني بكل شيء؟ لماذا كل هذا الغموض؟" صرخ فجأة، وكأنه كسر حاجزًا داخله: – "لأنني طبيبك، وأنا أعرف مصلحتك! تعرضتِ لفقدان ذاكرة بعد صدمة قوية. كما أخبرتك... بعد اختطافك، نسيتِ كل شيء. لذا أخبرك فقط بما لا يؤذيك أو يؤذي ذاكرتك." قالت ليلى بذهول، وقد شدّها ما سمعته: – "اختطاف؟! ماذا تقول؟" أخذ كريس نفسًا عميقًا وبدأ يسرد، بصوت أثقل من قبل: – "نعم... كنتِ مخطوفة. جورجا... لم تعاملْكِ يومًا كما ينبغي، عقلكِ حاول أن ينجو من الذكريات المؤلمة، فقام بمحوها بعد الصدمة. هكذا يعمل العقل، يفرم الذكريات السيئة لينقذ نفسه." سألته ليلى، وقد بدأ الغموض يضغط على صدرها: – "وما علاقة جورجا باختطافي؟ ولماذا نسيتها تمامًا؟" تلعثم كريس، ثم قال: – "لا أعرف بالضبط ما حدث أثناء اختطافك، ولا من فعلها... لكن هذا ما توصلنا إليه." ردّت ليلى بإصرار: – "ماريا كانت هناك يوم اختطافي، لماذا لا نسألها عمّا حدث؟" ارتبك كريس، وعيناه اتسعتا بدهشة: – "أنا... لم أخبرك أن ماريا كانت معك! كيف تعرفين؟!" أجابت ليلى بتوتر: – "تلك الفتاة... لا أتذكرها جيدًا، لكنها زارتني. قالت إنها كانت صديقتي وجاءت لتطمئن عليّ." صمت كريس لثوانٍ، ثم قال وهو يقترب منها: – "ليلى... لماذا لم تخبريني بكل هذا؟ أنا لا أريد أن أؤذيك. كل ما أردته هو حمايتك من الألم.طارق، مذعورًا، ترك سارة وقال: – أنا والد أبنائها… لا تقتلني! صفعته سارة، وقالت: – تتذكر حين أوصلتك للمشفى؟ لم تكن فكرتي… كانت فكرته. بالنسبة لي، موتك أرحم من رؤيتك على قيد الحياة. اختر: إما أن تختفي من حياتي، أو أرسلك للسجن. حاول طارق استعطافها: – دعينا نعود للقرية… نتزوج من جديد، نعيش مع أطفالنا. تدخل جاي، قائلًا: – لقد أخبرتك بقرارها… الآن اختفِ قبل أن يتغير مزاجي. ثم سُمع صوت سيارات الشرطة تقترب. أمسك جاي بسارة وهربا، وطارق قرر، في النهاية، العودة إلى قريته… مدركًا أنه دخل في معركة أكبر منه. وصلت الشرطة إلى المستودع، واعتقلوا كل من كان بداخله بعد بلاغ مجهول. من بعيد، كانت جيجي تراقب كل شيء، وأمسكت هاتفها، واتصلت بجون: – لقد كان فخًا… من جاي وسارة، وأظن أن ليلى أيضًا كانت تعرف. أجابها جون: – إذًا، جهزي الخطة الأخيرة. في القصر، دخلت جيجي إلى غرفة ليلى. كانت تحمل حقنة، غرستها في عنق ليلى التي فقدت الوعي فورًا. وضعت في سريرها هاتفًا يحتوي رقمًا واحدًا فقط،
التقت بجون وتحدثت معه بهدوء: – كيف حالك، جون؟ – بخير، وأنتِ؟ رد جون باعتيادية. – كيف كان يومك؟ سألت، محاوِلة أخذ خصلة من شعره أثناء اقترابها. لكنه لاحظ حركتها، وقال: – أنا بخير… وأنتِ؟ – بخير، قالت جسيكا، ثم نظرت إلى كوب القهوة في يده. هل أستطيع تذوق القهوة التي تشربها؟ – سأُحضر لك واحدة، أجابها باستغراب. ابتسمت وقالت: – لا، أريد هذه… سأشتري لك واحدة لاحقًا. ضحك جون، وقال: – حسنًا… تفضلي. أخذت الكوب بسرعة، وغادرت به لإجراء تحليل DNA، ومقارنته بعينات عبدالله وسيدة حكيمة. في القبو، مرت يومان على سجن سارة. لم تُعط سوى الماء. دخل طارق وهو يحمل قطعة خبز صغيرة، وقال: – إن أخبرتنا بمكان جاي، ستخرجين من هنا. كانت سارة منهارة، لكنها تمسكت بأملها وقالت: – حسنًا… سأخبركم، لكن بشرط: يجب أن أتصل به. دخل توم رافضًا: – لا! كيف نضمن أنك لن تنصبي لنا فخًا؟ ردّت سارة: – أنتما مجنونان… كيف لي
– ماذا تقصد؟ سألت جسيكا وهي تصغي. – كلما اقتربتِ من الحقيقة، تم دفعك بعيدًا عنها. اسألي نفسك: كيف عرف توم أنك ستبدأين التحقيق مع ليلى؟ لماذا أُخفي خبر موتي؟ كيف تسرّبت معلومات عن المستشفى التي كانت بها سابقا ليلى؟ ولماذا لم تتمكني من نصبي فخًا مجددًا رغم أنكِ كنتِ قادرة على ذلك؟ سكت لحظة، ثم تابع: – هناك من يعرف كل شيء… يحرك توم، وسسليا، وربما حتى الشرطة. نظرت إليه جسيكا بصمت، ثم قالت بتردد: – تريد أن تقول… أن أحدا معنا في القضية… هو من يدير اللعبة كلها؟! – بالضبط، أجاب جاي. ابتسم جاي وقال بهدوءٍ يسبق العاصفة: – نعم… والشخص الوحيد الذي يعرف هذه القضية من قرب –غيرك– كانت المحققة تشيتا والمحقق قابريال… وهما الآن ميتان. أما الشخص الأخير… فهو المحقق جون. نظرت إليه جسيكا بعدم تصديق، وقالت: – هل تظنني سأصدق هذه الرواية؟ ما هو دليلك؟ أجاب جاي بثقة: – جاي هو أخ عبدالله من الأم. قومي بتحاليل الحمض النووي، وستجدين أنهما إخوة… فلِمَ يخفي هذا الأمر عن الجميع؟ إلا إذا كان
اندهشت سسليا، ثم ضحكت وقالت: – اتصل بي بعد قليل، يجب أن أخبر جيجي… ثم أعود لك. أغلق توم الهاتف، ونهض مسرعًا إلى حيث سارة. وجدها في الممر، أوقفها، وأراها الخبر في الموقع: – هل هربتِ من طليقك؟ صُدمت سارة للحظة، لكنها تمالكت نفسها وقالت بجدية: – نعم… هربت منه لأنه كان يستغلني. والآن، وجدت عملًا جيدًا هنا. أرجوك، لا تجعل هذا يؤثر علينا، فأنا أحتاج هذا العمل. نظر توم إليها بشك، ثم اتصل بسسليا مجددًا: – سارة التي نشرتِ صورتها… إنها هنا، في القصر! انفجرت سسليا ضاحكة وقالت: – ابدأ خطتك فورًا. تلك المرأة… من طرف جاي، وهي من سترشدنا إلى مكانه. أغلق توم الهاتف دون أن ينبس بكلمة، وتوجه إلى غرفته، حيث فتح خزانة حديدية وأخرج منها حقيبة مغلقة بكود سري. داخلها، كانت هناك زجاجة غامضة وحقنة… دون أن نعلم ما تحتويه. مرّت الأيام، وتوم يراقب سارة عن كثب، يشك بكل تحركاتها. لكن ليلى وسارة، من جهتهما، كانتا تلاحظان كل شيء. التوتر كان يتصاعد. وذات صباح، كان طارق –طليق سارة– قد دخل القصر
قال: – لم أرد توريطها، ولم أكن أعلم كل شيء من هو جاي او قصته حتى رأيت صورته في الأخبار. ثم هربت طليقتي… وأعتقد أنه غيّر عقلها، جعلها تعمل معه. والآن هي هنا… في هذه المدينة. – إذًا جاي هنا… وطليقتك تساعده. ولماذا أتيت إليّ أنت بالذات؟ – أتابع برنامجك… يبدو أنك تحبين هذا النوع من الأخبار. أجابت سيسليا ببرود: – حتى لو أحببتها، لا أستطيع عرضها. إن فعلت، الشرطة ستوقف البرنامج، وسأُجبر على كشف مصدر معلوماتي. ابتسم طارق وقال: – بل سنقوم بالعكس… نصبح نحن من يساعد الشرطة. برنامجك سيكون الحصري الذي يكشف الحقيقة عن أخطر مجرم في المدينة. نظرت إليه بدهشة. كانت قد استهانت به في البداية، لكن الآن بدأت تراه بطريقة مختلفة: – وما هي خطتك؟ أجاب مبتسمًا: – كلما زاد المال… زادت جودة الفكرة. أطلقت سيسليا تنهيدة طويلة، ثم كتبت شيكًا وقدّمته له: – هذا مبلغ مبدئي… وإن نجحت خطتك، ستأخذ أضعافه. قال بثقة: – سأظهر بدور الأب الذي يبحث عن أبنائه وطليقته. برنا
قالت سارة بنبرة حاسمة: – جاي يعتقد أن في الشرطة طرفًا يخفي الحقيقة. كل ما حدث مشبوه، ولا يمكننا الوثوق بهم. ثق بي… خطتي أن أكون بجانبها كممرضة. إن وافقت… سأرافقها.تردد لاي للحظة، ثم قال وهو يبتعد: – أنا لا أثق بك.وقبل أن يبتعد كثيرًا، أوقفته سارة، ومدت له ورقة: – هذا رقمي… إن غيرت رأيك.عاد لاي إلى ليلى، وأخبرها بكل ما حدث. تنهدت ليلى وقالت بثقة: – قلت لك، جاي سيجدني… وها هو فعل. توم لا نعرفه، لكن جاي يعرفه. اتصل بسارة… إن كنت تثق بي، وافق. وأنا أعلم أنك طيب، تريد مصلحتي.قال لاي ببطء: – لماذا تثقين بجاي؟نظرت إليه ليلى بعينين مليئتين باليقين: – لأنه أكثر شخص أراد مساعدتي. لم يكن ملاكًا، لكنه في هذه القصة لم يكن الشيطان. هو يحاول... بطريقته. وأنا لا أقول أنني في صفه، لكنني أثق فيه… هذه المرة.وافق لاي، واتصل بسارة. أخذت ليلى الهاتف وقالت: – أنا ليلى… جهزي نفسك للذهاب معي إلى القصر. وأحضري ما سأطلبه لاحقًا… إن كان عمي يريد الشهرة، فلنساعده على ذلك.في الحاضر، داخل الإسعاف، همست سارة إلى ليلى: – جاي مع الأطفال. متى