LOGINحاولت تاليا أن تنام، لكن النوم كان آخر شيء يفكر في الاقتراب من عينيها.
تقلبت تحت الغطاء أكثر من مرة، وسحبت الوسادة أسفل رأسها، ثم دفنت وجهها فيها محاولة أن تخنق أفكارها، لكن الغرفة الجديدة ظلت تفرض نفسها عليها بكل تفاصيلها الغريبة.
رائحة المكان لم تكن رائحتها.
السرير لم يكن سريرها.
حتى صوت الرياح وهي تضرب زجاج النافذة بدا مختلفًا.
كان كل شيء مرتبًا بصورة مثالية، هادئًا بصورة جعلت الصمت نفسه يبدو ثقيلًا، وكأن الجدران لا تزال تراقبها، تنتظر منها أن تعترف بأنها غريبة عن هذا المكان.
فتحت عينيها.
حدقت في السقف للحظات، ثم زفرت بضيق ونهضت من فراشها.
لم تعرف ماذا تريد أن تفعل، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...
أنها لا تستطيع البقاء هنا.
اقتربت من حقائبها الموضوعة بجوار الخزانة، وبدأت تقلب محتوياتها بلا هدف؛ فستان هنا، قميص هناك، ثم بعض الكتب التي ألقتها في حقيبتها على عجل.
إلى أن توقفت يدها.
تسللت أصابعها إلى قاع إحدى الحقائب، وتحسست شيئًا صلبًا أخفته بعناية بين طبقات الملابس.
سحبت الحقيبة الصغيرة.
جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى طرف السرير، ثم فتحتها بحذر.
أخرجت إطارًا صغيرًا كانت قد لفّته بقطعة قماش حتى لا يتعرض للخدش.
ما إن رأته حتى تغير وجهها.
كانت صورة قديمة.
هي، ووالدها، وأختها غير الشقيقة، جوري.
ثلاثتهم يقفون أمام البحر في يوم صيفي مشمس، وكانت تاليا يومها تضحك بعفوية لم تعد تتذكر آخر مرة ضحكت بها بالطريقة نفسها.
كانت تلك الصورة من آخر عطلة قضتها مع والدها.
قبل ثلاث سنوات.
سافرت إليه وقتها لقضاء العطلة الصيفية معه، ومع زوجته، ومع جوري الصغيرة التي كانت تتشبث بذراعها طوال الرحلة وكأنها تخشى أن تتركها وتعود وحدها.
تذكرت صوت ضحكاتها.
رائحة البحر.
يد والدها وهي تربت على رأسها.
والطريقة التي كانت جوري تناديها بها كلما أرادت منها شيئًا.
ابتسمت تاليا رغماً عنها.
ابتسامة صغيرة سرعان ما انكسرت.
فبعد تلك العطلة، انقطع كل شيء.
منعتها والدتها من الذهاب إليه.
ولم يخبرها أحد بالسبب الحقيقي.
كلما سألت، تلقت إجابات ناقصة، ونظرات تهرب من عينيها، وصمتًا جعل الأمر يبدو وكأن هناك شيئًا لا يريد أحد إخبارها به.
ثم مر أسبوع.
ثم شهر.
ثم عام.
ثم ثلاثة أعوام كاملة.
لم تر والدها.
لم تسمع صوته.
ولم تعرف حتى إن كان لا يزال يريد رؤيتها أم أن الجميع قرروا ببساطة أن يخرجوه من حياتها.
مررت إصبعها على وجهه في الصورة.
_"اشتقت لك..."
خرجت الكلمة ضعيفة، مكسورة.
شعرت بحرارة الدموع تتجمع في عينيها، فأغلقت الإطار بسرعة وكأنها تخشى أن يراها أحد في لحظة ضعفها.
لكن الغرفة ضاقت فجأة.
لم تعد جدرانها واسعة كما بدت قبل قليل.
بل بدت أقرب.
أثقل.
فنهضت.
وضعت الصورة داخل حقيبتها، ثم خرجت من الغرفة دون أن تفكر إلى أين ستذهب.
كانت أروقة القصر في هذا الوقت مختلفة تمامًا.
خالية تقريبًا.
الإضاءة الخافتة الممتدة على الجدران لم تترك سوى دوائر صغيرة من الضوء فوق الأرضية، بينما ابتلع الظلام بقية الممرات.
سارت تاليا بلا هدف.
لم تكن تعرف أين تتجه.
كانت فقط بحاجة إلى الابتعاد عن غرفتها.
ابتعدت أكثر، حتى وصلت إلى مساحة واسعة تطل على الحديقة الداخلية.
توقفت هناك.
وضعت كفيها على الدرابزين، وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم جاءها صوت من خلفها.
_"اصعدي إلى غرفتكِ يا صغيرة."
انتفضت والتفتت بسرعة.
كان كيفن.
واقفًا في منتصف الممر، بملابس منزلية بسيطة، وشعره الطويل مبعثر قليلًا، وقد عقد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر إليها بنظرة لم تستطع تحديد إن كانت سخرية أم استفزازًا متعمدًا.
قطبت تاليا حاجبيها.
_"من؟"
ابتسم ابتسامة باردة.
_"اللعنة التي دخلت هذا المنزل اليوم، وستُطرد منه أنتِ وأمكِ عما قريب."
اتسعت عيناها.
احتاجت إلى لحظة كاملة حتى تستوعب وقاحته.
ثم قالت:
_"ماذا تقول أيها الغبي؟"
اقترب منها خطوة.
_"سمعتِني جيدًا."
_"ابتعد عني."
ضحك بسخرية.
_"إذن ابقي."
ثم ألقى نظرة سريعة نحو الطابق العلوي، قبل أن يعيد عينيه إليها.
_"واستمعي إلى تأوهات العاهرة في الأعلى."
لم تفكر تاليا.
لم تمنحه حتى ثانية واحدة ليرى الغضب يتصاعد في عينيها.
امتدت يدها إلى أقرب طاولة، والتقطت أول كأس وقعت عليه أصابعها، ثم دفعته نحوه بكل قوتها.
اصطدم الكأس بجبهته، وتناثر منه ما تبقى داخله على ملابسه.
ساد الصمت.
تجمدت تاليا في مكانها.
أما كيفن، فظل ثابتًا لثوانٍ، وكأنه لم يستوعب ما حدث.
ثم رفع يده ببطء إلى جبهته.
نظر إلى أطراف أصابعه الملطخة بخط من الدماء
ثم رفع عينيه إليها.
لم تعد هناك ابتسامة على وجهه.
قال بصوت منخفض:
_"أنتِ... عاهرة كـ أمك؟"
رفعت تاليا ذقنها رغم أن قلبها كان يضرب بعنف داخل صدرها.
_"وأنا آسفة جدًا أن الكأس لم يكن أكبر."
ساد صمت ثقيل بينهما.
حدق كيفن فيها طويلًا.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة، غريبة، خالية تمامًا من المرح.
مسح الدم الذي بدأ يظهر عند طرف جبهته، وقال:
_"أعتقد أن وجودكِ هنا سيكون أكثر إثارة مما توقعت."
ثم تجاوزها وغادر.
أما تاليا، فبقيت مكانها تحدق في ظهره، قبل أن تتمتم بانزعاج:
_"مختل".
❈-❈-❈
بعد انتهاء الغداء، لم يتفرقوا كما توقعت تاليا.اقترح فاروق أن يتناولوا الشاي في الصالة المطلة على الحديقة، فانتقل الجميع إليها على مهل، وتوزعوا فوق الأرائك الوثيرة في جلسة عائلية أكثر راحة من مائدة الطعام الرسمية.كانت الصالة في ذلك الوقت من النهار تبدو مختلفة تمامًا.الشمس أخذت تميل تدريجيًا نحو الغرب، وأشعتها الذهبية عبرت الواجهات الزجاجية الكبيرة لتنسكب فوق الأرضية اللامعة، فتنعكس على أطراف الأثاث وعلى الأكواب الزجاجية الموضوعة فوق الطاولة. وكانت الحديقة خلف الزجاج ساكنة إلا من حركة خفيفة لأغصان الأشجار التي تداعبها نسمة باردة.جلست والدة تاليا إلى جوار فاروق، وانشغلا في الحديث عن بعض تفاصيل المنزل والزوار الذين سيأتون خلال الأيام المقبلة، بينما جلست تاليا في الطرف الآخر من الأريكة المقابلة، تحمل كوب الشاي بين يديها وتراقب الجميع دون أن تشارك كثيرًا.أما كيفن وسمر...فقد بدا واضحًا منذ الدقائق الأولى أن وجودهما معًا لا يحتاج إلى أي مجهود.لم يجلس كيفن بعيدًا عنها كما يجلس شخصان يحاولان الحفاظ على مسافة رسمية أمام العائلة.بل ما إن استقرا حتى اقتربت سمر منه بصورة عفوية، وكأن المسافة
شعر كيفن بشيء يشبه القلق يتسلل إلى صدره، لكنه لم يسمح له بالظهور على وجهه.ظل واقفًا في مكانه، محافظًا على ملامحه الهادئة، وإن كانت عيناه قد أصبحتا أكثر حذرًا من قبل. كان يعرف أن كلمة واحدة إضافية من تاليا قد تقلب الموقف كله إلى شيء لا يستطيع السيطرة عليه، لذلك ظل يراقبها بصمت، منتظرًا أن يتضح ما الذي تقصده تحديدًا.أما تاليا، فلم تفهم سبب ذلك الصمت المفاجئ.لم يخطر ببالها أن جملتها البسيطة قد أحدثت كل هذا الارتباك.بل ظنت أنها قالت شيئًا طبيعيًا تمامًا.قالت وهي تبتسم لليان:— أعني، لقد بدا واضحًا أن بينكما علاقة في ذلك اليوم.اتسعت عينا كيفن أكثر.وفي الجهة الأخرى، تقدمت سمر خطوة صغيرة، وقد انعقد حاجباها في حيرة واضحة.— عفوًا؟التفتت تاليا إليها.— ماذا؟قالت سمر ببطء، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنها سمعت الكلمات بصورة صحيحة:— ما الذي تقصدينه بأن بينهما علاقة؟نظرت تاليا إليها باستغراب حقيقي، ثم انتقلت عيناها بين سمر وليان.لم تفهم سبب هذه الصدمة.— أليس كذلك؟كان السؤال موجهًا إلى سمر هذه المرة.ابتلعت سمر ريقها، وبقيت تحدق فيها دون أن تعرف ماذا تقول.أما ليان، فبدأت تنظر بين الاثن
لم تكن تاليا قد اعتادت بعد على فكرة أن هذا المنزل أصبح جزءًا من حياتها.حتى الجدران، رغم جمالها، كانت لا تزال تبدو لها كأنها تنتمي إلى حياة امرأة أخرى؛ امرأة أكثر ثراءً، وأكثر ألفةً مع هذا النوع من الرفاهية، تعرف أي باب يقود إلى أي غرفة، وأي درج يخفي خلفه ماذا، وأي وجه من الوجوه التي تمر في الممرات يستحق ابتسامة وأيها لا يستحق حتى الالتفات.ومع ذلك، في ذلك الصباح تحديدًا، قررت تاليا أن تتوقف عن التصرف وكأنها ضيفة مؤقتة.كانت واقفة أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، بينما تناثرت فوق السرير عدة قطع من الملابس التي أخرجتها من خزانتها دون أن تعرف في البداية أيًّا منها ستختار.ثم استقرت عيناها على فستان ناعم بلون أزرق فاتح، يصل إلى ما أسفل ركبتيها بقليل، ينسدل على جسدها بانسيابية هادئة دون أن يكون ضيقًا أو مبالغًا في إظهار تفاصيله.كان تصميمه بسيطًا، لكن بساطته زادت من أناقته.فتحة عنقه مستديرة، وأكمامه قصيرة تنتهي عند أعلى ذراعيها، بينما حزام رفيع يلتف حول خصرها ليحدد تناسق جسدها دون ابتذال. كانت ساقاها متناسقتين مع طولها المتوسط، وجسدها يحمل امتلاءً أنثويًا رقيقًا لا يخلو من الرشاقة، كما بدا
كانت تاليا تجلس إلى جوار والدتها في المطبخ، وقد بدا المكان مختلفًا تمامًا عن أي مطبخ عرفته في حياتها.لم يكن مجرد غرفة لإعداد الطعام، بل مساحة واسعة أقرب إلى مطبخ فندق فاخر؛ خزائن طويلة بلون عاجي تمتد على الجدران، وأسطح رخامية ناصعة لا تكاد تحمل بقعة واحدة، وأجهزة حديثة موزعة في أماكنها بعناية شديدة، حتى إن كل شيء بدا وكأنه وُضع وفق مخطط دقيق لا يسمح لشيء بأن يخرج عن موضعه.كانت عدة خادمات يتحركن في المكان بهدوء.إحداهن تقطع بعض الخضروات فوق لوح خشبي، وأخرى تقف أمام الموقد تراقب قدرًا يغلي على نار هادئة، بينما كانت ثالثة ترتب الأطباق التي ستُنقل إلى غرفة الطعام لاحقًا.أما والدتها، فكانت تقف بالقرب من منتصف المطبخ، تتابع كل شيء بعين دقيقة.لم تكن بحاجة إلى رفع صوتها، ولم تكن مضطرة إلى تكرار أوامرها.كانت تكتفي بإشارة صغيرة من يدها أو ملاحظة هادئة، فتفهم الخادمة ما تريده فورًا.قالت وهي تشير إلى مجموعة من الأطباق التي كانت إحدى الخادمات تحملها:_"لا تضعي هذه الأطباق في الخزانة الرئيسية، بل رتبيها في الخزانة الجانبية؛ فالسيد فاروق يفضل أن تكون أدوات الإفطار قريبة من غرفة الطعام."ثم الت
في صباح اليوم التالي، غادرت تاليا فراشها وهي تشعر وكأنها لم تنم أصلًا.لم تحظَ سوى بساعات قليلة من النوم المتقطع؛ استيقظت أكثر من مرة خلال الليل دون سبب واضح، وفي كل مرة كانت تحدق في سقف الغرفة الغريب للحظات قبل أن تتذكر أين هي.في بيت جديد.غرفة جديدة.حياة جديدة لم تطلبها.والأسوأ من ذلك كله...جارها الجديد في هذا المنزل.كيفن.ذلك الأحمق الذي استطاع خلال ساعات قليلة أن يستفزها إلى الدرجة التي جعلتها تحطم كأسًا فوق رأسه.رفعت يدها إلى وجهها، ومسحت عينيها المتعبتين، ثم جلست على طرف السرير.كانت خصلات شعرها البندقي قد تناثرت حول وجهها أثناء النوم، وبعضها التصق بخدها، بينما بدت ملامحها شاحبة قليلًا من الإرهاق.تثاءبت، ثم نهضت بتثاقل.لم تكن لديها طاقة للبحث عن ملابس أنيقة، لذلك ارتدت سروالًا بيتيًا داكنًا واسعًا، وكنزة من القماش نفسه بلون قريب، فضفاضة بما يكفي لتجعلها تشعر بالراحة.جمعت شعرها على عجل، ثم تركته ينسدل من جديد حين لم يعجبها شكله، فاكتفت بأن أبعدت بعض الخصلات عن وجهها بأصابعها.نظرت إلى نفسها في المرآة._"ممتاز... أبدو كمن خاض حربًا."ثم تذكرت أنها خاضت حربًا بالفعل.مع ك
حاولت تاليا أن تنام، لكن النوم كان آخر شيء يفكر في الاقتراب من عينيها.تقلبت تحت الغطاء أكثر من مرة، وسحبت الوسادة أسفل رأسها، ثم دفنت وجهها فيها محاولة أن تخنق أفكارها، لكن الغرفة الجديدة ظلت تفرض نفسها عليها بكل تفاصيلها الغريبة.رائحة المكان لم تكن رائحتها.السرير لم يكن سريرها.حتى صوت الرياح وهي تضرب زجاج النافذة بدا مختلفًا.كان كل شيء مرتبًا بصورة مثالية، هادئًا بصورة جعلت الصمت نفسه يبدو ثقيلًا، وكأن الجدران لا تزال تراقبها، تنتظر منها أن تعترف بأنها غريبة عن هذا المكان.فتحت عينيها.حدقت في السقف للحظات، ثم زفرت بضيق ونهضت من فراشها.لم تعرف ماذا تريد أن تفعل، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...أنها لا تستطيع البقاء هنا.اقتربت من حقائبها الموضوعة بجوار الخزانة، وبدأت تقلب محتوياتها بلا هدف؛ فستان هنا، قميص هناك، ثم بعض الكتب التي ألقتها في حقيبتها على عجل.إلى أن توقفت يدها.تسللت أصابعها إلى قاع إحدى الحقائب، وتحسست شيئًا صلبًا أخفته بعناية بين طبقات الملابس.سحبت الحقيبة الصغيرة.جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى طرف السرير، ثم فتحتها بحذر.أخرجت إطارًا صغيرًا كانت قد لفّته بق







