Share

احتفظ الهاتف بوسيم المحذوف من عقله .

last update publish date: 2026-10-17 08:10:13

سحبت إحدى يديها من المقود لتعيد شعرها البني الى مكانه خلف اذنها، الأشعة المنبعثة من الواجهة الأمامية للسيارة تضرب على بياض وجهها، فتعترف الشمس أن بشرتها أنصع من لون الحليب و أملس من لُزُوجَتِه.

تابعت قيادة سيارتها نحو عتبة عيادتها الخاصة.

فور وصولها، دلفت إلى مكتبها ولتفصل نفسها عن العالم الخارجي أطبقت الباب و تفرغت لنصف الساعة التي تفصلها عن موعد بدء معاينة زبائنها.

سحبت كرسيها وجلست خلف مكتبها، وسرعان ما ضغطت بأصابعها على وسط جبينها تحاول تهدئة تشنج خفيف شعرت به . زفرت وبدأت تعاتب نفسها بذهول كطفلة صغيرة ارتكبت فعلاً حظرت عليها أمها القيام به، وهمست بندم:

— "ماذا حدث لكِ؟ ما هذا الجنون؟ أيعقل أن أصبح هكذا فجأة؟ كيف حدث ذلك؟ ولماذا سمحتُ له بالحدوث أصلاً؟"

اكملت في لحظة إدراك:

— "كان من الممكن أن أشتت انتباهه بتشغيل لعبة الموسيقى التي تفحصها و ألقاها بالقرب مني على المكتب قبل أن يقترب .. بل حتى قبلة الأمس.. لم يكن لها أي داعٍ، كان من السهل جداً استدعاء الأمن المخصص أمام غرفته ! ماذا حصل لسرعة بديهتي؟ أين ذهبت عبقريتي ؟"

أرخت روان يديها، وقادت عقلها نحو التحليل كرة أخرى، لتسأل نفسها :

— "ولكن.. لماذا لا أشعر بالاشمئزاز من سلوكه ومن اقترابه؟"

استحضرت في ذاكرتها مرضى مروا على عيادتها، تذكرت ذلك المصاب باضطراب ثنائي القطب، الذي كان يدخل في نوبات انفعال وبكاء يشبه بكاء الأطفال الصغار. كان رجلاً وسيماً ومقبول المُحيا، ومع ذلك، تذكرت كيف كانت تجاهد نفسها لئلا يبدو عليها أي امتعاض من حركاته الطفولية، وكيف كانت تتدرب على تذكير نفسها بين الأحيان، بأنها طبيبة ويجب أن تتقبل و تتحمل، لماذا لم يحدث هذا مع وسيم ؟

سندت ظهرها إلى المقعد، وسألت نفسها :

— "هل لأن وسيم جذاب بشكل آخر؟ ماذا أقصد بشكل آخر؟ ومتى أصبحتُ أصلاً أهتم للمظاهر والملامح؟ ولماذا أشعر بهذا الكم من االمسؤولية اتجاهه؟"

حاول عقلها العقلاني التدخل لإنقاذها، فهمست لنفسها كأنما تقنع أحد مرضاها :

— "هذا كله يحدث فقط لأنه حالة نادرة ومعقدة علمياً.. نعم، هذا هو السبب الوحيد. ولكن لماذا كل هذه الدراما؟ هل يحتاج الأمر لأن أفكر فيه إلى هذا الحد؟ ما دمتُ لم أقصد أياً مما حدث، ولم تكن لي يد في تلك الاستجابة العفوية، فهذا لا يستحق أن أدخل نفسي في قلق كهذا. حسناً.. حسناً، سأركز أكثر من الآن فصاعداً، وسأتوخى الحذر الشديد لعدم تكرار ما حدث."

مسحت روان وجهها بكفيها، و سحبت نفساً طويلاً من أحشائها علها تهدأ. نظرت إلى الساعة الجلدية البيضاء على يدها، رفعت سماعة الهاتف الأرضي الذي بدت عليه مسحة من الغبار التي ازعجتها فور انتباهها لها، تجاوزت ذلك سريعا ثم كبست على الزر، وضعت السماعة على أذنها فقالت:

— "سناء، هل وصلت طلبية وجبة الغداء؟"

أتاها صوت السكرتيرة عبر الخط:

— "نعم دكتورة روان، هي جاهزة. ما هي إلا ثوانٍ حتى انفتح الباب ودخلت سناء وهي تحمل علبة وجبة الغداء . انحنت لتضعها فوق الطاولة الجانبية، و قبل أن تستقيم بدأت تقول :

— "دكتورة روان.. في الخارج سيد شاب يلحّ على رؤيتكِ الآن. إنه لم يأخذ موعداً مسبقاً، ويرفض المغادرة. "

لم تصدر روان أي ردة فعل، سألت بجمود:

— "إن لم تبد عليه أثار تستدعي فحصاً طارئ، فأخبريه بأن يحجز موعدا للغد"

تابعت سناء لتشرح:

— " ليس مريضًا ، طلب مني أن أخبركِ بأنه قادم من طرف الدكتور خالد من مصحة 'العافية'.. و بأن الموضوع يتعلق بالمهندس وسيم الذي تعرض لإصابة في رأسه أثناء العمل."

انعقد حاجبيها الأشقران المرسومان ثم نطقت في سرها بتساؤل : مصحة العافية؟ أكيد، فخالد لا يفوت انتهاز الفرص.

لم تكن تثق بنوايا هذا الرجل يوماً، هو الذي شك في أعراض وسيم أولاً كحالة نادرة، تعتقد الآن أنه أدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه بالتخلي عن حالة تعد كنزا في هذا الميدان . نعم، هي ناقشت ملخص الخطة مع بقية الطاقم، لكن المصحة تحفظ حقها كـمشرفة أولى. أما خالد، فانه يعمل في مصحة منافسة، إذن هو الان في نظرها يطمع في التجسس على ما ان كانت بدأت بحثا حول الحالة .

شَخَصَتْ بداياتهما في دماغها، فتذكرت حين كانا يتدربان في نفس المستشفى العمومي كزميلي عمل و صديقي تعاون متبادل . آنذاك، كانت روان في أمسّ الحاجة إلى شقة لاتبعد كثيرا عن موقع العمل، فتاة نشأت في ميتم، في مقتبل العمر تخوض تجربة استقلالها الأولى، ومغتربة في مدينة بعيدة لأول مرة وحيدة بلا أهل ولا أقارب ولا حتى أصدقاء او معارف . خالد كان يدرك حجم حاجتها لهذا القرب من العمل كموظفة مبتدئة. في البداية، جلب لها إعلان الشقة بنفسه، و تركها تتوهم أن أزمة سكنها قد حُلت. لكنه بمجرد أن أعاد التفكير في الأمر، غيّر رأيه، فتوجه لمالك العقار ورفع قيمة الإيجار ليحصل على البيت لنفسه.

واليوم، تعتقد روان أن المشهد يتكرر بذات الأنانية، فالرجل الذي تراجع سابقاً عن وعوده بمجرد أن أعاد التفكير في مصلحته، ظهر مجددا لأنه أدرك متأخرا قيمة ما فرط فيه .

انتهت من تخمينها في السر و أخرجت على المسموع باقي ما أرادت أن تسمعه سناء:

— "تفحصي جيداً قاعة الانتظار، إن بدت الأجواء هادئة فادخليه."

هزت الموظفة رأسها بهدوء وأجابت بنبرة مطمئنة:

— "الوضع مستقر وجميع المنتظرين هادئين."

نهضت لتحجب طلبيتها خلف المكتب وهي تردد بنفس نبرتها الاولى:

— "حسناً .. أدخليه".

انغلق الباب، فاعتدلت في كرسيها، بقيت تنظر نحو المدخل، ثبتت عينيها على المقبض الذي بدأ يتحرك بعد طرقتين متتالتين يبدو من خفتهما انهما كانتا بأطراف أصابعه..

ليلج إلى الغرفة شاب أنيق، يحيط بشكله هالة من الجاذبية، ألقى التحية بأدب جم، فبادلتها إياه مشيرة بسبابتها نحو المقعد المقابل لمكتبها في إشارة للجلوس.

اعتدل صفوان في مكانه، بينما كانت روان تغرق في حوار بينها و بين نفسها وهي تتأمله: "أهذا موسم الوسامة ؟ من أين يأتي هؤلاء الرجال هذه الأيام؟"، لكنها سرعان ما نفضت تلك الفكرة العابرة : " انتبهي لعملك!".

كانت تخوض حوارين متوازيين في آن واحد، واحدًا على أرض الواقع، والآخر على مسرح عقلها.

صفوان: "دكتورة روان، أنا صديق مقرب جداً من وسيم.. في الواقع، يمكنكِ أن تعتبريني بمثابة أخيه ".

ثم أردف مبررًا زيارته التي أصر أن تحدث اليوم : "أنا صديق كذلك للطبيب خالد.. أعلمني أنك المشرفة على حالة وسيم في المصحة الجديدة، لكنني لم أكن على علم بتوقيت انتهاء مناوبتك هناك. أما بالنسبة لحجز موعد كما قالت فتاة الاستقبال، فغدا لا أملك وقتا فارغا بسبب ظروف العمل .

تستمع لمبرراته المملة بريبة حاولت اخفائها بقناع وجهها المصغي، خصوصا وان أجراس الانذار اشتغلت في دماغها حالما نطق اسم خالد .

ـ"مرحباً بك في أي وقت" نطقت هذه الجملة باردة... ثم أكملت بجمود دون التطرق إلى ما يود صفوان سماعه : "أعمل في المصحة الأيام الأولى من الأسبوع، يبدأ التوقيت من الصباح إلى منتصف النهار، ويومي الخميس والجمعة أكون هناك في مناوبة مسائية تنتهي عند الساعة العاشرة ليلا".

شعر صفوان بضيق من كلامها الذي بدا له كطرد غير مباشر، استجمع ريقه وبلعه مستعداً ليجيب بتصَبُّر: "دكتورة، وسيم لا يملك أخاً آخر أو شخصاً يتابع مجرى علاجه بوعي فكري، والداه غير متعلمين وربما يعتقدان أن هذا آخر الحلول، وله أخت مراهقة واحدة فقط. فلتعلمي أنني لو كنتُ الآن مكان وسيم، لكان هو من يجلس أمامكِ مكاني كما أفعل. أرجو منكِ فقط أن تكوني صادقة معي، لقد مرت 4 أشهر على رقوده، إن كان لا يستجيب وإن كانت حالته ميؤوساً منها، يمكنني أن أُدبّر له علاجاً خارج البلاد بالتنسيق مع الشركة التي نعمل فيها"... أتمَّ كلامه وهو يتفحص تعابير وجهها، عساه يلتقط دلالة تُخفيها عن سوء حالة صديقه، لكنه نسي أنه يجلس أمام طبيبة نفسية تملك ثباتاً انفعالياً يُمكِّنها من أن تجيب بمحيا مسترخٍ لا يمكنه الجزم في فهمه.

كتمت غيظها من كلامه الذي اعتبرته تنقيصا من قدراتها، فأجابت بثباتها المستقر: "يمكنك أن تسأل عن هذه الأمور في المصحة التي يرقد فيها"، ثم أتمت بأدب بروتوكولي: "أتفهم قلقك على صديقك، أتمنى له الشفاء العاجل".

أتى هذا البروتوكول كسكب الماء على حريق بدأ للتو في الاشتعال، كاد صفوان أن ينصرف منزعجاً بعد محاولة طرده الثانية لولا ما ألحقته بتعابير لطيفة. أمال بجذعه قليلاً، ووضع يده في جيب سرواله الأسود فأخرج هاتفه، أمسكه بيمناه و بدأ يمرر سبابة يسراه على الشاشة قائلاً: "أعتقد أنكِ لن تمانعي أن تري مريضكِ قبل الحادثة". مدَّ يده نحوها محاولاً أن يُقرّب منها الشاشة، حيث ظهر شخص يمسك الهاتف ويصور وسيم وصفوان وشخصين آخرين في مقطع فيديو داخل إحدى الشقق التي بدت من صالونها أنها عصرية، وبحضور زجاجات الكولا وحلوى الكريمة، إذن كانوا يحتفلون بشيء ما. يبدأ المقطع في لقطة اتجه فيها شخص يحمل آلة عود صوب وسيم، يهتف بصوت حماسي ومرتفع: "أطربنا يا عازف العود!". ارتسمت ابتسامة جذابة على وجه وسيم ثم علت تشجيعات الشباب، أمسك العود واعتدل، مسح على شعره بحركة رجولية جذابة وبدأ يتكلم: "المهم، بعد العزف سأتقاضى أجري، أليس كذلك؟".

أشاحت بنظرها صوب صفوان بنفس الاستقرار، ثم نظرت إلى ساعتها لثوانٍ، ما جعله يعيد يده إليه، قبل أن تقول:

"أتمنى له الشفاء سيدي. أتمنى أن تزورنا في المصحة كما أخبرتك، أوقات العمل في بداية الأسبوع تكون في الصباح، والايام الباقية أكون في مناوبة مسائية. تنتظرني معاينة مرضاي، أرجو أن تتفهم".

مسح صفوان بيديه على فخذيه ثم استقام، ألقى التحية وغادر بوجه محمر كأنما صُفِع على الخدين.

فور مغادرة صفوان، تمتمت بغيظ: "يا خالد، يا ثعلب، لن تتغير ما حييت!".

فتحت درج المكتب، أخرجت مذكرة وكتبت على إحدى صفحاتها: (المريض وسيم / عزف العود)، ثم أعادتها إلى مكانها، ورفعت سماعة هاتفها الأرضي لتبدأ عملها، مستأنفةً وجبة الغداء إلى وقت آخر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   صفير طبيبة .

    تسمّرت يد مروان فوق أوتار العود على إثر شهقة روان، تلك الشهقة التي خرجت من أعمق نقطة في جوفها ما إن استوعبت هوية الواقف هناك. بقي مروان جالساً يرمقها بذهول، لكنها لم تعد معه.. لقد طارت من مكانها كطائر مذعور، تقطع الطريق ركضاً ويتسابق معها نبض قلبها، وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنها، وتحكم حقيبتها فوق كتفها متجهة نحوهم.وسيم الذي قضى ثمانية أشهر في المصحة ولم يمر على خروجه سوى عشرين يوماً، كان واقفاً هناك على الرصيف المقابل بأناقة تأسر الناظرين، يرتدي سترة خريفية بلون أخضر زيتي مع بنطال رجالي بيج. كان يستند إلى سيارة سوداء مصفوفة على جانب الطريق، وتحيط به شقيقته رانيا وصديقه صفوان من الجانبين. من بعيد، يبدو هادئاً، يقف وكأنه ينصت لسكينة روحه. نسيت روان نفسها لثوانٍ، وكادت أن تتيه في خيالها الذي يتربص بها كلما رأت هذه الكتلة من الوسامة التي تبعثرها منذ أول مرة رأته فيها " آآه وجهك .. ساحة مجزرة، لستُ أول قتلاه ولن أكون الضحية الأخيرة. آه يا وسيم.. كم هي مميتة هذه الوسامة التي تنضح بها ملامحك!تمنيتُ لو كان "جيكل" حقيقة، لا لأستعير منه وجه "هايد" المشوه، بل لأسرقَ مصل الاختفاء.. أود لو أسك

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   تريد تعلم عزف العود و لكنها لم تتخيل أن تراه في الحديقة

    كأنما المكلف بملف حياتي يكن لي عداوة، يكرهني لا لسبب، يكرهني لأترعرع في ميتم، يكرهني لأعيش وحيدة منذ أن رأت عيني النور أول مرة، يكرهني لألتقي شاباً مريضاً أُعذّب بحبه؟ثم قالت تُفيقُ نفسها: "هل عدت إلى جنونك مرة أخرى؟ ما أعظمك يا روان، استمررت في التعقل لنهار كامل، هذا إنجاز عظيم يستحق أن تحتفلي بجنونك مرة أخرى."استندت برأسها إلى الخلف، و شخصت تفصايل مشهد الصباح الذي جرى اليوم في ساحة المصحة. عندما كانت واقفة في الحديقة، تستنشق بعض الهواء و تشرب قهوتها، وقعت عيناها على ممرضة ترافق زائرتين من بعيد. لم تكن بحاجة لمن يعرّفها عليهن، لقد حفظت ملامحهما من الصور المخزنة في هاتف وسيم . كانت الأخت الصغرى لوسيم، بضفائرها البسيطة، تلتصق بذراع الفتاة الأخرى حبيبة وسيم العشرينية، كانت تبدو كطالبة جامعية رقيقة. كانتا تقفان مع الممرضة على بعد أمتار، تنظران إلى وسيم الجالس على أحد الكراسي و الذي كان منشغلا بكرته المطاطية . غضب الحب و حمل أكثر أسلحته فتكاً ليمزق قلبها وماذا سيكون هذا السلاح سوى نار الغيرة، قالت روان في نفسها" عاطفة لم يكسرها المرض، متشبثة، وفية، ترفض التخلي عنه رغم أن عقله مشوه

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   هوى الوديان

    "كان يجب أن أتخذ هذا القرار قبل الآن. بحضور الطبيب سامي، لن أقع في نفس الخطأ . أصبحتُ أشمئز من نفسي، عساني لا أعاني من مرض نفسي! يجب أن أُشخص حالتي أولاً ثم أعالج الناس بعدها. ومن يعلم قد أكون أعاني من مرض دارج لم يكتشفه أحد؟ أُستثار على يد مريض، أستمتع، ثم أعود للتذمر والندم. أستغل إنساناً مريضاً، لن يرضى بما يحدث لو كان في وعيه.. كيف وصلتُ إلى هذا الانحطاط؟ متى فقدتُ أخلاقي؟ ضحكتْ باستهزاء ثم أكملت عتابها لنفسها : "هه.. ثم ماذا؟ ثم أذهب إلى بيته لأرى أغراضه وأدعي أن هذا حب؟ كفي عن هذا الهراء! كيف ستسامحين نفسكِ الآن؟ كنتِ على وشك الوقوع في مشكلة كبيرة لو اكتشف أحد أمركِ، أو شهد أحد ما يحدث في تلك الجلسات.. هل كانت رجلكِ ستطأ هذه المصحة بعد؟ هل كانت عيادتكِ ستبقى مفتوحة، وهل كانت شهاداتكِ وأبحاثكِ ستملك أي قيمة؟". دلفَتْ إلى ردهة المصحة وهي تبدو في حال أحسن من ما يحدث داخل عقلها الان، اتجهت نحو مكتب الاستقبال. اجبرت ابتسامة رَحِبة على أن تفترش وجهها وقالت: هدى، مساء الخير. هل التحق الطبيب سامي؟ أجابت هدى بابتسامة : مساء الخير دكتورة روان. نعم، لقد وصل وسأل عنكِ هو الآخر.

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   ركضنا وراء التخصص و نسينا أنفسنا

    مدّت أصابعها الرشيقة، وسحبت العصير نحوها لتفصل أنبوب الرشف البلاستيكي عن ظهر العلبة . أخذت رشفة أولى بدلالٍ مرَّ أمام عيني خالد، الذي شاح بنظره عنها يهرب من الرِّقة وقال : "كان عندي الكثير لأقوله.. كنت أحتاج أن أفرغ بعضا من هذا الألم، ولكنني الآن لا أملك ما يقال. أفكر من أين أبدأ، فلا أجد".ثم ابتسم بمرارة وأردف: "أعلم أنه لا دخل لكِ ولا يعنيكِ الأمر ، لكنكِ أول من خطر ببالي ، لا أريد أن أبدو جبانا اكثر امام عائلتي ومعارفي.. لقد شاهدوا ما يكفي من دماري ".فهمتْ ما يمر به ليس فقط لأنها طبيبة نفسية لكن لأن عِشرة سنوات لازال منها شيئ من الود. تشوهت علاقتهما بسبب تصرفات خالد الغبية، لكنهما تشاركا فترة من حياتهما لا يمكن أن يُمر عليها مرور الكرام، كان لها الاخ في أكثر أيامها وحدة . ردّت عليه وهي تحاول مواساته بكبرياء خففت به مظهر تأثرها بانكساره: "لست جباناً لأنك تتألم..." ثم صمتت لبرهة واضطربت نظراتها قبل أن تضيف بحرج : "أساساً.. أنت لست غريباً، خذ راحتك وقل ما شئت".رشف رشفة من عبوته و هزّ رأسه في امتنان و رمى بنظره إلى أبعد نقطة في الحديقة، و وبدأ يتكلم على مهل : "أرأيتِ؟ زواجي ل

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   عزف العود / العود يفهم و يتكلم

    تأملت انعكاسها في زجاج نافذة سيارتها قبل أن تصعد، قادت و انطلقت نحو العنوان الذي أخذته للتو من إدارة المستشفى . جلست روان في صالون الشقة المصمم بطراز عصري، فكان الوقت الذي استغرقته السيدة غرام في إعداد الشاي كافي لأن تلاحظ كل تفاصيل المكان. تقدمت نحوها بجسدها الممتلئ و ببقايا الجمال التي تركها الشباب على محياها و هي تحمل ضيافة زائرتها، وضعت الصينية فوق المائدة ثم اخدت مكانها فقالت بانكسار حيلتها: "هذه الشقة... وسيم هو من اشتراها من ماله، يا دكتورة ابني كان مهندسا يشار إليه بالبنان في كبرى الشركات، لم تتركها الدمعة التي أغلقت حنحرتها لتكمل كلامها فحنت رأسها تطردها بسكب الشاي، احتقن وجه روان هي الأخرى وهي تحاول أن تخبئ بلل عينيها الرماديتين وراء جملتها: "ابنك رجل متميز و سيبقى كذلك، المرض قدر الله ونحن لا نملك رأيا فوق إرادة الله . ستألفين يا خالة ستألفين ." أسرعت قبل أن يطول الكلام بهذا الشكل فسألت : " خالة غرام .. علمت أنه كان يعزف.. هل لدى وسيم عوداً هنا؟ أود استخدامه في جلسته القادمة". و ما كانت تهرب منه روان هو ماحدث، اغرورقت عينا غرام بالدموع وهي تجيب: "العود؟ كان روحه يا

  • إستيقاظ المرأة التي ترقد بداخلي على لمسات مريضي المهندس   لم ترتدي الأقراط هذه المرة! فلماذا اقترب؟

    تحرك المفتاح في قفل الباب، انفرجت العتبة فدلفت إلى الداخل وضربت أنفها رائحة الانتعاش، مركز عبق الياسمين والكلور معاً، جالت بنظرها بدى كل شيء يلمع تحت الإضاءة.. العاملة التي اتفقت معها أتت وأتمت مهمتها على أتم وجه.وضعت أغراضها على منضدة المدخل، و استأنفت الاستحمام لكي لا تسترخي وتغط في النوم فيسلب منها ليلة من عمر بحثها، حتى العشاء لكي تختصر الوقت تناولته قبل ولوجها البيت عند عربة "العم صباح" بائع سندويشات النقانق.حررت جسمها من ملابس العمل فظلت بطقم الكاميسول ذو طبعة الكرز. اتجهت إلى الحمام، دست وجهها تحت الصنبور و شربت ثم غسلت وجهها لكي تطرد النعاس. أعدت لنفسها إبريق قهوة سوداء و دخلت مكتبتها، وضعت الابريق و الكأس ثم اعتلت الكرسي، سحبت كتابين ضخمين ونظرت إلى الابريق الكبير من القهوة ثم قالت تمازح نفسها : "يكفيني هذا الإبريق أنا وأنتما يا إيريك كاندل وثيودور برجر.."فتحت مجلد كاندل الذي علقت ابزر صفحاته في دماغها منذ أن تخصصت مجال الطب النفسي-العصبي بعد نيلها إجازة الطب العام. تحمل قلمها الأصفر و تضع خطا تحت كل ما تريد العودة إليه ثم تلتفت إلى مرجع ثيودور حول الهندسة الحيوية

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status