LOGINتسمّرت يد مروان فوق أوتار العود على إثر شهقة روان، تلك الشهقة التي خرجت من أعمق نقطة في جوفها ما إن استوعبت هوية الواقف هناك. بقي مروان جالساً يرمقها بذهول، لكنها لم تعد معه.. لقد طارت من مكانها كطائر مذعور، تقطع الطريق ركضاً ويتسابق معها نبض قلبها، وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنها، وتحكم حقيبتها فوق كتفها متجهة نحوهم.وسيم الذي قضى ثمانية أشهر في المصحة ولم يمر على خروجه سوى عشرين يوماً، كان واقفاً هناك على الرصيف المقابل بأناقة تأسر الناظرين، يرتدي سترة خريفية بلون أخضر زيتي مع بنطال رجالي بيج. كان يستند إلى سيارة سوداء مصفوفة على جانب الطريق، وتحيط به شقيقته رانيا وصديقه صفوان من الجانبين. من بعيد، يبدو هادئاً، يقف وكأنه ينصت لسكينة روحه. نسيت روان نفسها لثوانٍ، وكادت أن تتيه في خيالها الذي يتربص بها كلما رأت هذه الكتلة من الوسامة التي تبعثرها منذ أول مرة رأته فيها " آآه وجهك .. ساحة مجزرة، لستُ أول قتلاه ولن أكون الضحية الأخيرة. آه يا وسيم.. كم هي مميتة هذه الوسامة التي تنضح بها ملامحك!تمنيتُ لو كان "جيكل" حقيقة، لا لأستعير منه وجه "هايد" المشوه، بل لأسرقَ مصل الاختفاء.. أود لو أسك
كأنما المكلف بملف حياتي يكن لي عداوة، يكرهني لا لسبب، يكرهني لأترعرع في ميتم، يكرهني لأعيش وحيدة منذ أن رأت عيني النور أول مرة، يكرهني لألتقي شاباً مريضاً أُعذّب بحبه؟ثم قالت تُفيقُ نفسها: "هل عدت إلى جنونك مرة أخرى؟ ما أعظمك يا روان، استمررت في التعقل لنهار كامل، هذا إنجاز عظيم يستحق أن تحتفلي بجنونك مرة أخرى."استندت برأسها إلى الخلف، و شخصت تفصايل مشهد الصباح الذي جرى اليوم في ساحة المصحة. عندما كانت واقفة في الحديقة، تستنشق بعض الهواء و تشرب قهوتها، وقعت عيناها على ممرضة ترافق زائرتين من بعيد. لم تكن بحاجة لمن يعرّفها عليهن، لقد حفظت ملامحهما من الصور المخزنة في هاتف وسيم . كانت الأخت الصغرى لوسيم، بضفائرها البسيطة، تلتصق بذراع الفتاة الأخرى حبيبة وسيم العشرينية، كانت تبدو كطالبة جامعية رقيقة. كانتا تقفان مع الممرضة على بعد أمتار، تنظران إلى وسيم الجالس على أحد الكراسي و الذي كان منشغلا بكرته المطاطية . غضب الحب و حمل أكثر أسلحته فتكاً ليمزق قلبها وماذا سيكون هذا السلاح سوى نار الغيرة، قالت روان في نفسها" عاطفة لم يكسرها المرض، متشبثة، وفية، ترفض التخلي عنه رغم أن عقله مشوه
"كان يجب أن أتخذ هذا القرار قبل الآن. بحضور الطبيب سامي، لن أقع في نفس الخطأ . أصبحتُ أشمئز من نفسي، عساني لا أعاني من مرض نفسي! يجب أن أُشخص حالتي أولاً ثم أعالج الناس بعدها. ومن يعلم قد أكون أعاني من مرض دارج لم يكتشفه أحد؟ أُستثار على يد مريض، أستمتع، ثم أعود للتذمر والندم. أستغل إنساناً مريضاً، لن يرضى بما يحدث لو كان في وعيه.. كيف وصلتُ إلى هذا الانحطاط؟ متى فقدتُ أخلاقي؟ ضحكتْ باستهزاء ثم أكملت عتابها لنفسها : "هه.. ثم ماذا؟ ثم أذهب إلى بيته لأرى أغراضه وأدعي أن هذا حب؟ كفي عن هذا الهراء! كيف ستسامحين نفسكِ الآن؟ كنتِ على وشك الوقوع في مشكلة كبيرة لو اكتشف أحد أمركِ، أو شهد أحد ما يحدث في تلك الجلسات.. هل كانت رجلكِ ستطأ هذه المصحة بعد؟ هل كانت عيادتكِ ستبقى مفتوحة، وهل كانت شهاداتكِ وأبحاثكِ ستملك أي قيمة؟". دلفَتْ إلى ردهة المصحة وهي تبدو في حال أحسن من ما يحدث داخل عقلها الان، اتجهت نحو مكتب الاستقبال. اجبرت ابتسامة رَحِبة على أن تفترش وجهها وقالت: هدى، مساء الخير. هل التحق الطبيب سامي؟ أجابت هدى بابتسامة : مساء الخير دكتورة روان. نعم، لقد وصل وسأل عنكِ هو الآخر.
مدّت أصابعها الرشيقة، وسحبت العصير نحوها لتفصل أنبوب الرشف البلاستيكي عن ظهر العلبة . أخذت رشفة أولى بدلالٍ مرَّ أمام عيني خالد، الذي شاح بنظره عنها يهرب من الرِّقة وقال : "كان عندي الكثير لأقوله.. كنت أحتاج أن أفرغ بعضا من هذا الألم، ولكنني الآن لا أملك ما يقال. أفكر من أين أبدأ، فلا أجد".ثم ابتسم بمرارة وأردف: "أعلم أنه لا دخل لكِ ولا يعنيكِ الأمر ، لكنكِ أول من خطر ببالي ، لا أريد أن أبدو جبانا اكثر امام عائلتي ومعارفي.. لقد شاهدوا ما يكفي من دماري ".فهمتْ ما يمر به ليس فقط لأنها طبيبة نفسية لكن لأن عِشرة سنوات لازال منها شيئ من الود. تشوهت علاقتهما بسبب تصرفات خالد الغبية، لكنهما تشاركا فترة من حياتهما لا يمكن أن يُمر عليها مرور الكرام، كان لها الاخ في أكثر أيامها وحدة . ردّت عليه وهي تحاول مواساته بكبرياء خففت به مظهر تأثرها بانكساره: "لست جباناً لأنك تتألم..." ثم صمتت لبرهة واضطربت نظراتها قبل أن تضيف بحرج : "أساساً.. أنت لست غريباً، خذ راحتك وقل ما شئت".رشف رشفة من عبوته و هزّ رأسه في امتنان و رمى بنظره إلى أبعد نقطة في الحديقة، و وبدأ يتكلم على مهل : "أرأيتِ؟ زواجي ل
تأملت انعكاسها في زجاج نافذة سيارتها قبل أن تصعد، قادت و انطلقت نحو العنوان الذي أخذته للتو من إدارة المستشفى . جلست روان في صالون الشقة المصمم بطراز عصري، فكان الوقت الذي استغرقته السيدة غرام في إعداد الشاي كافي لأن تلاحظ كل تفاصيل المكان. تقدمت نحوها بجسدها الممتلئ و ببقايا الجمال التي تركها الشباب على محياها و هي تحمل ضيافة زائرتها، وضعت الصينية فوق المائدة ثم اخدت مكانها فقالت بانكسار حيلتها: "هذه الشقة... وسيم هو من اشتراها من ماله، يا دكتورة ابني كان مهندسا يشار إليه بالبنان في كبرى الشركات، لم تتركها الدمعة التي أغلقت حنحرتها لتكمل كلامها فحنت رأسها تطردها بسكب الشاي، احتقن وجه روان هي الأخرى وهي تحاول أن تخبئ بلل عينيها الرماديتين وراء جملتها: "ابنك رجل متميز و سيبقى كذلك، المرض قدر الله ونحن لا نملك رأيا فوق إرادة الله . ستألفين يا خالة ستألفين ." أسرعت قبل أن يطول الكلام بهذا الشكل فسألت : " خالة غرام .. علمت أنه كان يعزف.. هل لدى وسيم عوداً هنا؟ أود استخدامه في جلسته القادمة". و ما كانت تهرب منه روان هو ماحدث، اغرورقت عينا غرام بالدموع وهي تجيب: "العود؟ كان روحه يا
تحرك المفتاح في قفل الباب، انفرجت العتبة فدلفت إلى الداخل وضربت أنفها رائحة الانتعاش، مركز عبق الياسمين والكلور معاً، جالت بنظرها بدى كل شيء يلمع تحت الإضاءة.. العاملة التي اتفقت معها أتت وأتمت مهمتها على أتم وجه.وضعت أغراضها على منضدة المدخل، و استأنفت الاستحمام لكي لا تسترخي وتغط في النوم فيسلب منها ليلة من عمر بحثها، حتى العشاء لكي تختصر الوقت تناولته قبل ولوجها البيت عند عربة "العم صباح" بائع سندويشات النقانق.حررت جسمها من ملابس العمل فظلت بطقم الكاميسول ذو طبعة الكرز. اتجهت إلى الحمام، دست وجهها تحت الصنبور و شربت ثم غسلت وجهها لكي تطرد النعاس. أعدت لنفسها إبريق قهوة سوداء و دخلت مكتبتها، وضعت الابريق و الكأس ثم اعتلت الكرسي، سحبت كتابين ضخمين ونظرت إلى الابريق الكبير من القهوة ثم قالت تمازح نفسها : "يكفيني هذا الإبريق أنا وأنتما يا إيريك كاندل وثيودور برجر.."فتحت مجلد كاندل الذي علقت ابزر صفحاته في دماغها منذ أن تخصصت مجال الطب النفسي-العصبي بعد نيلها إجازة الطب العام. تحمل قلمها الأصفر و تضع خطا تحت كل ما تريد العودة إليه ثم تلتفت إلى مرجع ثيودور حول الهندسة الحيوية







