Share

الفصل الثامن ( مؤامرة)

last update Tanggal publikasi: 2026-05-09 13:23:32

جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.

بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إيه اللي خبّلك كده! ده أنت كنت عاقل وواعي، لكن اللي أنا شايفاه قدامي ده شاب معتوه.. ياترى إيه اللي لعب في دماغك؟ ومين دي اللي وافقت عليك وأنت محلتكش الرضا؟!.. وكمان من غير ما حد من أهلك يكون معاك يا ابن بطني.

أنهت حديث نفسها لتستمع مرة أخرى إلى طرق الباب، فربما ابنتها أتت مبكرًا إليها، أو إحدى زوجات ابنيها جاءت لتكون معينة لها في هذا اليوم الذي اجتمعوا فيه من أجل الاحتفال بعيدها بينهم.. لكنها تفاجأت بصوت أنثوي يعود إلى إحدى الجارات الطيبات اللاتي تستشعر معهن الراحة والمودة والألفة، فهي خير صديق ورفيق لهن، لذلك لا تتأخر واحدة منهن عنها أبدًا إن احتاجت شيئًا.

جارة أخرى ساقها الحب لتلك المدعوة الخالة فريدة صاحبة القلب الحنون، لتقوم بمعاونتها في إعداد الطعام وترتيب منزلها وقضاء بعض اللوازم لها.

فوردة، زوجة ابن الجارة الطيبة أم سعد، فتاة طيبة تساعدها بحب وتتفاخر بخدمتها، كما تتفانى في طاعة أم زوجها التي تعتبرها أمًا ثانية لها، لتقابلها فريدة ببشاشة وحبور قائلة:

_أهلًا وسهلًا بيكي يا وردة.. أم سعد عاملة إيه؟

وردة بود مماثل:

_أهلًا بيكي أنتِ يا ست الكل.. أمي أم سعد بتبوس إيدك وبتدعيلك.

فريدة بتواضع:

_العفو يا بنتي.. ده أنتم عشرة عمر، وأم سعد دي زي أختي تمام.. دانا حتى مابرتاحش غير معاها في الكلام، غير إنها بتبعتك ليا لما بكون محتاجاكي.

وردة بصدق وسرعة:

_طب وماله يا خالتي، ده أنا أخدمك برموش عنينا.. كفاية بس حنيتك وطيبة قلبك.

فريدة بإحراج من حديث الأخرى: _متقوليش كده تاني يا خيبة، إحنا أهل.. وأنا هزعل لو قلتي الكلام ده تاني، وإن كنت بساعد بحاجة علشان ده واجب عليا ناحية الجيرة والعِشرة، مش علشان تكوني مميزة عندي.. كده يبقى حرام عليا.

وردة بنفي سريع:

_أبدًا والله العظيم ما أقصد كده.. أنا قصدي إني أعترف بجميلك علينا وفضلك اللي مبيخلصش من شدة حنيتك.. ربنا يجازيكي خير ويسعدك بكل حبايبك.

فريدة بضيق مصطنع:

_يووه.. شفتي بقى؟ قعدنا نرغي ونحكي والوقت هيفوت علينا ومش هنلحق ننجز أي حاجة من الأكل والشغل اللي ورانا.

لتجيبها الأخرى بعملية وهي تشمر عن ساعديها وتتوجه إلى الداخل، تقوم بعمل المطلوب منها ومساعدة الخالة الطيبة فيما كانت تفعله، حتى انتهت مما كلفتها به، ثم توجهت إليها بعد إنجاز ما كانت تفعله، لتردف وهي تعدل من هندامها وتحكم لفَّة الوشاح فوق شعرها:

_ها يا خالتي، محتاجة حاجة تانية قبل ما أنزل؟.. أنا عملت كل اللي أمرتِ بيه، ويارب الأكل يعجب البهوات.

قالتها وردة وهي تتمنى أن ينال طعامها استحسان الجميع.

_لا يا بنتي، تسلم إيدك وكتر خيرك لحد كده.. واشكرِيلي أم سعد إنها سابتك ليا من أول اليوم.

ضحكت وردة، زوجة سعد، لتردف بود: _والنبي يا خالتي فريدة أنتِ عسل.. إيه “سابتني” دي؟! ده هي اللي بتبعتني ليكي.. وبعدين دانتي خيرك مغرقنا أنا وهي، ومش هنعيده تاني. وبصراحة أمي أم سعد بتعزك خالص، وعلى طول في سيرتك وبتحكي عنك بالخير.

فريدة وقد لفت انتباهها ما تفوهت به وردة: _يارب بس تكون جايبة سيرتي في الخير.. أم سعد دي عشرة عمري.

وردة وقد تحمست للحديث:

_طبعًا في الخير.. هو في حد يقدر يقول عليكي كلمة وحشة يا ست الكل؟! أمي بتقول إنك من كتر حنيتك هتسيبي الشقة للأستاذ سامر يتجوز فيها، وإنك هتروحي البيت اللي في البلد عندكم.. إيه صحيح يا خالتي فريدة؟ هتسبينا وتتقلي من هنا؟! دي الحتة هتضلم من بعدك.. دانتي نوارة المكان كله.

حدقتها فريدة بدهشة، وتفحصت ما تفوهت به الأخرى، فهذا الحديث لا يبشر بخير، كما أنه جديد عليها تمامًا، فأردفت مستفسرة:

_طب وأم سعد جابت الكلام ده منين يا وردة يا بنتي؟!

حركت حاجبيها مع كتفيها وضمت شفتيها وهي تستعيد حديثها مع أم زوجها، ثم أردفت بعد أن استحضرت بعض التفاصيل:

_والله يا خالتي، على ما أعتقد إنها كانت عند الست أم أحلام جارتنا اللي في آخر الشارع.. أم مرات الأستاذ كمال ابنك، وهي اللي قالتلها الكلام ده على ما أظن.

تحجرت الكلمات في حلق فريدة، وشعرت بأن شيئًا باردًا ينساب داخل قلبها.

من أين أتت أم أحلام بهذا الكلام؟!

فهي لم تتفوه يومًا بشيء كهذا.. فهل يعقل أن تترك ماضيها وحاضرها معًا، وتغادر البيت الذي شهد عمرها كله؟! هل ستنسى ذكرى زوجها العطرة من أجل أن تنعم فتاة أخرى في بيتها الذي أفنت عمرها في بنائه؟! أم أن هناك أمرًا ما يُدبَّر خلف ظهرها من أولادها وزوجاتهم؟

لكنها تمالكت نفسها بصعوبة، وتلفظت بتعقل وهي تتصنع اللامبالاة:

_أهو كلام في الهوا بيتقال، مالوش لازمة.. سيبك أنتِ، وربنا يعمل اللي فيه الخير ليا وليهم ولجميع خلقه يا رب.

تمتمت الأخرى بالدعاء مؤمنة خلفها: _آمين يا رب العالمين.. ربنا يعملك الخير كله يا خالتي ويسرلك كل خير.

ثم أكملت بود:

_استأذنك أنا بقى، ولو احتجتي أي حاجة تانية نديلي، هتلاقيني تحت رجليكي خدامة يا نن عيني.

أردفت فريدة بامتنان وهي تهديها ابتسامة يشوبها الحزن:

_ربنا يباركلي فيكي يا وردة، ومتحرمش منك أبدًا يا حبيبتي، ويجازيكي خير على مساعدتك ليا.

....................

أغلقت فريدة الباب خلف وردة ببطء، ثم ظلت واقفة مكانها للحظات تحدق في الفراغ بعينين شاردتين، وكأن الكلمات التي سمعتها منذ قليل ما زالت تدور حول رأسها كدوامة لا تهدأ.

شعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها، حتى إن أنفاسها خرجت متقطعة وهي تستند بكفها على الحائط المجاور محاولة التماسك، لكن قلبها كان يرتجف ألمًا بطريقة لم تعهدها من قبل.

التفتت بعينيها داخل البيت الذي أفنت عمرها بين جدرانه، البيت الذي حمل تعبها وشقاءها وذكريات عمر كامل قضته وهي تحاول أن تصنع منه وطنًا دافئًا لأولادها.. فهل أصبح اليوم عبئًا عليهم؟!

هل وصل بهم الأمر للتفكير في إبعادها عنه وكأنها قطعة أثاث زاد مكانها؟!

تحركت ببطء نحو الأريكة وجلست فوقها بوهن، بينما راحت كلمات أم أحلام تتردد بعقلها رغمًا عنها، وكأن كل موقف سابق أصبح الآن يحمل معنى آخر لم تنتبه له وقتها.

صمت كمال الأخير كلما تحدثت عن زواج سامر.. نظرات زوجة رؤوف الباردة.. تلميحاتهم المتكررة عن الراحة والهدوء في بيت البلد.. كل شيء بدأ يتكشف أمامها بصورة موجعة جعلت قلبها ينقبض بخذلان قاسٍ.

رفعت بصرها نحو صورة زوجها المعلقة على الحائط، فتوقفت عيناها عليها طويلًا، وسرعان ما لمعت الدموع بعينيها رغم محاولاتها المستميتة للتماسك.

ابتسمت ابتسامة مرتجفة يغلبها الوجع وهمست بصوت منكسر: _شايف يا حاج؟.. الولاد كبروا وبقوا شايفين أمهم تقيلة.

اختنق صوتها في النهاية، فوضعت كفها فوق صدرها وكأن الألم يعتصر قلبها اعتصارًا، ثم أطرقت رأسها بصمت موجوع وهي تتذكر كيف كانت تنتظر هذا اليوم بفرحة طفلة، تعد الطعام بنفس راضية وقلب مشتاق فقط لترى أبناءها مجتمعين حولها.. بينما هم، في الجهة الأخرى، كانوا يرتبون كيف يرحلون بها بعيدًا عن حياتهم بهدوء.

مسحت دموعها سريعًا قبل أن تهبط رغمًا عنها، ثم أخذت نفسًا مرتجفًا وهي تتمتم بضعف:

_يارب.. هونها عليا ومتوجعش قلبي في ولادي.

.........

تركتها وردة ورحلت إلى بيتها القابع بالجوار، وهي تحمل بعض أواني الطعام التي أعطتها إياها السيدة فريدة، لتقابلها امرأة كبيرة في السن بعض الشيء، ضيقت عينيها في ترقب لما تضعه الأخرى فوق منضدة صغيرة بجوارها، قبل أن تهتف باستفهام:

_إيه ده يا وردة؟!

قابلتها الأخرى بسعادة وهي تضع الأواني أمامها قائلة:

_دول شوية أكل بعتاهم خالتي أم كمال لينا .. فضلت خيرها من الأكل اللي كنت بساعدها في عمايله.

أجابتها الحماة بامتنان:

_طب ليه بس؟ دي لسه العزومة مجتش وولادها ماحضروش لغاية دلوقتي.. يعني علشان الأكل يكفي؟!

ثم هزت رأسها بإعجاب وهي تكمل:

_ولا أقولك هي.. بنت خير طول عمرها، بيتها مفتوح للصغير قبل الكبير.. ربنا يعزها ويهدي لها ولادها اللي نسوانهم عايزين ضرب النار.

تلفظت وردة بعدما انكمش وجهها بعدم فهم: _ليه بتقولي الكلام ده يا أمه؟!

يتبع...

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٨ (غضب)

    "أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٧ (خروج بلا عودة)

    قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٦( عودة للواقع)

    نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٥( صحوة ضمير)

    ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٤(حكمة أم)

    في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٣( مغادرة )

    حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل التاسع (كشف الحقيقة)

    زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، و

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل السابع ( فراق)

    نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر ع

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل السادس (تجاهل وجفاء)

    في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الخامس (آسف غير مرضي)

    ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status