Share

الفصل السابع ( فراق)

last update publish date: 2026-05-08 12:30:06

نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر على أذاها بصمتٍ مرير.

فيا ليتها تعلم أن الله يعلم ما تُسرّون وما تُعلنون، ويحاسب كل نفسٍ بما صنعت يداها، فتلك الأيام نداولها بين الناس، وما تفعله اليوم قد تذوق مرارته غدًا. فماذا ستفعل حين تقسوا عليها الأيام كما تقسوا هي الآن على زوجة ابنها؟ وكيف سيكون حالها إن وقفت يومًا في الموضع ذاته الذي تضعها فيه عمدًا كل يوم؟

قابلتها الأخرى قائلةً دون فهمٍ حقيقي لما ترمي إليه:

يعني إنتِ مبتحبيش عيالك يا خالتي؟ والله أنا ما شفت حد في حنيتك أبدًا... يعني لو هي مكانك كانت العزومة دي طفحتنا فيها الأكل وسممتنا بالكلام. دا إحنا بنبقى شارين الأكل، وبرضه تتحكم في تفريق المنابات، وتميز ولادها عن حريمهم.

زفرت بضيقٍ واضح بعدما ذكرت تلك الخصال غير الحميدة في أفعال حماتها، ثم استطردت بأسى:

يالله... ربنا يرحمنا برحمته.

ثم استشعرت ثرثرتها، فأردفت بخزيٍ وارتباك:

ـ حقك عليا يا خالتي، أنا صدعتك... بس إنتِ عارفة، أمي تعيشي إنتِ، ومليش حد أفضفض معاه غيرك... وإنتِ اللي بتهونّي عليا المر اللي بشوفه مع حماتي.

رافقت كلماتها انسياب بعض العبرات على وجنتيها، فبدت كطفلةٍ صغيرة أنهكها التعب وكثرة التحمل.

مما جعل السيدة فريدة تبكي لبكائها، وترفق بكفيها على كتفيها بحنانٍ أمومي وهي تردف:

ـ متقوليش كده يا أم محمد، دا إنتِ زي رهف بنتي، كفاية سؤالك عني... والله بتنوريني يا خيبة، وبيتي مفتوحلك في أي وقت. وحماتك دي سيبيها عليا، لما أقعد معاها هعرفها غلطها.

ثم أكملت بأسفٍ امتزج بمرارة دفينة:

ـ هي الدنيا كده... محدش يعرف قيمة النعمة اللي في إيده غير لما يتحرم منها. ما هي شايفة حالي مع ولادي، بديهم عنيا وسيباهم على راحتهم، وياريتني لاقية تقدير... إلا ما حد عبرني لغاية دلوقتي من مراتاتهم، وهما عارفين إني لوحدي، وقالوا إنهم هييجوا من بدري. وأدينا داخلين على بعد الضهر ومحدش منهم جه.

تنهدت بحرقةٍ أكملت بعدها:

ـ حتى بنتي... جوزها متحكم، متسبش أمه إلا لما يكون موجود، مع إن صحتها حلوة. لكن إزاي أمه تقعد لوحدها! وياريته يخليها تبر أمها هي كمان. والله يا بنتي، لو كانت حماتها تعبانة مكنتش زعلت، وكنت عنتها على اللي هي فيه، لكن الست صحتها زي الفل والحمد لله. وأنا مش عايزة حاجة، زي ما إنتِ عارفة، ولما بعوز... أهو بتكل عليكي وعلى أم سعد، ومرات ابنها عسل زيك كده، بتيجي تقضيلي طلباتي.

واستطردت بنبرةٍ حزينة تحمل وجع أمٍ مُهمَلة:

ـ وولادي لما بييجوا بشيلهم هما وعيالهم على كفوف الراحة، واللي بيطمعوا فيه بديهولهم بطيب خاطر... ومع ذلك، الوحدة صعبة يا بنتي، وحشة قوي.

تدخلت أم محمد بسرعة، وكأنها تريد محو ذلك الحزن من قلبها:

ـ إنتِ هتقوليلي على حنيتك يا خالتي؟ دا الكل بيشهد بحنيتك وسخائك اللي مغرق الكل... دانتي اللي في جيبك مش ليكي، وكفاية مراضية الأطفال... دانتي بركة الشارع بتاعنا.

ابتسمت لها فريدة رغم غصتها، ثم قالت بودٍ صادق:

ـ متحرمش منك يا أم محمود، ووقت ما تحتاجي حاجة أو تضيقي، صدري مفتوح ليكي يا حبيبتي... والله أنا يعتبر الشارع كله أهلي، إحنا عشرة عمر.

أنهت حوارها مع الجارة عند دلوف هيام، بعدما قضت متطلبات منزلهم وأتت إليها على وجه السرعة، وهي تدعو الله في داخلها أن تكون أسرار ابن العم في صالح علاقتهما، تلك العلاقة التي كاد أن يدمرها بجفائه المتعمد. فقد أصبح كموج البحر الثائر الذي يهدم ما تبنيه من أحلام نقشتها على الرمال بكل حب.

لتسألها بتوجسٍ بعدما استشعرت خزيها وتيهها في نظراتها التي تحفظها جيدًا:

ـ خير يا ماما فريدة... ماله سامر؟ وإيه اللي كنتِ عايزاني أعرفه؟

تنهدت فريدة زافرة بخوفٍ على مشاعر تلك الرقيقة، ولكن ما باليد حيلة، فواجبها أن تخبرها بالحقيقة، وعليها أن تخرج من قوقعة عشقها التي ضاقت عليها بعدما تخلى هو عنها.

أردفت بأسى:

ـ تعالى يا بنتي اقعدي جمبي الأول.

قابلتها الأخرى بالمسؤول بين يديها وهي تردف في طاعةٍ قلقة:

ـ حاضر يا ست الكل... أهو قاعدة، خير؟

تنهدت فريدة قبل أن تبدأ الحديث، وكأن الكلمات تثقل صدرها:

ـ بصي يا بنتي... إنتِ عارفة غلاوتك عندي طبعًا.

ابتسمت هيام رغم قلقها وقالت بحبٍ صادق:

ـ طبعًا يا ماما، وإنتِ كمان غلاوتك من غلاوة أمي الله يرحمها... ويمكن أكتر كمان. أنا مشفتهاش، لكن شفت حنيتك عليا... بس إنتِ كده قلقتيني، خير؟

خفضت فريدة بصرها بخجلٍ من فعل ابنها، ثم قالت بصوتٍ خافت:

ـ أنا هقولك على خيبة البيه سامر... اللي رايح يخطب من ورايا، ولولا رهف حكتلي مكنش هيقول. وأنا قلت لازم أقولك علشان هو ميستهلكيش... صدقيني، إنتِ تستاهلي واحد أحسن منه ألف مرة.

تحجرت العبرات في مقلتي هيام، فقد تحطمت أحلامها التي نسجتها طويلًا في خيالها مع ابن العم الذي كان يحتويها بحبٍ واضح. كيف له أن يهدم تلك الآمال التي نبتت بينهما منذ الصغر، وارتوت في سنوات الصبا؟

كيف يبترها من جذورها بهذه القسوة؟

بل كيف يقتلعها من أرض أحلامها دون رحمة؟

(سامحك الله يا سامر... لهدمك حلمي الجميل).

خارت قواها فجأة، فارتمت في صدر زوجة عمها الحنون، تلك التي كانت دائمًا مخزن أسرارها وملاذها الآمن، وهي تبكي بمرارة المفاجأة التي صعقتها كليًا.

فأردفت السيدة فريدة في مؤازرةٍ حانية:

ـ هيام... لازم تفوقي وتكوني قوية. الجواز في الأول والآخر قسمة ونصيب يا بنتي، وإنتِ مفترتيش عليه، بالعكس... إنتِ استنيتيه كتير، وهو اللي اتبطر على نعمة ربنا اللي ادهاله. إنتِ لا وحشة ولا بايرة، وألف مين يتمناكي. وأظن لسه أبوكي مشتكيلي من رفضك للعريس اللي جايلك.

رفعت هيام رأسها ببطء، وقد اختنق صوتها بالألم وهي تردف:

ـ قصدك إيه يا ماما فريدة؟ في ثواني كده بتطلبوا مني أنسى حلم حياتي؟ دا يُعقل يعني؟ ولا أنا ماكينة هدوس على زرار التحكم وأقوم أنسى؟ أنا عارفة إن الجواز قسمة ونصيب، وأكيد ابن عمي لقى اللي أحسن مني واللي قدرت تحول مشاعره ليها بسهولة... بس كان قالي، بدل ما يسبني على عمايا كده. كان المفروض ينهي الارتباط اللي إنتِ كنتِ شاهدة عليه بينا، مش يسبني بالشكل ده.

تنهدت فريدة بحزنٍ بالغ، وأردفت بخجلٍ من فعلة ابنها الغادرة:

ـ حقك عليا يا قلبي... على عيني والله يا بنتي، بس ما باليد حيلة، وهو الخسران. بكرة الأيام تدور، وييجي عليه الدور ويتباع زي ما باع... ربك مبيسبش، وأكيد هيعوضك بأحسن منه.

أردفت هيام بمرارةٍ بالغة تصبغ حلقها:

ـأنا لا عايزاه... ولا عايزة غيره.

ثم استأذنت بصوتٍ متعب:

ـ عن إذنك يا ماما... أنا هطلع أرتاح شوية، محتاجة أكون لوحدي.

استنشقت الهواء بصعوبة، ثم جففت الماء المالح المنسدل من بحر عينيها المنتفختين جراء بكائها، وتوجهت إلى منزلها لتتواري عن أعين الجميع، حتى لا تكون عرضة للأسئلة التي حتمًا ستُلقى عليها من أبيها وزوجته.

وعليها الآن... أن تستعيد نفسها من جديد، حتى تستطيع مواجهة ذلك الغادر الذي صفعها غدرًا دون رحمة أو شفقة، لتلك المشاعر النبيلة التي كانت بينهما يومًا.

صعدت درجات منزلها بخطواتٍ واهنة، تشعر وكأن كل درجة تنتزع جزءًا من روحها المنهكة. كانت تحاول التماسك قدر استطاعتها، لكن قلبها كان يرتجف بعنفٍ داخل صدرها، كطفلٍ صغير فقد الأمان فجأة. وما إن ولجت إلى غرفتها حتى أوصدت الباب خلفها سريعًا، وكأنها تهرب من العالم بأسره، ثم استندت بظهرها إليه للحظات طويلة تحاول التقاط أنفاسها المختنقة.

تجولت عيناها المرتبكتان داخل الغرفة، فوقعتا على أشياءٍ صغيرة كانت تحمل ذكرياتٍ كثيرة معه... هدية بسيطة أحضرها لها يوم نجاحها، كتاب كان يعلم عشقها لقراءته، حتى ذلك الوشاح الذي أخبرها يومًا أن اللون يليق بعينيها. أغمضت عينيها بقهر، وكأن الذكريات تحولت فجأة إلى سكاكين حادة تمزق قلبها ببطء.

جلست على حافة الفراش، ثم ضمت كفيها المرتجفتين إلى صدرها محاولةً تهدئة ذلك الألم الذي ينهشها من الداخل. لم تكن تبكي فقط لأن سامر سيتزوج غيرها، بل لأنها شعرت لأول مرة أنها كانت تعيش حلمًا وحدها، بينما كان هو ينسحب منه بصمتٍ دون أن يمنحها حتى حق الاستعداد للخذلان.

تنهدت باختناق وهي تهمس لنفسها بضعف:

ـ للدرجة دي كنت هينة عليك يا سامر؟... حتى المواجهة خفت منها؟

تساقطت دموعها مجددًا بغزارة، فدفنت وجهها داخل وسادتها تكتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد. كانت تشعر بإهانةٍ موجعة، وكأن قلبها وُضع أمام الجميع ثم دُهس دون رحمة. كيف استطاع أن يراها كل تلك السنوات، يعلم حبها وتعلقها به، ثم يرحل بهذه البساطة؟ كيف سمح لقلبها أن يبني كل تلك الأحلام بينما كان هو يستعد لهدمها؟

وبرغم الألم الذي كان يعصف بها، كانت هناك حقيقة أكثر قسوة تنهشها...

أنها، رغم كل ما فعله، ما زالت تحبه.

وذلك كان أكثر ما يؤلمها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٨ (غضب)

    "أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٧ (خروج بلا عودة)

    قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٦( عودة للواقع)

    نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٥( صحوة ضمير)

    ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٤(حكمة أم)

    في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٣( مغادرة )

    حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الخامس (آسف غير مرضي)

    ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل التاسع (كشف الحقيقة)

    زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، و

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الثامن ( مؤامرة)

    جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إي

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل السادس (تجاهل وجفاء)

    في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status