เข้าสู่ระบบزفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!
وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، والأستاذ سامر الهانم اللي هيخطبها شارطة عليه مايقعدش مع أمه في عيشة واحدة. صمتت قليلًا ثم أكملت بغيظ: _ولما لجأ للأستاذ كمال، قاله إن الحاجة تتنقل عنده شوية وعند الدكتور رؤوف شوية، تقوم المعدولة مرات رؤوف تقولهم تتنقل لبيتها اللي في البلد علشان تكون على راحتها! وأحلام توافقها الرأي وتشجعها، وما تقولهاش عيب دي ست كبيرة وإزاي نسيبها! ولما أمها عاتبتها، تقولها إنها مش ناقصة وجع دماغ، وابنها يبقى يزورها هو وإخواته.. هما أولى بيها! استعجبت وردة من جبروت هاتين الكنتين، كيف لهما التفكير بتلك الأنانية؟! فالسيدة الفاضلة يفيض حنانها على الجميع، ولم تُسئ يومًا لواحدة منهن، وكيف لأولادها السماح بهذه المهزلة وهم القوامون على بيوتهم؟! فكل واحد منهم يعمل في وظيفة مرموقة، وحالتهم المادية ميسورة، وزوجاتهم لا يعملن، بل تراهن يأتين إلى بيوت أمهاتهن محملات بالفواكه والمأكولات والهدايا، بينما ينتظرن من أم أزواجهن أن تستقبلهن وتعد الولائم لهن ولأطفالهن وكأن ذلك فرض عليها. فأردفت بحزن على حال السيدة: _قلبي معاكي يا خالتي فريدة.. دي عاملة عمايل علشانهم النهاردة. ثم لوَت فمها يمينًا ويسارًا وهي تكمل بأسى: _ومتعرفش إيه اللي مخبينه.. وأنا اللي مفكرة إنها عارفة! اتاريها يا حبة عيني على عماها وهما بينصبوا لها الخِطة.. قال يتفقوا معاها إنها تقعد مع كل واحد شوية، وبعد كده يزهقوها فتقوم هي بنفسها تنقل لبيت البلد بتاعها. تنهدت أم سعد بإعجاب من فطنة زوجة ابنها واكتشافها لملعوب تلك الكنتين اللتين غفلتا عن يوم تُرد فيه المظالم، وتتداول الأيام بين الناس، فهما اليوم زوجتا أبناء، وغدًا سيصبحن حموات، ولن يترك العادل حقًا دون حساب. فأردفت بعد أن حدقتها بنظرة حانية: _عفارم عليكي يا وردة.. بس متخافيش، ربك عادل، ومسيرك يا مرات الابن تبقى حما.. متفكريش إن اللي بيتعمل في الأم أو الحماة بيروح، ربنا مبيسيبش. أردفت وردة بحزن وأسى: _ربنا يجازيهم على قد ضميرهم.. بس معلش يا أمه، لازم تبلغي خالتي أم كمال بالكلام ده قبل ما يكتلوا عليها ويقنعوها بالاتفاق بتاعهم. أردفت أم سعد في حيرة، فهي لا تريد إدخال نفسها في تلك الأمور الخاصة، وبرغم ما وصلها من أم أحلام، إلا أنها لم تطلب منها يومًا أن تقص عليها ذلك الحديث، وإنما جاء الأمر أثناء دردشة عابرة بينهما، أما الآن فزوجة ابنها تطالبها بتحذير جارتهم العزيزة. فتجرعت ريقها بتوتر وقالت: _يعني كده يا بنتي ما أبقاش بعمل فتنة بينهم؟ ولا يقولوا عليا نقالة كلام؟! تحدثت وردة بتشجيع: _لا أبدًا يا أمه، دانتي كده بتعملي خير.. وبعدين فهميها بصنعة لطافة، مش لازم تقوليلها بالنص علشان مانجرحهاش أكتر من كده.. أصل الست يا حبة عيني على آخرها. عزيزي، لا تُجادل أمك في نقاشها، حتى ولو كنتَ على حقٍ أو صواب. فالبرُّ يا عزيزي ليس مجرد قبلةٍ تطبعها على يدها أو رأسها، فتظن أنك بلغت غاية رضاها، ولا أن تجعل لها كلماتٍ في صورةٍ لحالة واتس، أو أنشودةٍ تعبّر بها عن حنانها فتدمع لها عيناك وقتها. البرُّ هو أن تعلم ما يُسعد فؤادها فتسارع إلى فعله بكل هرولة، وتُدرك ما يؤلمها فتبتعد عنه، حتى تكون مصدر سعادتها وأمنها وقوتها. يجلس كمال بمقرِّ عمله، يباشر أعماله بحرفيةٍ شديدة وسرعةٍ فائقة حتى ينتهي منها، كي يُسرع إلى زوجته التي رفضت الذهاب إلى منزل والدته قبل مجيئه، متعللةً بأنها لا تحب الذهاب بمفردها هناك دونه، فهي ليست الخادمة التي تسبق الجميع لكي تُعدَّ لهم الطعام. ليتذكر عائدًا حوارهما صباحًا: — جرى إيه يا سي كمال؟! أنت هتلويلي بوزك على الصبح لمجرد إني مش عايزة أروح من غيرك عند مامتك؟! ما هي دي مش عيشة! أنا مش الخدامة اللي إنت جايبها علشان تروح تتسحل وتعمل الأكل، والباقيين ييجوا على الجاهز! هدرت بها زوجته، وهي تلوّح بيديها في ضجرٍ منه، لأنه يطالبها بالذهاب مبكرًا إلى بيت والدته حتى تساعدها في إعداد الطعام لهم جميعًا. ليرحل بعدها صامتًا، يثقبها بنظرةٍ غاضبة دون أن يتفوّه بشيء، وهو يكبت بداخله حزنه منها، فما عليه إلا أن يتجاوز هذه الحالة حتى ينتهي اليوم على خيرٍ بينهما. فهو لا يريد أن يُعكّر صفو اليوم الذي سيجتمع فيه مع أمه الحنون، التي طالبته أن يحضر برفقة زوجته وأولاده إلى مأدبة غداء ستُعدّها لهم جميعًا. ولكنه، ومن باب الذوق، كان يرى أن تذهب زوجته مبكرًا إليها حتى تؤازرها في عملها ويومها، خاصةً أنها زوجة الابن الأكبر. لقد كان يتمنى أن تُعينه زوجته على برِّ أمه، كما يتعامل هو معها في برِّ أمها. ليُخرجه من دوامة ذاكرته اهتزاز هاتفه النقال، الذي أضاء باسم شقيقه رؤوف، ليستجيب له على الفور: — السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا دكتور. ليجيبه الطرف الآخر ببشاشة: — وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أستاذنا. إيه الكلام ده يا كيمو؟ خلصت شغلك ولا لسه؟ عايزين نروح بدري علشان الحاجة أم كمال متزعلش مننا في يوم زي ده. كمال بتنهيدة: — آه طبعًا… أنا بخلص اهو علشان أروح آخد العيال ونروحلها على طول. رؤوف باستغراب: — طب ما أحلام تسبقك على هناك! أنا قلت لمراتي تسبقني، وأنا هخلص بسرعة وأحصّلها علشان الوقت وكده. كمال بتبريرٍ لم يتقبله الآخر: — عادي بقى يا رؤوف… إنت عارف أحلام بتتكسف، وماما مبتِرتاحش غير لما نكون معاهم أنا وإنت… ولا إيه؟ رؤوف متنهدًا: — أنا شايف إنه عادي جدًا إن ستاتنا يروحوا الأول، أقلّه يقوموا بمساعدة ماما بدل الناس الغريبة… ولا إحنا هنستنى أمنا تخدمنا إحنا وولادنا، وكمان تجيب حد غريب يساعدها؟! كمال باقتناع، رغم علمه أن زوجته ستخذله: — آه طبعًا معاك حق يا دكتور… بس أنا اللي نفسي أروح بدري لماما، فقلتلها تستناني. رؤوف بتعقّل: — تمام يا كبير… إسبقني إنت، وأنا هحاول أستأذن من الشيفت وأحصلك هناك، علشان نكلم ماما في موضوع سامر، ويارب تقتنع إنها تنورنا في حياتنا الجاية. كان يتحدث بصدق، فهو عاشقٌ لأمه، لكنه يجهل تفكير زوجته التي لا تُظهر له سوى الوجه الطيب والمطيع فقط. ليجيبه كمال، متمنيًا هو الآخر أن تتقبل زوجته وجود أمه بينهم حتى يستطيع برَّها هو أيضًا: — إن شاء الله خير يا دكتور… بس إنت كمل شغلك على خير وتعالى، وربنا يعمل اللي فيه الخير. انتهى كلٌّ منهما من حديثه مع الآخر، وتوجّه كمال لينهي عمله، وهو يحاول استجماع حالته وكظم غيظه من تلك الأحلام المزعجة التي تعانده دومًا، وهو الرجل الذي لا يريد سوى أن يعيش في سلامٍ وأمان. ليلتقط هاتفه مرةً أخرى، ويضغط عدة أزرار، ليستجيب له الطرف الآخر قائلًا: — ألو… أيوه يا كمال؟"أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ
قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان
نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م
ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب
في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح
حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،
هل ستستجدي العطف منهم؟ أم إنها ستترفّع عن هذا الألم الذي ينهش قلبها بصمت؟ابتسمت فريدة بسخرية مريرة من الأقدار التي وضعتها في مثل هذا الموقف. هي نفسها التي كان رأيها يومًا نافذًا لا يُرد، وكلمتها مسموعة بين أبنائها، ها هي اليوم تشعر أن وجودها أصبح هامشيًا، وأن رأيها لم يعد يُؤخذ بعين الاعتبار.هل ل
أجابتها الأم بحبور واضح:_ لا يا حبيبتي، تعالي إنتِ بس وملكِيش دعوة بأي حاجة. أنا بخلي أم سعد، جارتنا، تشتريلي كل اللي محتاجاه متوضب وجاهز للحشو، والست بصراحة مبتتأخرش أبدًا، ومرات ابنها سعد بتجيبلي الطلبات لحد البيت، ربنا يسعدهم زي ما بيساعدوني.ثم أكملت بابتسامة ممتنة لبعض احبائها:_ وكمان هيام و
عودة إلى الحاضر...وقفت فريدة في اشتياق أمام صورة فوتوغرافية كبيرة تحتل واجهة غرفة المعيشة، تلك الغرفة التي أصبحت عالمها الخاص ومقرها الدائم، تقضي فيها أغلب أوقاتها تستعيد ذكرياتها معه؛ ذلك الزوج الذي كان خير أنيس وجليس، ورفيق رحلة عمر طويلة تشاركا خلالها تربية الأبناء، وعاشا معًا حلو الحياة ومرارت
كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم







