登入أجبتها بهدوء شديد وببراءة مزيفة، محاولة إخفاء ارتعاشة الضحكة في صوتي خوفاً من أن تكتشف أنني الفاعل الحقيقي وراء الجريمة:
«ماذا يا أمي؟» تشير أمي بإصبعها نحو الباب حيث اختفت تالا وتقول بفضول: «ما بال فستان هذه الفتاة هكذا؟! إنه ممزق تماماً من الأسفل أو هكذا يبدو!» أجلس على السرير باسترخاء تام. أضع وسادة خلف ظهري. أسحب الغطاء حتى خصري. وأجيب بصوت هادئ واثق: «لا أعلم يا أمي، لكن تالا تحب هذهأجلس خلف يوسف على دراجته الهوائية بينما يوصلني إلى الشركة. الرياح تضرب وجهي. شعري يتطاير خلفي. يداي تمسكان بكتفيه. والدراجة تتمايل قليلاً على الطريق. فقد انتهت عطلتي الصيفية السخيفة، وعاد روتين العمل القاسي ليفرض نفسه من جديد. أحدث نفسي باسترخاء في طريقي: أوه حقاً.. كم أنا ممتنة للهواء المنعش! لقد خرجتُ بصعوبة بالغة من المنزل هذا الصباح بسبب قلق أمي المبالغ فيه من أن أتعرض لفقدان وعي مفاجئ وأسقط بين الناس مرة أخرى! لا أصدق أمي حقاً. فلقد أخبرت الجميع على العشاء البارحة. أبي. أخي. وكل من في البيت. وصاروا ينظرون إليّ بشفقة وخوف. لدرجة أن أخي المسكين يوسف ضحّى بوجبة العشاء الخاصة به، وكان يربت على رأسي بحنية فائقة ويسأل عن حالي كل خمس دقائق! «سيلين، هل أنتِ بخير؟» «نعم يوسف.» «متأكدة؟» «نعم.» «لا تشعرين بدوار؟» «لا.» «حسناً. هل تريدين ماءً؟» «لا.» «حسناً. لكن
حاولت التركيز مجدداً لأعلم إن كان حقاً صوت هاتفي المحمول أم لا. الصوت كان خافتاً وبعيداً. كأنه يأتي من تحت وسادة. من تحت سرير. من عالم آخر. لكنه عاد للرنين من جديد بإصرار. رنين لا يتوقف. رنين يطلب. رنين يلح. نهضت باحثة عنه. تحت الوسادة. لا. بجانب السرير. لا. على الأرض. لا. على الطاولة. نعم. هناك. بين كتابين ومقلمة فارغة. ما إن وجدته حتى لمع اسم المتصل على الشاشة: "تالا"! تالا. اتسعت ابتسامتي بشرور حتى كادت تهشم وجهي. ابتسامة لم أبتسم مثلها منذ زمن. ابتسامة لا تحمل لطفاً. لا تحمل مجاملة. لا تحمل أي شيء سوى سعادة خبيثة نقية. وأخذت أضحك. بصوت عالٍ. دون أن أجيب المكالمة. ضحكة تخرج من بطني. من صدري. من كل مكان في جسدي. ضحكة امرأة أفسدت فستاناً بمقص طبي وتجلس الآن على سريرها في أمان تام. «مرحباً يا تالا،» أقول للهاتف وأنا أنظر إلى الشاشة. «لا. لن أجيب. لا. لن أسمع صوتكِ. لا. لن تقولي لي "هل أنتِ بخير"بصوتكِ العذب المسموم. لا. اليوم أنا الملكة. وأنتِ...»
أجبتها بهدوء شديد وببراءة مزيفة، محاولة إخفاء ارتعاشة الضحكة في صوتي خوفاً من أن تكتشف أنني الفاعل الحقيقي وراء الجريمة: «ماذا يا أمي؟» تشير أمي بإصبعها نحو الباب حيث اختفت تالا وتقول بفضول: «ما بال فستان هذه الفتاة هكذا؟! إنه ممزق تماماً من الأسفل أو هكذا يبدو!» أجلس على السرير باسترخاء تام. أضع وسادة خلف ظهري. أسحب الغطاء حتى خصري. وأجيب بصوت هادئ واثق: «لا أعلم يا أمي، لكن تالا تحب هذه التصاميم الغريبة والمجنونة كثيراً، تعرفين أن ذوقها في الموضة غريب حقاً.. أليس كذلك؟» «غريب؟ غريب كيف؟» «تعرفين يا أمي. الشباب هذه الأيام. يمزقون ملابسهم عمداً. يقولون إنها موضة. الغرانج. أشياء لا أفهمها.وايضا الكوثك» «الكوثك؟ الغرانج؟ ما هذه الكلمات؟» «لا أعرف يا أمي. أسمعها في الجامعة. الشباب يقولون إن الملابس الممزقة جميلة.» «جميلة؟ ممزقة وجميلة؟ في أي عالم؟» «عالمهم يا
تقربت قليلاً بحركة خفية نحو ظهر تالا. تحديداً نحو الأجزاء السفلية من فستانها الفاخر. فتحت شفرتي المقص بهدوء مطبق. وبدأت أقص القماش. بحركات دقيقة. خفيفة. لا تثير أدنى انتباه. قص. قص. قص. «عمتي، تخيلي! كنت أسير في الشارع أمس، وفجأة ظهر رجل أمامي وسألني عن عنوان!» صوت تالا. عذب. مقرف. لا يتوقف. «يا بنيتي، وماذا فعلتِ؟» صوت أمي. دافئ. طيب. لا يعرف شيئاً. «أخبرته طبعاً! لكن يا عمتي، طريقة سؤاله كانت غريبة جداً! كأنه لم يرَ امرأة في حياته!» أمم. ذوقها في الفساتين ليس سيئاً حقاً. القماش ناعم. فاخر. ثمين. لكن يا ترى كم يبلغ سعر هذا الفستان؟ آلاف. ربما أكثر. سيصبح بحالة جيدة جداً بعد قليل. فهو فقط يحتاج إلى بعض اللمسات الفنية من أناملي الذهبية ليتحول إلى أحدث صيحات الموضة الخاصة بتالا عند خروجها من المشفى! قص. قص. قص. مثلث حاد هنا. خط طويل هناك. قطعة صغيرة تسقط على الأرض. لا يراها أحد. لا يسمعها أحد. صوت المقص خا
تضع أمي يدها على صدرها وهي تتنهد بعمق وتكاد تبكي من شدة الارتياح: «الحمد لله.. الآن فقط أستطيع التنفس براحة، لقد أقلقتني حتى توقف قلبي.. ماذا حدث بحق الرب لكي تسقطي هكذا؟» يشتد توتري أضعافاً مضاعفة. ماذا أقول لها؟ ماذا أقول؟ أنني تظاهرت بالإغماء؟ أنني أخذت شهيقاً وزفيراً بسرعة حتى أغمي عليّ؟ أنني فعلت ذلك هرباً من تالا المشؤومة؟ أنني اخترت أن أسقط أرضاً وأخيفها وأبكيها بدل أن أمشي بجانب تالا في مركز تسوق؟ لا. لا أستطيع. لا أستطيع إخبارها. «سيلين؟» تقول أمي. «ماذا حدث؟» «أنا.. أنا..» أتلعثم. أتلعثم في الكلام وأنا أحاول اختيار الكلمات بحذر. كلمات لا تكشف الكذبة. كلمات لا تفتح باباً آخر من الأسئلة. كلمات تغلق هذا الموضوع وتدفنه. «أمي، أنا فقط—» «فقط ماذا؟ هل أكلتِ شيئاً؟ هل كنتِ متعبة؟ هل—» «أمي.» أبقى صامتة لثوانٍ. أنظر إلى وجهها القلق. إلى عينيها الحمراوين. إلى يدها التي لا تزا
أفتح عيني ببطء شديد. ضوء المصابيح البيضاء الساطعة في السقف يضرب عيني كصفعة. أغمضهما. أفتحهما مجدداً. أغمضهما. أفتحهما. وتضرب أنفي فوراً رائحة المعقمات الطبية القوية التي تملأ المكان. مستشفى. أو عيادة. أو أي مكان أبيض ومعقم وبارد. أرمش. مرة. مرتين. أحاول أن أستوعب مكاني. أحاول أن أسترجع ما حدث. المركز. التسوق. أمي. تالا. التنفس. الشهيق. الزفير. السواد. عادت الذاكرة. تدريجياً. قطعة قطعة. كقطع أحجية تتجمع في رأسي. تنفست الصعداء بارتياح عميق. ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتي. قلت في نفسي: شكراً يا إلهي.. لقد تخلصت من تالا اللعينة بسلام! نعم. نجحت الخطة. نجحت خطة يوسف. نجح الإغماء. تالا لن تكون هنا. تالا لن تمشي بجانبي. تالا لن تقول «عمتي». تالا ذهبت. انتهت. اختفت. لكنني لم أُكمل فرحتي. لم تكمل جملتي في رأسي. لأن وجه تالا ظهر فوق وجهي مباشرة. قريباً. قريباً جداً.







