Home / الرومانسية / احببتك وأنتهى الامر / شظايا الماضي المكسور

Share

شظايا الماضي المكسور

last update publish date: 2026-04-23 20:41:54

وسط الظلام الدامس الذي خيّم على القاعة الواسعة بعد انقطاع الكهرباء، لم تكن ليلى تسمع سوى دقات قلبها التي قرعت كالطبول في صدرها، وأنفاس آدم القريبة التي كانت تلفح بشرتها بحرارة مربكة. كانت يده التي تلمس وجهها دافئة بشكل مناقض تماماً لبرودته المعتادة، وكأن هناك ناراً تحت ذلك الجليد. أرادت التراجع خطوة للخلف، لكن جسدها خانها وبقيت متسمرة في مكانها، مغمضة العينين وكأنها تنتظر شيئاً لا تعرف ماهيته، وسط صمت مطبق لا يكسره سوى صوت حبات المطر التي تضرب النوافذ الزجاجية بعنف.

فجأة، اشتعل ضوء خافت وصغير. لم تكن الكهرباء قد عادت، بل أخرج آدم ولاعة ذهبية من جيبه، ليرتعش لهبها الصغير ويعكس ظلالاً حادة ومخيفة على ملامحه الرجولية القاسية. ابتعد عنها خطوة واحدة، لكن عينيه لم تتركا عينيها، وكان في نظرته مزيج من التملك والحزن العميق. "العواصف في هذا القصر لا ترحم الغرباء يا ليلى، تماماً كالأسرار المظلمة التي تخفيها هذه الجدران العتيقة منذ سنوات."

تحرك نحو زاوية الغرفة وأشعل عدة شموع كانت موضوعة في شمعدان نحاسي قديم يعلوه الغبار. تحولت القاعة إلى مسرح من الأضواء والظلال الراقصة، مما زاد من غموض المكان وهيبته. حاولت ليلى استعادة هدوئها المفقود، ورتبت خصلات شعرها بيد مرتجفة وهي تقول بنبرة حاولت جعلها قوية: "لماذا أشعر أنك تحاول إخافتي وبث الرعب في نفسي دائماً؟ هل هذه هي طريقتك الوحيدة في الترحيب بضيوفك، أم أنك تخشى أن يرى أحد جانبك البشري؟"

توقف آدم عن الحركة تماماً، ونظر إلى لوحة ضخمة مغطاة بقطعة قماش سوداء ثقيلة في ركن مظلم ومعزول، بعيدة عن مجموعة اللوحات التي كانت ليلى تعمل عليها. "الخوف غريزة فطرية للبقاء، ومن لا يخاف في عالمي هذا لا ينجو أبداً." اقترب من اللوحة المغطاة ووضع يده عليها بتردد غريب ونادر لم تره فيه من قبل، وكأن القماش يحرق أصابعه. "أنتِ تدّعين أنكِ مرممة بارعة وتعيدين الحياة للجمال المفقود.. هل يمكنكِ حقاً إصلاح شيء تحطم ليس من الخارج بفعل الزمن، بل من الداخل بفعل الخيانة؟"

اقتربت ليلى بفضول دفين، متجاهلة كل صرخات التحذير في عقلها التي تطالبها بالهرب. "الترميم هو فن إعادة الروح للشيء الضائع، لكنه يتطلب الصدق التام والجرأة على مواجهة العيوب. ماذا تخفي تحت هذا القماش الأسود يا آدم؟ ولماذا يبدو كأنه جرحك النازف؟"

بصمت مطبق جعل الهواء ثقيلاً، سحب آدم القماش الأسود دفعة واحدة ليكشف عن لوحة ممزقة بشكل عنيف ومؤلم. كانت اللوحة تظهر امرأة فاتنة الجمال، تحمل ملامح تشبه ملامح آدم كثيراً خاصة في حدة العينين، لكن هناك خدوشاً عميقة وطولية تشوه وجهها وكأن شخصاً ما حاول محوها من الوجود بحقد دفين. شهقت ليلى من هول المنظر ووضعت يدها على فمها: "يا إلهي! من فعل هذا العمل الوحشي؟ ولماذا تركتها هكذا كل هذه السنين؟"

تغيرت نبرة صوت آدم في لحظة، أصبحت باردة كالثلج القاتل، وعاد القناع القاسي ليحتل وجهه من جديد. "هذا ما يفعله الحقد الأعمى عندما يمتزج بالدم والانتقام. هذه اللوحة هي السبب الحقيقي والوحيد لوجودكِ هنا في قصري. أريد منكِ إعادتها كما كانت، دون أن يسأل لسانكِ عن مصدرها أو اسم صاحبتها أو ما حدث لها."

نظرت ليلى إلى اللوحة الجريحة ثم نظرت إليه، وأدركت في تلك اللحظة أن خلف هذا الغرور اللامتناهي والمليارات، يختبئ طفل محطم وجرح لا يندمل. "هذه والدتك، أليس كذلك؟" سألت بهدوء وحزن.

اشتعلت عيناه بالغضب المكتوم للحظة، وأمسك بكتفها بضغط خفيف ومحذر جعلها تشعر بقوته. "لا تتجاوزي حدودكِ المهنية يا ليلى. وظيفتكِ تبدأ وتنتهي عند حواف هذا الإطار الخشبي. لا تحاولي نبش الحقيقة المخبأة خلف طبقات الألوان، لأن الحقيقة في هذا البيت قد تحرق كل من يقترب منها.. بما في ذلك أنتِ."

شعرت ليلى بتحدٍ جديد يشتعل في روحها؛ لم يعد الأمر بالنسبة لها مجرد وظيفة لترميم لوحة، بل أصبحت جزءاً من لغز آدم المظلم الذي يجذبها كالمغناطيس. "سأرممها،" قالت بلهجة واثقة وقوية، "ليس لأنك أمرتني بذلك، بل لأن هذه المرأة المظلومة تستحق أن يرى العالم جمالها مجدداً، ولأنني أريد أن أثبت لك أن الجمال دائماً ينتصر على الحقد."

ترك آدم كتفها وتراجع للخلف بخطوات هادئة، وعاد لبروده المعتاد وكأن شيئاً لم يحدث، لكن نظراته كانت تقول الكثير. "لديكِ شهر واحد فقط. إذا نجحتِ في إعادة الروح لهذه اللوحة، سأمنحكِ مكافأة لم تحلمي بها يوماً. وإذا فشلتِ.. فاعتبري أن حياتكِ الهادئة والمنظمة قد انتهت تماماً منذ اللحظة التي قررتِ فيها عبور بوابات هذا القصر."

عاد آدم ليختفي في ممرات القصر المظلمة كشبح، تاركاً ليلى وحيدة مع الشموع التي بدأت تذوب واللوحة الممزقة، وهي تشعر بأنها لم تعد تحارب من أجل مهنتها فحسب، بل أصبحت في صراع للبقاء ومنع نفسها من الغرق في محيط آدم المظلم الذي لا قاع له.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • احببتك وأنتهى الامر    الطرس الخالد.. وسكينة الألوان الأبدية

    مع شروق شمس اليوم الأخير من شهر مايو، بدا وكأن الوادي بأكمله قد ارتدى حلة من الضياء الأرجواني والذهبي الخالص، ليحتفل بالنهاية السعيدة لقصة بدأت بالدموع والمطاردات وانتهت بالسلام والبناء. في ذلك الصباح الدافئ، كانت ليلى تجلس في أعلى نقطة من مرسمها العلوي تحت القبة الزجاجية الضخمة، تمسك بيدها دفتراً كبيراً مجلداً بجلد الغزال الطبيعي، دُونت على صفحتيه الأولى عبارة خطتها بيدها قبل سنوات: "الترميم ليس إخفاءً للندوب، بل هو اعتراف برحلة الصمود".لقد كان هذا اليوم مميزاً للغاية؛ فاليوم يكتمل العقد الأول لتأسيس "مركز زنبق الوادي للفنون"، واليوم أيضاً يبلغ ابنها البكر "يوسف" عامه العاشر، بينما تتراقص شقيقتها الصغرى "نور" في الثامنة من عمرها بين حقول اللافندر والزيتون المحيطة بالمنزل الحجري. لم تعد ليلى تلك الفتاة الخائفة التي تلتفت وراءها في مطارات أوروبا؛ بل غدت امرأة تشع بالحكمة والوقار الجليل، ومرممة عالمية يشار إليها بالبنان كرمز للنزاهة والأمانة الفنية والأخلاقية.نظرت ليلى إلى اللوحة الضخمة التي تتوسط المرسم، والتي أطلقت عليها اسم "الطرس الخالد". كانت اللوحة تجمع بين ماضيها وحاضرها؛ تظهر

  • احببتك وأنتهى الامر    تراتيل العصر الجديد.. وظلال الزنبق الممتد

    مرت تسع سنوات كاملة على ذلك اليوم المشمس الذي شهد تسليم المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا، تسع سنوات تحول فيها وادي الزيتون الهادئ من مجرد ملجأ ريفي منسي إلى منارة عالمية يَقصدها عشاق الفن النزيه وطلاب المعرفة من كل حدب وصوب. لم يعد مركز "زنبق الوادي" مجرد قاعة صغيرة في مبنى البلدية القديم؛ بل امتدت أروقته لتشمل ثلاثة أجنحة حجرية جديدة بُنيت بالكامل من صخور الجبال المحيطة، وتوجت بأسقف زجاجية ضخمة تسمح لضوء الشمس بالتدفق بحرية، كأنه يبارك العمل الإنساني النبيل الذي يجري بالداخل.في ذلك الصباح الدافئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في وسط الجناح المخصص لترميم اللوحات القماشية القديمة. لقد أضفتْ عليها السنوات نضجاً ووقاراً جليلاً؛ فملامحها التي كانت تحمل آثار الخوف والمطاردات في الماضي، غدت الآن تشع بسلام داخلي عميق وصافٍ كالمياه الجبلية. كانت ترتدي ثوباً طويلاً من الكتان المغزول يدوياً بلون الأرض، وتضع حول عنقها تلك القلادة الخشبية البسيطة المنحوكة من خجرة الزيتون، والتي باتت رمزاً لإدارتها للمركز.لم تكن ليلى وحدها في القاعة؛ فبجانبها كان يقف طفل في الثامنة من عمره، يملك عينين زرق

  • احببتك وأنتهى الامر    الحصاد الذهبي.. وأنفاس النور الأخير

    كانت أنفاس الربيع المتأخر تمتزج بحرارة الصيف القادم، لتغزل فوق وادي الزيتون وشاحاً من النور والبهجة لم يشهد له أهالي هذا الريف مثيلاً منذ عقود. في ذلك الصباح المشمس من أواخر شهر مايو، بدت الساحة الكبرى المقابلة لمبنى البلدية القديم وكأنها خلية نحل تضج بالحياة والحركة؛ فقد كان هذا اليوم هو يوم الحفل الختامي الكبير لـ "مركز زنبق الوادي للفنون والترميم البسيط"، واليوم الذي ستُسلم فيه المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا بعد أن اكتمل ترميمها بالكامل بأيدي شباب وأطفال القرية وتحت الإشراف المباشر للمرممة ليلى ووالدها يوسف.ليلى كانت تقف في وسط القاعة الكبرى للمركز، تتابع اللمسات الأخيرة لتنسيق اللوحات والمجلدات فوق الطاولات الخشبية الطويلة. كانت علامات الشهر الثامن من الحمل واضحة جداً عليها، مما أضفى على حركتها وقاراً ورقة تليق بأم تحمل في أحشائها امتداداً عائلياً جديداً نبت من رحم المعاناة والظلام ليعيش في النور والحرية. كانت ترتدي ثوباً قطنياً واسعاً بلون الياقوت الأزرق الداكن، وتضع حزاماً حريرياً ناعماً فوق بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت خصلات شعرها البني تنسدل برفق على كتفيها وتتحر

  • احببتك وأنتهى الامر    ميثاق الحبر العتيق.. وأنفاس الربيع المؤجل

    كانت خيوط الفجر الأولى تشق عتمة الوادي ببطء، ملقية بظلال فضية على أسطح المنازل القرميدية، وموقظة أنفاس الأرض الطيبة التي تبللت بقطرات الندى الشتوي القارس. في ذلك الصباح، لم تكن الحركة في محيط مبنى البلدية القديم حركتها المعتادة؛ فقد كانت هناك شاحنة حكومية مغلقة تقف أمام الباب الخشبي الكبير، يحيط بها عدد من رجال الأمن التابعين للمعهد الوطني للفنون، والذين بدا عليهم الحرص الشديد وهم يتعاملون مع الصناديق الخشبية المتينة المبطنة بالمواد العازلة.ليلى كانت تقف في شرفة المركز العلوية، تراقب المشهد بنظرات يمتزج فيها الفخر بالقلق. كانت ترتدي ثوباً صوفياً دافئاً بلون الزعفران، وتضع يدها برفق فوق بطنها التي غدت بارزة بشكل واضح؛ فقد دخلت أسبوعها الأول من الشهر الثامن، وأصبحت كل حركة تقوم بها محكومة بغريزة الأمومة التي تبحث عن الاستقرار والنقاء. بجانبها، كان آدم يقف متيقظاً، وعيناه الزرقاوان تلاحقان تحركات الحراس بدقة، ليس خوفاً من هجوم عصابات "أخوية اللون" التي تشتت شملها، بل حرصاً على الأمانة التاريخية التي وضعت بين يدي زوجته اليوم."لقد وصلت المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا يا ليلى،" قال

  • احببتك وأنتهى الامر    ترانيم المطر الأول.. وخطوط الغد الواعد

    بدأت أنفاس الخريف ترحل ببطء عن الوادي الريفي، تاركة خلفها بساطاً من الأوراق الذهبية والمجففة التي تراقصت مع نسمات الشتاء الأول الصاحية. لم يكن الشتاء في هذا الريف البعيد يشبه شتاء المدن الكبرى؛ فلم تكن هناك غيوم إسمنتية محملة بغبار المصانع، ولم تكن هناك جدران باردة تعكس أصوات محركات السيارات الضخمة. هنا، كان الشتاء يبدأ برائحة حطب البلوط والزيتون الذي يشتعل في الموقد الحجري، وبتلك القطرات الصافية التي بدأت تدق على القبة الزجاجية للمرسم العلوي وكأنها تعزف سيمفونية السكينة التي طال انتظارها.ليلى كانت تقف في وسط المرسم، وقد تغيرت ملامح جسدها بشكل ملحوظ؛ فقد دخلت في شهرها السابع من الحمل، وباتت حركاتها أكثر رقة وتمهلاً، وكأنها تحمل داخل أحشائها أثمن وأرق لوحة فنية نذرت حياتها لحمايتها. كانت ترتدي ثوباً صوفياً فضفاضاً بلون المغرة الدافئ، وتضع شالاً أبيض حول كتفيها. يداها اللتان طالما تعاملتا مع المشارط الجراحية والأحماض الكيميائية الحارقة، كانت تلتفان الآن بنعومة حول بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت عيناها معلقتين بمسند الرسم الذي يحمل لوحة جديدة لم تكتمل تفاصيلها بعد.كانت اللوحة تمثل

  • احببتك وأنتهى الامر    حبات الحصاد.. وثبات اللون الأخير

    كان رذاذ الفجر يغسل أوراق شجر الزيتون الممتد على طول تلال الوادي، وكأن الطبيعة تشارك أهل هذا الريف الهادئ طقوس التطهير السنوية. بالنسبة لليلى، لم يعد الزمن يُقاس بدقات الساعات أو بمواعيد تسليم اللوحات المرممة لرجال المال والسلطة؛ بل صار يُقاس بتفتح زهور الياسمين البري، وبضحكات الأطفال التي أصبحت تملأ ردهات مبنى البلدية القديم كل صباح. لقد مرت أسابيع عديدة منذ افتتحوا مركز الفنون، وخلال تلك الفترة، شعرت ليلى بأن كل ضربة فرشاة يعلمونها لطفل صغير، كانت بمثابة بلسم يداوي جرحاً قديماً في روحها المثخنة.في ذلك الصباح الهادئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في شرفة منزلها الريفي الحجري، ترتدي رداءً صوفياً دافئاً بلون القمح، وتمسك بين يديها دفتراً صغيراً ذا غلاف جلدي عتيق. لم يكن دفتراً لتركيبات الأصباغ أو معادلات الكيمياء؛ بل كان دفتراً تدون فيه حكايات الأطفال، وأحلامهم الصغيرة التي يسكبونها فوق الطين والصلصال.تنحى الضباب ببطء لتظهر أشعة الشمس الذهب دافئة، وتنعكس فوق القبة الزجاجية للمرسم العلوي. انفتح الباب الخشبي المؤدي للشرفة، وخرج آدم يحمل طبقاً فخارياً مليئاً ب حبات التين المجفف وقطرات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status