Mag-log inاستيقظت ليلى في الصباح التالي وصداع خفيف يطارد صدغيها، كانت صور الليلة الماضية تمر أمام عينيها كشريط سينمائي مشوش لا يهدأ. رائحة عطره النفاذة، صوته الأجش الذي اخترق هدوءها، وتلك المواجهة الغريبة التي حدثت في عتمة الشرفة. حاولت بكل قوتها إقناع نفسها بأنها مجرد مصادفة عابرة، وأنها لن تراه مجدداً في مدينتها الكبيرة. ارتدت ملابس عملها الرسمية المكونة من قميص أبيض ناصع وبنطال أسود أنيق، وجمعت شعرها في كعكة منخفضة لتعطي لنفسها طابعاً من الجدية والقوة التي شعرت بضعفها بالأمس.
كان عليها التوجه إلى مقر شركة "الماسة" للاستثمارات، وهي أكبر عميل لشركتها المتخصصة في ترميم التحف واللوحات الأثرية. كانت المهمة كبيرة ومصيرية لمسيرتها المهنية؛ ترميم مجموعة من اللوحات النادرة التي تعود لقرون مضت، والموجودة في القصر الخاص لصاحب الشركة الغامض الذي لم يسبق لها رؤيته.
عندما دخلت المبنى الزجاجي الشاهق الذي يعانق السحاب، شعرت برهبة غير مسبوقة. الموظفون يتحركون كآلات دقيقة في صمت مهيب، والهدوء هنا له هيبة مرعبة توحي بالسطوة والنفوذ. صعدت في المصعد الزجاجي إلى الطابق الأخير حيث يقع مكتب المدير العام. وقفت أمام السكرتيرة التي طلبت منها الانتظار قليلاً ببرود عملي زاد من توترها.
"تفضلي يا آنسة ليلى، المدير بانتظاركِ الآن،" قالت السكرتيرة وهي تشير للباب الخشبي الضخم.
أخذت ليلى نفساً عميقاً، وحاولت تهدئة دقات قلبها التي بدأت تتسارع بلا سبب واضح، ثم فتحت الباب. في تلك اللحظة، تعثرت أنفاسها وتجمدت الدماء في عروقها بمجرد أن وقعت عيناها على الرجل الجالس خلف المكتب الضخم. لم يكن سوى هو.. "آدم".
كان يجلس بكل شموخ، يرتدي قميصاً أسوداً فاخراً وقد شمر عن ساعديه مبرزاً عروق يديه القوية، وكان منشغلاً ببعض الأوراق والمخططات، ولم يرفع نظره إليها فور دخولها وكأنها غير موجودة. استمر في القراءة لثوانٍ بدت لليلى كأنها دهر من الزمن، بينما كانت هي تحاول استجماع شتات نفسها والوقوف بثبات.
"لقد قلتِ بالأمس أنكِ لا تحبين المفاجآت ولا تفضلين كسر القواعد،" قال آدم بصوت منخفض ورخيم دون أن يرفع عينيه عن الورق، "لكن يبدو أن القدر يعشق تدمير خططكِ المثالية ووضعكِ في مواجهتي دائماً، أليس كذلك؟"
رفع نظره أخيراً، لتصطدم عيناه بعينيها. كانت نظراته تحمل ذلك البريق الساخر والمستفز الذي رأته بالأمس، لكنها بدت هنا أكثر سلطوية. تقدمت ليلى نحو المكتب بخطوات حاولت جعلها واثقة، ووضعت حقيبة أوراقها بحدة على سطح المكتب لتداري اهتزاز يدها. "السيد آدم.. هل أفهم من هذا أنك أنت العميل المجهول الذي طلب خدمات شركتنا بشكل عاجل؟"
أرجع ظهره إلى الكرسي الجلدي الفاخر، وشبك أصابعه ببرود تام وهو يراقب ردود فعل وجهها بدقة. "أنا لا أطلب الخدمات يا ليلى، أنا أختار الأشخاص الذين يمتلكون الموهبة للعمل تحت إشرافي. وقد وقع اختياري عليكِ شخصياً لترميم مجموعتي الخاصة، لأنني لا أأتمن أحداً على كنوزي بسهولة."
"هناك العشرات من المرممين الأكفاء والمشهورين في هذه المدينة،" ردت بمحاولة أخيرة للمقاومة والهروب من سحره الطاغي، "لماذا اخترتني أنا بالذات لهذه المهمة الحساسة؟"
نهض آدم من مقعده ببطء شديد كفهد يستعد للانقضاض، والتف حول المكتب حتى أصبح أمامها مباشرة، يفصل بينهما إنشات قليلة. كان طوله الفارع يشعرها بالضآلة، والتوتر الكهربائي بينهما عاد ليملأ الغرفة. "لأنني بالأمس في تلك الشرفة، رأيت في عينيكِ شيئاً لا يملكه هؤلاء الخبراء.. رأيت شغفاً نارياً مخبأً خلف هذا القناع البارد الذي ترتدينه الآن. وأنا يا ليلى، أعشق اكتشاف ما تختزنه الأرواح خلف الأقنعة."
شعرت ليلى بأن الهواء ينسحب من الغرفة، وأن محاصرته لها ليست جسدية فقط بل نفسية أيضاً. "سأقوم بعملي كمهنية ومحترفة فقط، سيد آدم. سيكون بيننا عقد واضح وشروط مهنية صارمة لا تتعدى حدود الترميم."
اقترب منها أكثر، لدرجة أنها شعرت بحرارة جسده ولفح أنفاسه على جبينها، وهس بصوت جعل كل خلية في جسدها ترتجف: "بالطبع.. شروط. وأول شروطي هو أن العمل لن يتم هنا في الشركة، بل في جناحي الخاص بقصري، لساعات متأخرة قد تمتد للفجر، ولن يسمح لأي طرف ثالث بالتدخل بيننا. فهل تمتلكين الشجاعة لقبول هذا التحدي، أم أنكِ تخشين من مواجهة مشاعركِ التي بدأت تظهر بالأمس؟"
كانت كلماته بمثابة إعلان حرب عاطفي. كانت تعلم جيداً أن قبول هذا العمل يعني تسليم نفسها لسيطرته، لكن كبرياءها المشتعل لم يسمح لها بالانسحاب أو إظهار الخوف.
"أنا لا أخشى التحديات، ولا أخشى العمل تحت أي ظروف، سيد آدم. سأحضر معداتي غداً في الموعد."
ابتسم ابتسامة غامضة لم تصل لعينيه، ثم مال نحو أذنها وهمس بكلمات تركتها في حالة ذهول: "غداً إذن.. ولكن تذكري شيئاً واحداً، بمجرد دخولكِ بوابات قصري، تصبح قواعدي هي القانون الوحيد الذي يحكم المكان.. أحببتِ ذلك أم كرهتِ، لقد انتهى الأمر وصار قراركِ بيدكِ الآن."
خرجت ليلى من المكتب وهي تشعر بأن الأرض تميد بها. لم تكن مجرد وظيفة عادية، كانت تعلم في أعماقها أنها دخلت طواعية في لعبة آدم الخطيرة، لعبة قد تخرج منها محطمة القلب أو فاقدة لكل ما تؤمن به من مبادئ.
مع شروق شمس اليوم الأخير من شهر مايو، بدا وكأن الوادي بأكمله قد ارتدى حلة من الضياء الأرجواني والذهبي الخالص، ليحتفل بالنهاية السعيدة لقصة بدأت بالدموع والمطاردات وانتهت بالسلام والبناء. في ذلك الصباح الدافئ، كانت ليلى تجلس في أعلى نقطة من مرسمها العلوي تحت القبة الزجاجية الضخمة، تمسك بيدها دفتراً كبيراً مجلداً بجلد الغزال الطبيعي، دُونت على صفحتيه الأولى عبارة خطتها بيدها قبل سنوات: "الترميم ليس إخفاءً للندوب، بل هو اعتراف برحلة الصمود".لقد كان هذا اليوم مميزاً للغاية؛ فاليوم يكتمل العقد الأول لتأسيس "مركز زنبق الوادي للفنون"، واليوم أيضاً يبلغ ابنها البكر "يوسف" عامه العاشر، بينما تتراقص شقيقتها الصغرى "نور" في الثامنة من عمرها بين حقول اللافندر والزيتون المحيطة بالمنزل الحجري. لم تعد ليلى تلك الفتاة الخائفة التي تلتفت وراءها في مطارات أوروبا؛ بل غدت امرأة تشع بالحكمة والوقار الجليل، ومرممة عالمية يشار إليها بالبنان كرمز للنزاهة والأمانة الفنية والأخلاقية.نظرت ليلى إلى اللوحة الضخمة التي تتوسط المرسم، والتي أطلقت عليها اسم "الطرس الخالد". كانت اللوحة تجمع بين ماضيها وحاضرها؛ تظهر
مرت تسع سنوات كاملة على ذلك اليوم المشمس الذي شهد تسليم المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا، تسع سنوات تحول فيها وادي الزيتون الهادئ من مجرد ملجأ ريفي منسي إلى منارة عالمية يَقصدها عشاق الفن النزيه وطلاب المعرفة من كل حدب وصوب. لم يعد مركز "زنبق الوادي" مجرد قاعة صغيرة في مبنى البلدية القديم؛ بل امتدت أروقته لتشمل ثلاثة أجنحة حجرية جديدة بُنيت بالكامل من صخور الجبال المحيطة، وتوجت بأسقف زجاجية ضخمة تسمح لضوء الشمس بالتدفق بحرية، كأنه يبارك العمل الإنساني النبيل الذي يجري بالداخل.في ذلك الصباح الدافئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في وسط الجناح المخصص لترميم اللوحات القماشية القديمة. لقد أضفتْ عليها السنوات نضجاً ووقاراً جليلاً؛ فملامحها التي كانت تحمل آثار الخوف والمطاردات في الماضي، غدت الآن تشع بسلام داخلي عميق وصافٍ كالمياه الجبلية. كانت ترتدي ثوباً طويلاً من الكتان المغزول يدوياً بلون الأرض، وتضع حول عنقها تلك القلادة الخشبية البسيطة المنحوكة من خجرة الزيتون، والتي باتت رمزاً لإدارتها للمركز.لم تكن ليلى وحدها في القاعة؛ فبجانبها كان يقف طفل في الثامنة من عمره، يملك عينين زرق
كانت أنفاس الربيع المتأخر تمتزج بحرارة الصيف القادم، لتغزل فوق وادي الزيتون وشاحاً من النور والبهجة لم يشهد له أهالي هذا الريف مثيلاً منذ عقود. في ذلك الصباح المشمس من أواخر شهر مايو، بدت الساحة الكبرى المقابلة لمبنى البلدية القديم وكأنها خلية نحل تضج بالحياة والحركة؛ فقد كان هذا اليوم هو يوم الحفل الختامي الكبير لـ "مركز زنبق الوادي للفنون والترميم البسيط"، واليوم الذي ستُسلم فيه المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا بعد أن اكتمل ترميمها بالكامل بأيدي شباب وأطفال القرية وتحت الإشراف المباشر للمرممة ليلى ووالدها يوسف.ليلى كانت تقف في وسط القاعة الكبرى للمركز، تتابع اللمسات الأخيرة لتنسيق اللوحات والمجلدات فوق الطاولات الخشبية الطويلة. كانت علامات الشهر الثامن من الحمل واضحة جداً عليها، مما أضفى على حركتها وقاراً ورقة تليق بأم تحمل في أحشائها امتداداً عائلياً جديداً نبت من رحم المعاناة والظلام ليعيش في النور والحرية. كانت ترتدي ثوباً قطنياً واسعاً بلون الياقوت الأزرق الداكن، وتضع حزاماً حريرياً ناعماً فوق بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت خصلات شعرها البني تنسدل برفق على كتفيها وتتحر
كانت خيوط الفجر الأولى تشق عتمة الوادي ببطء، ملقية بظلال فضية على أسطح المنازل القرميدية، وموقظة أنفاس الأرض الطيبة التي تبللت بقطرات الندى الشتوي القارس. في ذلك الصباح، لم تكن الحركة في محيط مبنى البلدية القديم حركتها المعتادة؛ فقد كانت هناك شاحنة حكومية مغلقة تقف أمام الباب الخشبي الكبير، يحيط بها عدد من رجال الأمن التابعين للمعهد الوطني للفنون، والذين بدا عليهم الحرص الشديد وهم يتعاملون مع الصناديق الخشبية المتينة المبطنة بالمواد العازلة.ليلى كانت تقف في شرفة المركز العلوية، تراقب المشهد بنظرات يمتزج فيها الفخر بالقلق. كانت ترتدي ثوباً صوفياً دافئاً بلون الزعفران، وتضع يدها برفق فوق بطنها التي غدت بارزة بشكل واضح؛ فقد دخلت أسبوعها الأول من الشهر الثامن، وأصبحت كل حركة تقوم بها محكومة بغريزة الأمومة التي تبحث عن الاستقرار والنقاء. بجانبها، كان آدم يقف متيقظاً، وعيناه الزرقاوان تلاحقان تحركات الحراس بدقة، ليس خوفاً من هجوم عصابات "أخوية اللون" التي تشتت شملها، بل حرصاً على الأمانة التاريخية التي وضعت بين يدي زوجته اليوم."لقد وصلت المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا يا ليلى،" قال
بدأت أنفاس الخريف ترحل ببطء عن الوادي الريفي، تاركة خلفها بساطاً من الأوراق الذهبية والمجففة التي تراقصت مع نسمات الشتاء الأول الصاحية. لم يكن الشتاء في هذا الريف البعيد يشبه شتاء المدن الكبرى؛ فلم تكن هناك غيوم إسمنتية محملة بغبار المصانع، ولم تكن هناك جدران باردة تعكس أصوات محركات السيارات الضخمة. هنا، كان الشتاء يبدأ برائحة حطب البلوط والزيتون الذي يشتعل في الموقد الحجري، وبتلك القطرات الصافية التي بدأت تدق على القبة الزجاجية للمرسم العلوي وكأنها تعزف سيمفونية السكينة التي طال انتظارها.ليلى كانت تقف في وسط المرسم، وقد تغيرت ملامح جسدها بشكل ملحوظ؛ فقد دخلت في شهرها السابع من الحمل، وباتت حركاتها أكثر رقة وتمهلاً، وكأنها تحمل داخل أحشائها أثمن وأرق لوحة فنية نذرت حياتها لحمايتها. كانت ترتدي ثوباً صوفياً فضفاضاً بلون المغرة الدافئ، وتضع شالاً أبيض حول كتفيها. يداها اللتان طالما تعاملتا مع المشارط الجراحية والأحماض الكيميائية الحارقة، كانت تلتفان الآن بنعومة حول بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت عيناها معلقتين بمسند الرسم الذي يحمل لوحة جديدة لم تكتمل تفاصيلها بعد.كانت اللوحة تمثل
كان رذاذ الفجر يغسل أوراق شجر الزيتون الممتد على طول تلال الوادي، وكأن الطبيعة تشارك أهل هذا الريف الهادئ طقوس التطهير السنوية. بالنسبة لليلى، لم يعد الزمن يُقاس بدقات الساعات أو بمواعيد تسليم اللوحات المرممة لرجال المال والسلطة؛ بل صار يُقاس بتفتح زهور الياسمين البري، وبضحكات الأطفال التي أصبحت تملأ ردهات مبنى البلدية القديم كل صباح. لقد مرت أسابيع عديدة منذ افتتحوا مركز الفنون، وخلال تلك الفترة، شعرت ليلى بأن كل ضربة فرشاة يعلمونها لطفل صغير، كانت بمثابة بلسم يداوي جرحاً قديماً في روحها المثخنة.في ذلك الصباح الهادئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في شرفة منزلها الريفي الحجري، ترتدي رداءً صوفياً دافئاً بلون القمح، وتمسك بين يديها دفتراً صغيراً ذا غلاف جلدي عتيق. لم يكن دفتراً لتركيبات الأصباغ أو معادلات الكيمياء؛ بل كان دفتراً تدون فيه حكايات الأطفال، وأحلامهم الصغيرة التي يسكبونها فوق الطين والصلصال.تنحى الضباب ببطء لتظهر أشعة الشمس الذهب دافئة، وتنعكس فوق القبة الزجاجية للمرسم العلوي. انفتح الباب الخشبي المؤدي للشرفة، وخرج آدم يحمل طبقاً فخارياً مليئاً ب حبات التين المجفف وقطرات
كانت الأمطار في الخارج لا تزال تضرب نوافذ القصر العالية بعنف، محدثة إيقاعاً رتيباً زاد من وحشة المكان وهيبته. ساد هدوء ثقيل داخل القاعة الكبرى، هدوء لا يكسره سوى طقطقة الشموع التي بدأت تذوب وتلفظ أنفاسها الأخيرة في الشمعدان النحاسي. كانت ليلى واقفة أمام اللوحة الممزقة، يدها ترتجف وهي تمسك بالفرشاة
لم يكن الصباح التالي في القصر عادياً على الإطلاق، فقد كسر سكون المكان وصول سيارة سوداء فارهة لم تكن تابعة لأسطول سيارات آدم. راقبت ليلى من خلف ستائر نافذة غرفتها خروج رجل غريب، يبدو في أواخر الثلاثينيات، يفوح منه الثراء الفاحش والغطرسة التي تضاهي غطرسة آدم. رأت آدم يستقبله ببرود شديد وتصلب في وقفته
بعد خروج آدم من القاعة، ظلت ليلى واقفة في مكانها، أنفاسها لا تزال مضطربة وصورة عينيه المحترقتين بتملك غريب لا تفارق خيالها. شعرت وكأن الهواء في القصر أصبح فجأة محملاً بذرات من الكهرباء لا تهدأ، وكأن الجدران نفسها تشهد على ذلك الانهيار الذي حدث في حصونها النفسية. لم تستطع العودة للعمل على اللوحة بتر
مرت شهور العاصفة ثقيلة، شهور لم تكن فيها ليلى مجرد مرممة لوحات في قصر مهجور ومعزول عن العالم، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حكاية آدم المظلمة التي ترويها الجدران الصامتة. نجحت ليلى في مهمتها المستحيلة؛ أعادت الحياة لوجه والدته في تلك اللوحة الممزقة، لتعيد معها بصيصاً من النور لروح آدم المحطمة، لكنها ف







