Share

احببتك وأنتهى الامر
احببتك وأنتهى الامر
Author: عشق ليلى

الاصطدام في العتمه

last update publish date: 2026-04-23 20:29:23

كانت أضواء الحفل تتراقص أمام عيني "ليلى" كخيوط من ذهب مشوش، وصخب الموسيقى يضغط على أعصابها التي أصبحت مشدودة كأوتار الكمان. لم تكن من محبي هذه الأجواء الرسمية، حيث يرتدي الجميع أقنعة من الابتسامات الزائفة.

انسحبت بهدوء نحو الشرفة الواسعة، حيث يمتد سواد الحديقة ليحتضن تعبها. استندت بيديها الرقيقتين على السور الرخامي البارد، وأغمضت عينيها تستنشق هواء الليل العليل.. وفجأة، تبدد سكون المكان. لم تسمع وقع أقدام، بل شعرت بحضور طاغٍ غيّر كثافة الهواء حولها.

رائحة عطر رجالي غريبة.. مزيج من التبغ الفاخر والعود المعتق، تسللت إلى حواسها قبل أن يكسر الصمت صوت رجالي أجش، هادئ ولكنه يحمل نبرة أمر:

"الهروب من الحفلات مهارة لا يتقنها إلا من يخفي في قلبه سراً عظيماً، يا آنسة ليلى."

تسمرت دماء ليلى في عروقها. كيف يعرف اسمها؟ التفتت ببطء، لتجد أمامها رجلاً فارع الطول، يرتدي بدلة سوداء كأنها نُسجت من خيوط الليل نفسه. كانت عيناه حادتين، تلمعان ببريق غامض تحت ضوء القمر. كان هو.. "آدم"، الرجل الذي يتحدث عنه الجميع بهمس، والآن يقف أمامها مباشرة، يخترق نظراتها ببرود مرعب.

م تكن نظراته مجرد نظرات عابرة، بل كانت تشبه النصال التي تخترق دروعها التي قضت سنوات في بنائها. حاولت "ليلى" استعادة رباطة جأشها، رفعت ذقنها قليلاً وقالت بنبرة حاولت جعلها حادة: "السيد آدم.. لم أكن أعلم أن مراقبة الضيوف في الشرفات المظلمة هي إحدى هواياتك المفضلة."

رسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، تقدم خطوة أخرى مما جعلها تتراجع لتلتصق ببرودة الرخام خلفها. "ليست مراقبة الضيوف، بل مراقبة التفاصيل. وأنتِ يا آنسة ليلى، تفصيلة غير متوقعة في حفل ممل كهذا."

ساد الصمت لثوانٍ بدت كأنها دهر. كانت الموسيقى بالداخل قد تحولت إلى معزوفة أكثر صخباً، لكن هنا، في هذه البقعة المعزولة، لم يكن هناك سوى صوت أنفاسهما المضطربة وصوت حفيف الأشجار. شعرت ليلى بخطورة الموقف؛ هذا الرجل يمتلك حضوراً يغلق كل طرق الهروب.

"أعتقد أنني تأخرت، عليّ العودة للداخل،" قالت وهي تحاول التحرك من جانبه، لكن يده امتدت فجأة لتستند إلى السور بجانب كتفها، محاصرةً إياها بذكاء. كانت أصابعه قريبة من خصلات شعرها المنسدلة، ولفح حرارة كفه بشرتها الباردة.

"لماذا العجلة؟" همس بصوت منخفض جعل قلبها ينتفض. "الجميع بالداخل يبحثون عن صفقات وعلاقات مزيفة، بينما هنا.. هنا يوجد شيء حقيقي لأول مرة منذ زمن."

نظرت في عينيه مباشرة، كانت تحاول قراءة ما وراء ذلك القناع الجليدي، لكنها لم تجد سوى لغز أكبر. آدم لم يكن مجرد رجل أعمال ثري، كانت هناك هالة من الخطر تحيط به، خطر يجذبها بقدر ما ينفرها.

"ماذا تريد مني يا آدم؟" سألت بصدق مفاجئ، وكأنها خلعت قناع الرسميات.

صغر عينيه قليلاً، ومال برأسه نحوها، لثوانٍ ظنت أنه سيقول شيئاً رومانسياً، لكنه قال بنبرة غامضة: "أريد أن أرى إلى أي مدى ستصمد هذه المثالية التي تتظاهرين بها عندما تكتشفين أن القدر لا يعترف بالخطط الواضحة."

تركها فجأة وابتعد، عائداً نحو أنوار الحفل بخطوات ثابتة وواثقة، تاركاً إياها في العتمة، بقلب ينبض بجنون، ورائحة عطر لا تزال تملأ رئتيها.. وفي عقلها سؤال واحد لا يهدأ: كيف بدأ هذا؟ وكيف سينتهي؟

لم تكن تعلم ليلى حينها، أن تلك المواجهة كانت مجرد الطلقة الأولى في حرب عاطفية ستغير مجرى حياتها للأبد. عادت إلى منزلها تلك الليلة، لكنها لم تستطع النوم. كانت ملامح آدم محفورة في ذاكرتها، وصوته يتردد كصدى لا يختفي. في تلك اللحظة، شعرت لأول مرة بضعفها، وبأن حصونها قد بدأت فعلياً في الانهيار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • احببتك وأنتهى الامر    تراتيل العصر الجديد.. وظلال الزنبق الممتد

    مرت تسع سنوات كاملة على ذلك اليوم المشمس الذي شهد تسليم المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا، تسع سنوات تحول فيها وادي الزيتون الهادئ من مجرد ملجأ ريفي منسي إلى منارة عالمية يَقصدها عشاق الفن النزيه وطلاب المعرفة من كل حدب وصوب. لم يعد مركز "زنبق الوادي" مجرد قاعة صغيرة في مبنى البلدية القديم؛ بل امتدت أروقته لتشمل ثلاثة أجنحة حجرية جديدة بُنيت بالكامل من صخور الجبال المحيطة، وتوجت بأسقف زجاجية ضخمة تسمح لضوء الشمس بالتدفق بحرية، كأنه يبارك العمل الإنساني النبيل الذي يجري بالداخل.في ذلك الصباح الدافئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في وسط الجناح المخصص لترميم اللوحات القماشية القديمة. لقد أضفتْ عليها السنوات نضجاً ووقاراً جليلاً؛ فملامحها التي كانت تحمل آثار الخوف والمطاردات في الماضي، غدت الآن تشع بسلام داخلي عميق وصافٍ كالمياه الجبلية. كانت ترتدي ثوباً طويلاً من الكتان المغزول يدوياً بلون الأرض، وتضع حول عنقها تلك القلادة الخشبية البسيطة المنحوكة من خجرة الزيتون، والتي باتت رمزاً لإدارتها للمركز.لم تكن ليلى وحدها في القاعة؛ فبجانبها كان يقف طفل في الثامنة من عمره، يملك عينين زرق

  • احببتك وأنتهى الامر    الحصاد الذهبي.. وأنفاس النور الأخير

    كانت أنفاس الربيع المتأخر تمتزج بحرارة الصيف القادم، لتغزل فوق وادي الزيتون وشاحاً من النور والبهجة لم يشهد له أهالي هذا الريف مثيلاً منذ عقود. في ذلك الصباح المشمس من أواخر شهر مايو، بدت الساحة الكبرى المقابلة لمبنى البلدية القديم وكأنها خلية نحل تضج بالحياة والحركة؛ فقد كان هذا اليوم هو يوم الحفل الختامي الكبير لـ "مركز زنبق الوادي للفنون والترميم البسيط"، واليوم الذي ستُسلم فيه المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا بعد أن اكتمل ترميمها بالكامل بأيدي شباب وأطفال القرية وتحت الإشراف المباشر للمرممة ليلى ووالدها يوسف.ليلى كانت تقف في وسط القاعة الكبرى للمركز، تتابع اللمسات الأخيرة لتنسيق اللوحات والمجلدات فوق الطاولات الخشبية الطويلة. كانت علامات الشهر الثامن من الحمل واضحة جداً عليها، مما أضفى على حركتها وقاراً ورقة تليق بأم تحمل في أحشائها امتداداً عائلياً جديداً نبت من رحم المعاناة والظلام ليعيش في النور والحرية. كانت ترتدي ثوباً قطنياً واسعاً بلون الياقوت الأزرق الداكن، وتضع حزاماً حريرياً ناعماً فوق بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت خصلات شعرها البني تنسدل برفق على كتفيها وتتحر

  • احببتك وأنتهى الامر    ميثاق الحبر العتيق.. وأنفاس الربيع المؤجل

    كانت خيوط الفجر الأولى تشق عتمة الوادي ببطء، ملقية بظلال فضية على أسطح المنازل القرميدية، وموقظة أنفاس الأرض الطيبة التي تبللت بقطرات الندى الشتوي القارس. في ذلك الصباح، لم تكن الحركة في محيط مبنى البلدية القديم حركتها المعتادة؛ فقد كانت هناك شاحنة حكومية مغلقة تقف أمام الباب الخشبي الكبير، يحيط بها عدد من رجال الأمن التابعين للمعهد الوطني للفنون، والذين بدا عليهم الحرص الشديد وهم يتعاملون مع الصناديق الخشبية المتينة المبطنة بالمواد العازلة.ليلى كانت تقف في شرفة المركز العلوية، تراقب المشهد بنظرات يمتزج فيها الفخر بالقلق. كانت ترتدي ثوباً صوفياً دافئاً بلون الزعفران، وتضع يدها برفق فوق بطنها التي غدت بارزة بشكل واضح؛ فقد دخلت أسبوعها الأول من الشهر الثامن، وأصبحت كل حركة تقوم بها محكومة بغريزة الأمومة التي تبحث عن الاستقرار والنقاء. بجانبها، كان آدم يقف متيقظاً، وعيناه الزرقاوان تلاحقان تحركات الحراس بدقة، ليس خوفاً من هجوم عصابات "أخوية اللون" التي تشتت شملها، بل حرصاً على الأمانة التاريخية التي وضعت بين يدي زوجته اليوم."لقد وصلت المخطوطات الأثرية لكنيسة القديس يوحنا يا ليلى،" قال

  • احببتك وأنتهى الامر    ترانيم المطر الأول.. وخطوط الغد الواعد

    بدأت أنفاس الخريف ترحل ببطء عن الوادي الريفي، تاركة خلفها بساطاً من الأوراق الذهبية والمجففة التي تراقصت مع نسمات الشتاء الأول الصاحية. لم يكن الشتاء في هذا الريف البعيد يشبه شتاء المدن الكبرى؛ فلم تكن هناك غيوم إسمنتية محملة بغبار المصانع، ولم تكن هناك جدران باردة تعكس أصوات محركات السيارات الضخمة. هنا، كان الشتاء يبدأ برائحة حطب البلوط والزيتون الذي يشتعل في الموقد الحجري، وبتلك القطرات الصافية التي بدأت تدق على القبة الزجاجية للمرسم العلوي وكأنها تعزف سيمفونية السكينة التي طال انتظارها.ليلى كانت تقف في وسط المرسم، وقد تغيرت ملامح جسدها بشكل ملحوظ؛ فقد دخلت في شهرها السابع من الحمل، وباتت حركاتها أكثر رقة وتمهلاً، وكأنها تحمل داخل أحشائها أثمن وأرق لوحة فنية نذرت حياتها لحمايتها. كانت ترتدي ثوباً صوفياً فضفاضاً بلون المغرة الدافئ، وتضع شالاً أبيض حول كتفيها. يداها اللتان طالما تعاملتا مع المشارط الجراحية والأحماض الكيميائية الحارقة، كانت تلتفان الآن بنعومة حول بطنها الممتلئة بالحياة، بينما كانت عيناها معلقتين بمسند الرسم الذي يحمل لوحة جديدة لم تكتمل تفاصيلها بعد.كانت اللوحة تمثل

  • احببتك وأنتهى الامر    حبات الحصاد.. وثبات اللون الأخير

    كان رذاذ الفجر يغسل أوراق شجر الزيتون الممتد على طول تلال الوادي، وكأن الطبيعة تشارك أهل هذا الريف الهادئ طقوس التطهير السنوية. بالنسبة لليلى، لم يعد الزمن يُقاس بدقات الساعات أو بمواعيد تسليم اللوحات المرممة لرجال المال والسلطة؛ بل صار يُقاس بتفتح زهور الياسمين البري، وبضحكات الأطفال التي أصبحت تملأ ردهات مبنى البلدية القديم كل صباح. لقد مرت أسابيع عديدة منذ افتتحوا مركز الفنون، وخلال تلك الفترة، شعرت ليلى بأن كل ضربة فرشاة يعلمونها لطفل صغير، كانت بمثابة بلسم يداوي جرحاً قديماً في روحها المثخنة.في ذلك الصباح الهادئ من أواخر شهر مايو، كانت ليلى تقف في شرفة منزلها الريفي الحجري، ترتدي رداءً صوفياً دافئاً بلون القمح، وتمسك بين يديها دفتراً صغيراً ذا غلاف جلدي عتيق. لم يكن دفتراً لتركيبات الأصباغ أو معادلات الكيمياء؛ بل كان دفتراً تدون فيه حكايات الأطفال، وأحلامهم الصغيرة التي يسكبونها فوق الطين والصلصال.تنحى الضباب ببطء لتظهر أشعة الشمس الذهب دافئة، وتنعكس فوق القبة الزجاجية للمرسم العلوي. انفتح الباب الخشبي المؤدي للشرفة، وخرج آدم يحمل طبقاً فخارياً مليئاً ب حبات التين المجفف وقطرات

  • احببتك وأنتهى الامر    تراتيل الطين.. وبراعم النور في الوادي

    كانت زقزقة العصافير الصباحية تمتزج بخشخشة أوراق أشجار اللوز والزيتون، لتعزف لحناً يملأ أرجاء الوادي الريفي ببهجة افتقدتها ليلى لسنوات طويلة. في ذلك الصباح من أواخر شهر مايو، لم تستيقظ ليلى على صوت إنذار أو هاتف مشفر يحمل في طياته تهديداً جديداً، بل استيقظت على رائحة الخبز الطازج الذي كان يوسف يخبزه في الموقد الحجري بالأسفل، وعلى ضوء الشمس الدافئ الذي كان ينسكب من القبة الزجاجية لمرسمها ليغسل وجهها بنور ناصع وبكر.وقفت ليلى أمام المرآة الخشبية البسيطة، ورتبت خصلات شعرها بنعومة. ارتدت ثوباً قطنياً طويلاً بلون ترابي دافئ، وعلقت في رقبتها السلسلة الذهبية التي لم تعد تحمل رقاقات كريستالية أو أسراراً دولية، بل أصبحت مجرد تذكار من ماضٍ سحيق عبرته بقوة وثبات. نزلت الدرج الخشبي لتجد آدم ويوسف بانتظارها، وكان الحماس يملأ وجهيهما؛ فاليوم هو يوم افتتاح "مركز زنبق الوادي للفنون والترميم البسيط" لأطفال القرية."هل أنتِ مستعدة يا مديرة المركز؟" سأل آدم وهو يقدم لها كوباً من الحليب الدافئ المحلى بعسل الجبل. كانت عيناه تشعان بالفخر، فقد قضى الأسبوع الماضي بأكمله يساعد عمال القرية في طلاء القاعة القديم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status