LOGINقضيتُ ثلاثة أيام أحفظ حياةً لم أعشها.
كان يزن يجلس قبالتي كل مساء في المكتبة، ويلقي عليّ الأسئلة كمعلّمٍ صارم: ما اسم الحلوى التي كنتِ تحبّينها في السابعة؟ في أيّ صيفٍ كسرتُ ساقي؟ ما اللعبة التي ضربتُ بها الولد الذي أزعجكِ؟ أجيب فيصحّح، ويكرّر، ثم يبتسم ابتسامةً صغيرة إذا أصبتُ، فأكره نفسي لأنني أنتظر تلك الابتسامة.
— أنتِ تحفظين جيدًا، قال في الليلة الأخيرة. لكنّكِ لا تكذبين جيدًا.
— وما الفرق؟
— الحافظ يردّد ما قيل له. أما الكاذب الجيّد فيضيف تفصيلةً لم يقلها أحد، فتبدو الحكاية حيّة.
— وأنت كاذبٌ جيد؟
نظر إليّ طويلًا، وقال دون أن يبتسم:
— كنتُ مضطرًّا أن أصير كذلك.
بيت عمّ سالم لم يتغيّر. نفس الباب الخشبيّ الأخضر الذي تقشّر دهانه، ونفس الحديقة الصغيرة بشجرة التوت العجوز، وإن كان صاحبه قد انتقل إلى فيلّا متواضعة بعد أن باع بناية شبرا القديمة. لكنني حين دخلتُ، ضربتني رائحة الليمون والنعناع المجفّف كصفعة ذاكرةٍ جميلة ومؤلمة.
كان في الثامنة والسبعين، نحيلًا كغصنٍ يابس، يتّكئ على عصا من خشب الأبنوس، ويرتدي نظّارةً سميكة تضخّم عينيه فتبدوان كعينَي بومة. حين رآني عند الباب تجمّد في مكانه، وسقطت يده عن مقبض العصا.
— هدى؟ — خرج صوته مرتجفًا.
— أنا لينا يا عمّ سالم. ابنتها.
— لينا... طبعًا. — مسح وجهه بكفّه وضحك ضحكةً قصيرة. — الله يرحمني، ظننتُكِ... إنّكِ تشبهينها حتى في وقفتكِ.
لم أجد ما أقوله. ضمّني بعصاه وذراعه المرتعشة، وشعرتُ برائحة التبغ القديم في ثيابه. ثم رفع نظره إلى يزن الذي كان يقف خلفي، وقد وضع يده على ظهري بحميميّةٍ دقيقة محسوبة.
— وهذا؟
— يزن القاسمي، عمّ سالم، — قال يزن بأدب. — خطيب لينا.
— خطيبها؟ — ارتفع حاجبا الرجل. — أتعرفان بعضكما من زمن؟
— من أيام شبرا، — قلتُ، وسحبني يزن إلى جانبه فجأةً، وطبع قبلةً خفيفة على صدغي، وأنا أحسّ بأنّ شفتيه تبقيان عليّ لحظةً أطول من المعتاد.
لم أفهم القبلة إلا حين رفعتُ عينيّ، فرأيتُ يد عمّ سالم تتشنّج على عصاه. كانت ملامحه تتبدّل كأنها تمرّ بسلسلةٍ من الأقنعة: دهشة، ثم خوف، ثم ابتسامةٌ مفتعلة.
كانت القبلة اختبارًا. وكان عمّ سالم هو الورقة.
وفهمتُ، وأنا أبتسم على حدّ السكّين، أنّ كل لمسةٍ ستمرّ بيننا من الآن فصاعدًا لن تكون لمسة. ستكون سؤالًا يُلقى في وجه رجلٍ يخبّئ جوابًا، وأنا الورقة التي تُحرَّك ليسقط الظلّ على وجوه الآخرين. ولم أعرف أيّ شعورٍ أسوأ: أن أكون أداة، أم أن يكون الدفء في كفّه حقيقيًّا.
جلسنا إلى مائدةٍ صغيرة في الصالون، وقدّم لنا الرجل الشاي بالنعناع بيدٍ ثابتةٍ على غير المتوقع. تحدّث عن المرحلة القديمة بحنين، وعن البناية التي هُدمت لتصير برجًا، وعن الجيران الذين لم يبقَ منهم أحد. كنتُ أضحك حين يتوجّب عليّ الضحك، وأضع يدي في يد يزن حين يتطلّب الدور، وأنا أرى في زاوية عيني كيف يُراقب الشيخ كل حركة.
وفجأة وضع كوبه وقال بنبرةٍ عفويّة:
— قولا لي، ما اسم القطّة السوداء التي كنتِ تطعمينها يا لينا؟
— ميمي، — قلتُ فورًا. كانت إجابةً حقيقية، لا من الألبوم ولا من التدريب.
— صحيح. وأنت يا ابني، — التفت إلى يزن بابتسامةٍ بريئة، — ما اسم الكلب الذي كان ينبح على السطح؟
تجمّد الهواء بيننا. كنتُ أعرف الجواب، وأعرف أنّه فخّ. لم يكن في بناية شبرا كلب قط.
ابتسم يزن بهدوءٍ تام.
— لم يكن في البناية كلب يا عمّ. كانت هناك قطّتان وببغاء يشتم الجيران.
انفجر الشيخ ضاحكًا، وضرب الطاولة بكفّه.
— صدقتَ يا ولد! كان الببغاء يشتمني أنا بالذات. نجحتَ في الاختبار.
زفرتُ نَفَسًا لم أنتبه إلى أنني حبسته. وشعرتُ بأنّ يد يزن تضغط على يدي ضغطةً صغيرة: «أحسنتِ».
كان الشيخ لا يزال يضحك، لكنني لاحظتُ أنّ ضحكته أقصر من أن تكون صادقة، وأنّ عينيه ما زالتا تبحثان عن شيءٍ في وجهي. وحين التقت نظراتنا قال بصوتٍ خافت، كأنه يكلّم نفسه: «لقد كبرتِ سريعًا يا صغيرة». وكان في الجملة شيءٌ يشبه الرثاء.
حين نهضتُ لأحمل الصينيّة إلى المطبخ، تبعني الشيخ بعصاه. أغلق الباب خلفنا بخفّة، وهمس بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
— لينا. اسمعيني بسرعة.
كانت يداه ترتجفان، وعيناه الكبيرتان خلف العدستين مبلّلتان.
— أنتِ ابنة هدى. أعرفكِ من ظلّكِ على الحائط. لكنكِ لا تعرفين مع مَن جئتِ. اهربي منه. أبوه هو الذي...
دوّى صوت خطواتٍ في الممرّ، فانقطع الكلام. دخل يزن بابتسامةٍ هادئة، وفي عينيه نظرةٌ لا تنخدع.
— هل أساعدكما؟
— لا يا بنيّ، — قال الشيخ بصوتٍ مرتفع، مبتسمًا ابتسامةً مرتعشة. — كنتُ أُريها صورة قديمة.
وفي الباب، حين ودّعنا، ضمّني عمّ سالم، ودسّ شيئًا في جيب سترتي دون أن يراه أحد.
لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق
كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي
وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا
وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.
قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن