LOGINعدتُ إلى الطابق الأربعين بعد عشر دقائق، وفي يدي الورقة التي كادت أصابعي تمزّقها.
لم أطرق الباب. اندفعتُ إلى المكتب فوجدتُ يزن واقفًا أمام الواجهة الزجاجية، يداه في جيبيه، وكأنه كان ينتظر عودتي منذ لحظة خروجي. لم يلتفت.
— قلتَ إنّ الأسباب في الملحق. أريد أسبابًا حقيقية، لا سطرًا واحدًا بخطّ اليد.
— تفضّلي، اجلسي.
— لن أجلس. — رميتُ الورقة على المكتب. — كيف تعرف أنّهم كانوا في بيتنا تلك الليلة؟ أنا فقط التي أعرف ذلك، وأنا طفلة في الحادية عشرة لم يصدّقني أحد. قلتُ للشرطة إنني رأيتُ ثلاثة غرباء في الصالة قبل أن أنام، فقالوا إنني أحلم، وإنّ الجميع غادروا قبل منتصف الليل.
استدار يزن ببطء. كانت عيناه الرماديّتان أهدأ مما ينبغي.
— لأنني أعرف أنّكِ لم تكوني تحلمين.
— وكيف؟
— لأنني أتتبّع قضية اختفاء أمّكِ منذ سنتين. — سحب كرسيّه وجلس، وأشار إليّ بيده فلم أتحرك. — أقرأ المحاضر القديمة كلّها. ثلاثتهم أدلوا بالشهادة نفسها تقريبًا، بالكلمات نفسها، كأنهم حفظوها من نصّ واحد: ذهبنا إلى بيت السيدة هدى لتسوية خلافٍ حول عقد الإيجار، وغادرنا قبل منتصف الليل، ولم نرَها بعد ذلك. ثلاثة أشخاص لا تجمعهم صلةٌ ظاهرة، ويروون قصةً متطابقةً حتى في الفواصل.
— وأنا الوحيدة التي قالت العكس.
— وأنتِ الوحيدة التي قالت الحقيقة. أو هكذا أظنّ.
شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخونانني، فجلستُ على الكرسيّ المقابل وأنا أضغط على بطني بيدي. خمس عشرة سنة وأنا أحمل هذه الجملة كحجرٍ في جوفي: «لقد رأيتُهم». وها هو رجلٌ غريب يضعها أمامي على المكتب كأنها وثيقة بيع.
تذكّرتُ تلك الليلة بتفاصيل لا تموت: رائحة الشاي بالنعناع، وصوت أمي المتوتّر وهي تقول لي «ادخلي غرفتكِ يا لينا»، وظلّ ثلاثة رجالٍ ونساءٍ جالسين حول طاولة الطعام في صمتٍ ثقيل. لم أفهم يومها لماذا لم تبتسم أمي لهم، هي التي كانت تبتسم حتى لبائع الغاز.
— وما علاقتي أنا بخطّتك؟ لماذا تحتاج إلى زواج؟
— لأنّ الخائف من الحقيقة يرتاح للعشّاق، — قال بهدوء. — حين يرون امرأةً سعيدة بين ذراعي رجلٍ ثريّ، لن يشعروا بأنها تهديد. سيفتحون لنا أبوابهم. سيدعوننا إلى موائدهم. وحين يحاولون اختبار كذبتنا، وسيحاولون، فإنهم يكشفون عن أنفسهم شيئًا لا يقصدون كشفه.
— وماذا عن الطفولة؟
— لأنّ الطفولة هي الليلة التي كنتِ فيها هناك. سيريدون أن يعرفوا كم تذكرين، وكم يعرف الرجل الذي بجانبكِ. وسيسألون أسئلةً صغيرة عن زمنٍ لم نعشه معًا. وإن أجبنا إجابةً صحيحة، فسيشكّون بأنّكِ تذكرين أكثر مما ينبغي. وإن أخطأنا، فسيعرفون أنّ شيئًا ما يُدبَّر.
— إذن أنا طُعم؟
لم ينفِ. هذا ما أخافني أكثر من أيّ كلمة.
— أنتِ مفتاح. والمفاتيح لا تعرف أبوابها دائمًا.
وقفتُ مرةً أخرى، وقد تحوّل الخوف في داخلي إلى شيءٍ أقرب إلى الغضب البارد.
— سأوقّع على مضض، لأنّ أخي لا يملك ترف الانتظار. لكن لي شرطي الخاص: كلّ ما تعرفه عن أمي تقوله لي. كل خيط، كل ورقة، كل اسم. بلا حذف ولا تجميل.
نظر إليّ طويلًا، ثم أومأ.
— لكِ ما تريدين.
ثم أضاف وهو يغلق ملفًّا أمامه، كأنه يختم الحديث بقفلٍ صغير:
— لكن هناك قاعدةٌ واحدة لا مساومة فيها: لا تثقي بأحدٍ من الثلاثة، مهما بدا لطيفًا. ولا بي أنا أيضًا، قبل أن تعرفي كل شيء.
لم أفهم لماذا يحذّرني منه وهو الذي اشتراني للتوّ.
كان ردّه سريعًا أكثر من اللازم، وأنا أعمل في الحسابات منذ أربع سنوات، وأعرف أنّ الصفقة التي تُقبل بلا مساومة تخفي رقمًا لم يُقل بعد.
* * *
أخذتني سوزان إلى فيلّته في المساء، بسيارةٍ سوداء تنزلق على الطريق كأنها تسير على زبدة. كانت الفيلّا على أطراف المدينة، في حيٍّ هادئ تحيطه أشجارٌ عالية، بسورٍ أبيض يفوق طول رجلين. أعطتني غرفةً بحجم شقتي كلها، وسريرًا لم أرَ مثله إلا في الإعلانات.
وبعد العشاء، أرسل يزن في طلبي إلى المكتبة الصغيرة في الطابق الأول.
وجدته جالسًا إلى طاولةٍ، وأمامه ألبومٌ جلديّ ضخم. دفعه نحوي دون أن ينطق.
فتحتُه.
صور. عشرات الصور لي وله ونحن أطفال: أنا في الخامسة أضحك على كتفيه، أنا في الثامنة أمسك بيده في حديقة، وجهانا ملطّخان بالآيس كريم. كانت متقنة بشكلٍ مخيف، تحريرٌ محترف لا يُكشف.
— هذا كل ما سيرونه، — قال. — تعلّمي كل صورة، كل ذكرى، كل تفصيلة. أمامنا ثلاثة أيام قبل أن نزور عمّكِ سالم.
قلّبتُ الصفحات بملل، وأنا أحاول ألّا أنظر إلى وجه الطفل المفتعل الذي يشبهه. ثم توقّفتُ عند صورةٍ في آخر الألبوم.
صورةٌ قديمة الحواف، بالأبيض والأسود، لطفلةٍ في التاسعة تقف أمام بناية شبرا القديمة، تمسك قطّةً سوداء، وعلى وجهها ابتسامةٌ لا تشبه شيئًا مما في الصور الأخرى. هذه الصورة لم تُصنع في برنامج. كنتُ أذكر اليوم الذي التُقطت فيه. أذكر أنّ مصوّرًا ما كان يقف على الرصيف المقابل.
— من أين جئتَ بهذه؟
لم يُجب فورًا. حكّ جبينه بإصبعين، وقال بصوتٍ خفيض:
— لم أخترعها. أنا من التقطها.
لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق
كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي
وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا
وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.
قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن







