LOGINلم أتكلّم طوال الطريق.
كان يزن يقود بنفسه هذه المرة، ويداه على المقود، وعيناه على الطريق المظلم. وفي جيبي كانت الورقة التي دسّها عمّ سالم تحرق فخذي كأنها قطعة جمر. لم أجرؤ على إخراجها. كنتُ أعرف أنّ هذا الرجل يلاحظ كل شيء.
— ماذا قال لكِ في المطبخ؟
— لا شيء. — حاولتُ أن أبدو متعبة بدل أن أبدو كاذبة. — سألني إن كنتُ أحبّك.
— وماذا أجبتِ؟
— أنّ هذا شأنٌ لا يخصّه.
ضحك ضحكةً قصيرة، لكنني رأيتُ فكّه يتصلّب. لم يصدّقني.
— لقد قال شيئًا عن أبي، أليس كذلك؟
أدرتُ رأسي نحوه بحدّة. كان المصباح الأمامي لسيارةٍ مقبلة يضيء ملامحه للحظة، ثم يعيدها إلى الظلام.
— وكيف عرفتَ؟
— لأنني رأيتُ وجهه حين دخلتُ المطبخ. — ركن السيارة أمام الفيلّا وأطفأ المحرّك. — تعالي. حان وقت أن أفي بوعدي.
* * *
في مكتبته، أشعل مصباحًا صغيرًا وفتح درجًا سفليًّا بمفتاحٍ ربطه في سلسلة ساعته. أخرج ظرفًا أصفر بحجم الكفّ، وضعه على الطاولة بيننا بهدوءٍ كمن يضع جثّةً صغيرة.
— أبي هو هاشم القاسمي. كان رجل أعمالٍ كبيرًا، وهو الذي أسّس كل ما تراه حولكِ. مات قبل سنتين بسكتةٍ قلبية. وقبل موته بأسبوع كتب لي هذه الرسالة.
فتحتُ الظرف. كان الخطّ مرتجفًا مائلًا:
«يا يزن، إن قرأتَ هذه الكلمات فأنا لم أعد في الدنيا. لا تبحث عن هدى الشامي بين الأحياء ولا بين الأموات، فلن تجدها حيث تظنّ. ثلاثةٌ فقط يعرفون ما جرى تلك الليلة: سالم ونادين وعصام. وليس الذنب ذنبي وحدي. سامحني».
قرأتُها ثلاث مرات. كانت الحروف تتراقص أمام عينيّ.
— أمي كانت تعمل عند أبيك، — قلتُ بصوتٍ لا أعرفه. — كانت محاسبةً في شركته، قبل أن تختفي. كنتُ أعرف هذا، لكنّني لم أعرف أنّه...
— لم أكن أعرف أنا أيضًا حتى قرأتُ هذه الرسالة. — جلس على الكرسيّ وقد بدا فجأةً أكبر بعشر سنين. — طوال حياتي كان أبي أعظم رجلٍ أعرفه. وبعد موته اكتشفتُ أنني لا أعرفه أبدًا.
— وجئتَ بي لأنّك تريد أن تنقذه؟
— لا. — ارتفع صوته قليلًا لأول مرة. — جئتُ بكِ لأنني أريد أن أعرف. حتى لو كان القاتل أبي. حتى لو كان العار علينا جميعًا.
— وماذا لو كانت أمي ميّتة؟ ماذا لو أوصلتني حقيقتكَ إلى قبر؟
لم يُجب. وفي سكوته كان الجواب.
شعرتُ بالغرفة تضيق حولي. خمس عشرة سنة وأنا أصلّي كل ليلة أن تكون أمي في مكانٍ ما، تعمل في مدينةٍ بعيدة وتخجل أن تعود. لم أكن أريد أن أسمع، من رجلٍ يملك نصف المدينة، أنّ تلك الصلاة قد لا تكون سوى وهمٍ لطيف صنعتُه لأتحمّل.
وقفتُ وأنا أضغط الرسالة في كفّي.
— كان عليك أن تقول لي هذا من اللحظة الأولى. وضعتَني في مواجهة ثلاثة أشخاص دون أن أعرف شيئًا.
— لو أخبرتُكِ لما وافقتِ.
— ربما. لكنّ هذا قراري، لا قرارك.
نظر إليّ نظرةً لم أفهمها، ثم قام وفتح جهاز تسجيلٍ قديمًا على الرفّ. لم أعرف ما الذي يفعله حتى ارتفع من السمّاعات لحنٌ بسيط، حزين، يتسلّل إلى الصدر كما يتسلّل البرد من تحت الباب.
توقّفتُ.
كانت الأغنية التي دندنتها أمي كل مساء وهي تغسل الأطباق. لم يكن أحدٌ في الدنيا يعرفها، لأنها لم تُسجَّل في أسطوانةٍ ولا إذاعة، بل كانت أغنيةً من تأليفها وحدها.
— من أين... — لم أستطع إكمال الجملة.
— وجدتُ شريطًا في أغراض أبي. عليه صوتها.
انفجرتُ بالبكاء. لم أُرد، لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي. جلستُ على الأرض أمام جهاز التسجيل، وأنا أسمع صوت امرأةٍ اختفت منذ خمسة عشر عامًا تغنّي لحنًا في المطبخ، وتضحك في آخره ضحكةً صغيرة: «يا ستّ لينا... حان وقت النوم».
انحنى يزن إلى جواري وأعطاني منديلًا. ولم أنتبه إلا بعد دقائق أنه كان يراقبني بدقّةٍ لا تليق بمن يواسي. كان ينظر في وجهي كمن يقيس شيئًا، ثم أطرق وقال بصوتٍ خافت:
— كنتُ أحتاج أن أتأكد.
— من ماذا؟
— من أنكِ ابنتها حقًّا. وأنّكِ لم ترسَلي إليّ من أحد.
رفعتُ رأسي إليه، ولم أعرف إن كنتُ سأصفعه أم أبكي أكثر.
* * *
في تلك الليلة لم أستطع النوم. أخرجتُ ورقة عمّ سالم من جيب سترتي، وفتحتُها تحت ضوء الشاشة. كانت كلمتين فقط: «الخميس. السادسة. مقهى الأنوار».
قرّرتُ ألّا أخبر يزن. فإنْ كان يختبرني، فسأختبره.
وحين نزلتُ إلى المطبخ بحثًا عن كوب ماء، سمعتُ صوته من وراء باب المكتبة المغلق. كان يتحدّث في الهاتف بنبرةٍ منخفضة:
— نعم يا عصام. لم يكتشفا شيئًا. كل شيء يسير كما خطّطنا.
تسمّرتُ مكاني.
عصام. عصام بركات. الشاهد الثالث.
اتّكأتُ على الجدار كي لا أسقط، وأنا أفكّر: أيّ الرجلين أكذب؟ الذي بكى مع شريط أمي، أم الذي يطمئن الشاهد بأنّ كل شيءٍ يسير كما خُطِّط له؟ وهل يمكن أن يكون الرجل نفسه كلاهما؟
لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق
كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي
وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا
وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.
قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن







