LOGINالفصل السابع والثلاثون: المؤسس
ساد الظلام. ظلام كامل. حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي. لكن رغم ذلك... كنت أرى عيني المؤسس. تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد. كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها. شعرت بقشعريرة عنيفة. أما القصر كله فكان يرتجف. ليس بسبب الانهيار. بل بسبب الخوف. نعم. كنت أشعر بذلك بوضوح الآن. بعد أن أصبحت الوريثة. أستطيع سماع مشاعر القصر. وسماع همسات الذكريات داخله. والقصر كان خائفًا. خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا. وفجأة... عاد الضوء. لكن بصورة ضعيفة. كأن القصر يقاوم بصعوبة. ظهرت الوجوه من جديد. آدم. كاسر. يونس. ليان الأولى. الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس. أما هو فبقي هادئًا. هادئًا بصورة مرعبة. قال آدم ببرود: "من أنت؟" ابتسم المؤسس. ثم أجاب: "سؤال غريب." نظر إلى الباب العملاق خلفه. وأضاف: "أنا أول من سمع نبض هذا القلب." ثم وضع يده على صدره. "وأول من حمل ذكرياته." تجمدت أنفاسي. إذن هو بالفعل أول وريث. أول حارس. أول من ارتبط بالقصر. لكن لماذا سُجن؟ ولماذا يخافه الجميع؟ كأن المؤسس قرأ أفكاري. فالتفت نحوي. وقال: "لأن التاريخ يكتبه الناجون." ساد الصمت. أما يونس فصرخ فجأة: "كفى كذبًا!" التفت المؤسس إليه. وبقي ينظر إليه طويلًا. ثم ابتسم. وقال: "ما زلت حيًا إذًا." شحب وجه يونس. أما المؤسس فأكمل: "آخر الأمناء." شعرت بالحيرة. لكن قبل أن أسأل... اقترب المؤسس خطوة. فاهتزت القاعة كلها. ثم قال: "أخبرهم الحقيقة يا يونس." ساد الصمت. أما يونس فخفض رأسه. ولأول مرة رأيته عاجزًا. مترددًا. خائفًا. قال آدم بحدة: "أي حقيقة؟" رفع يونس رأسه ببطء. وكان وجهه شاحبًا. ثم قال: "المؤسس لم يُسجن لأنه شرير." تجمد الجميع. أما كاسر فقال فورًا: "ماذا؟" لكن يونس أكمل: "بل لأنه حاول تدمير القلب." شعرت بأنفاسي تتوقف. أما المؤسس فابتسم. وكأنه راضٍ عن الإجابة. قلت بسرعة: "لماذا؟" نظر المؤسس إلي مباشرة. ثم قال: "لأنني اكتشفت الحقيقة." ساد الصمت. أما هو فأكمل: "القصر ليس نعمة." ثم نظر إلى الجدران. إلى الذكريات. إلى الأرواح. وأضاف: "إنه سجن." شعرت بقشعريرة. لأننا سمعنا هذه الكلمة من قبل. سجن. لكن لمن؟ قال المؤسس: "كل ذكرى تُحفظ هنا." "كل روح تبقى هنا." "كل قصة تُحبس هنا." ثم رفع رأسه. "لا أحد يرحل حقًا." ساد الصمت. أما ليان الأولى فهزت رأسها. وقالت: "هذا ليس صحيحًا." نظر إليها المؤسس. ولأول مرة اختفت ابتسامته. وقال: "أحقًا؟" ثم رفع يده. وفجأة... ظهرت آلاف الأرواح في الهواء. وجوه لا حصر لها. رجال. نساء. أطفال. مئات السنين من البشر. ثم قال: "اسأليهم." شعرت بالخوف. أما الأرواح فكانت تنظر إلينا بصمت. حزن عميق في عيونها. وحدة. وانتظار. قال المؤسس: "هم لا يعيشون." "ولا يموتون." ثم فتح ذراعيه. "إنهم عالقون." ساد الصمت. أما أنا فشعرت بالارتباك. لأن جزءًا مني كان يشعر أن كلامه صحيح. لكن جزءًا آخر كان يرفض تصديقه. وفجأة... سمعت همسات. همسات تأتي من الأرواح نفسها. كانت تصل إلى عقلي مباشرة. بعد أن أصبحت الوريثة. أستطيع سماعهم. وسمعت شيئًا مرعبًا. لم يكونوا يصرخون طلبًا للبقاء. بل طلبًا للرحيل. شعرت بأنفاسي تختنق. أما المؤسس فلاحظ الصدمة على وجهي. وقال بهدوء: "الآن فهمتِ." نظرت إليه. أما هو فأكمل: "لقد جعلوكِ حارسة لسجن." "وليس حارسة لذاكرة." ساد الصمت. أما آدم فاقترب مني. وقال: "لا تستمعي إليه." لكن المؤسس ضحك. ثم نظر إلى آدم. وقال: "وأنت؟" اقترب خطوة. "هل أخبروك لماذا اختاروك أنت وأجدادك؟" تجمد آدم. أما المؤسس فأكمل: "لأنكم الوحيدون القادرون على التضحية بحياتكم من أجل هذا السجن." ارتجف الهواء. أما الساعة العملاقة... فأطلقت دقة جديدة. دووووم... ثم ظهر فوقها رقم جديد. 2 شحب وجه يونس. أما المؤسس فابتسم. وقال: "لقد بدأت المرحلة الثانية." شعرت بالخوف يعود بقوة. لكن قبل أن يتكلم أحد... بدأت الأرض تحت أقدامنا تنشق. وخرج من الشق نور أبيض قوي. ثم ظهر شيء لم يتوقعه أحد. شخص. فتاة. شابة. بشعر أسود طويل. وعينين تشبهان عينيّ تمامًا. تجمدت في مكاني. أما المؤسس... فلأول مرة منذ ظهوره. اختفت ابتسامته. وقال بصدمة حقيقية: "مستحيل..." نهاية الفصل السابع والثلاثين.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.