LOGINالفصل الثاني والثلاثون: بين ألف حياة
77... 76... 75... كانت الأرقام تنخفض. لكنني لم أعد أرى الساعة. ولم أعد أرى القاعة. ولا آدم. ولا القصر. ولا أي شيء أعرفه. كنت أغرق داخل بحر لا نهاية له من الضوء. ضوء أبيض. دافئ. هادئ. لكنه يحمل داخله ملايين الأصوات. أصوات بشر. ضحكات أطفال. همسات عشاق. بكاء أمهات. أحلام. وذكريات. وحيوات كاملة. شعرت أن رأسي سينفجر. ثم بدأت الصور تتدفق أمام عيني بسرعة. رجل يزرع شجرة صغيرة في حديقة القصر قبل ثلاثمئة عام. فتاة تعزف البيانو قرب النافذة في ليلة شتوية. طفل يركض بين الممرات وهو يضحك. امرأة عجوز تجلس وحدها تبكي رسالة لم تصل أبدًا. كلهم هناك. كلهم داخل الضوء. كلهم داخل القلب. وفجأة... سمعت صوت الطفل. لكنه لم يعد يبدو كصوت طفل. بل كصوت قديم. عميق. هادئ. قال: "هذه هي الذكريات التي أحميها." شعرت بالدوار. قلت بصعوبة: "إنها كثيرة..." أجاب: "لهذا السبب كنت أضعف." ثم ظهرت صورة جديدة. رأيت القصر يوم بنائه. كان جميلًا. مشرقًا. مليئًا بالحياة. لا وجود للظلام. ولا للعنات. ولا للألم. فقط أناس يعيشون. ويحبون. ويحلمون. ثم رأيت شيئًا آخر. شيئًا لم أره من قبل. شابًا يقف في وسط الحديقة البيضاء. وكان يشبه آدم. لكن ليس تمامًا. قلت بدهشة: "من هذا؟" ساد الصمت للحظة. ثم أجاب الصوت: "الأول." شعرت بالحيرة. أما الصور فتابعت التدفق. ورأيت الشاب نفسه. كان أول حارس للقصر. أول من ارتبط بالقلب. وأول من تعهد بحماية الذكريات. ثم رأيت السنوات تمر. قرنًا بعد قرن. جيلًا بعد جيل. حتى ظهر آدم. ورأيت حياته كلها. رأيته قبل اللعنة. قبل الحزن. قبل أن تتجمد روحه. كان مختلفًا. كان يضحك. ويحلم. ويحب. ورأيت ليان الأولى. ورأيت كيف التقيا. وكيف أحبا بعضهما. وكيف أصبحا كل شيء لبعضهما. ثم... وصلت إلى تلك الليلة. ليلة الكارثة. شعرت بأنفاسي تتوقف. لأنني سأرى الحقيقة كاملة أخيرًا. رأيت ليان الأولى تبكي. ورأيت آدم خائفًا. ورأيت الظلام يقترب منهما. رأيته يهمس لهما. يغريهما. يوهمهما بأنه يستطيع هزيمة الموت. ثم رأيت شيئًا لم يخبرنا به أحد. شيئًا صادمًا. لم يكن آدم وحده من فتح الباب. ولم تكن ليان وحدها. بل فتحاه معًا. في اللحظة نفسها. بالحب نفسه. وبالخوف نفسه. شعرت بالحزن يعتصر قلبي. لأن المأساة لم تبدأ بسبب الشر. بل بسبب الحب. الحب الخائف من الفقدان. ثم انفجرت الصور. وتدفقت ذكريات أخرى. أسرع. وأقوى. حتى شعرت أنني أضيع داخلها. قلت بصوت مرتجف: "توقف..." لكن الذكريات لم تتوقف. بدأت أنسى. أنسى اسمي. أنسى حياتي. أنسى من أكون. ورأيت أسماء لا أعرفها تدخل رأسي. ووجوهًا لا أعرفها. وحيوات ليست حياتي. صرخت: "كفى!" وفجأة... ظهر أمامي آدم. تجمدت. كان يقف وسط الضوء. هادئًا. وينظر إلي. ركضت نحوه فورًا. لكن عندما اقتربت... اختفى. شعرت بالرعب. ثم ظهر من جديد بعيدًا. قال صوته: "تذكري." ركضت نحوه مرة أخرى. لكن الصور كانت تبتلعني. والذكريات كانت تسحبني بعيدًا. حتى بدأت أنسى ملامحه. لا... شعرت بالخوف الحقيقي لأول مرة. هذا هو الثمن. ليس الموت. بل النسيان. بدأت ملامح آدم تتلاشى من ذاكرتي. صوته. ابتسامته. عيناه. كل شيء. صرخت بألم: "لا!" لكن الذكريات كانت أقوى. أقوى من عقلي. وأقوى من قلبي. وفجأة... سمعت صوته من جديد. واضحًا هذه المرة. قويًا. قال: "قاتلي لتبقي ليان." تجمدت. كانت الجملة التي قالها قبل أن أمسك يد الطفل. الجملة الأخيرة. الوعد الأخير. شعرت بشيء يشتعل داخل صدري. شيئًا صغيرًا. لكنه قوي. ذكرى. ذكرى آدم. تمسكت بها بكل قوتي. كما يتمسك الغريق بآخر أنفاسه. ثم همست: "لن أنساك." وفي اللحظة نفسها... انفجر الضوء من حولي. وتوقفت الذكريات عن مهاجمتي. وساد الصمت. ثم ظهر أمامي باب أبيض عملاق. باب لم يكن موجودًا قبل لحظة. وعليه نقش واحد فقط. نقش قديم. مكتوب بلغة غريبة. لكنني فهمته بطريقة ما. كانت كلمة واحدة: "الوريثة." ثم بدأ الباب ينفتح ببطء... وخلفه كان ينتظر شيء سيغير مصيري إلى الأبد. نهاية الفصل الثاني والثلاثين.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.







