LOGINالفصل الحادي والثلاثون: وريثة القلب
89... 88... تك... تك... تك... كان صوت الساعة العملاقة يضرب أعصابنا بقسوة. ومع كل ثانية تمر، كانت القاعة تهتز أكثر. أما الظلام الذي عاد للظهور فكان ينتشر بسرعة. الدخان الأسود يخرج من الشقوق. ويتجمع حول الرجل ذي الشعر الأبيض. لكن هذه المرة لم يعد يشبه إنسانًا بالكامل. كانت ظلال سوداء تتحرك داخل جسده. وكأن آلاف الأرواح الغاضبة محبوسة فيه. ابتسم وهو ينظر نحوي. وقال: "اختاري بسرعة يا ليان." ثم ضحك. "ففي كلتا الحالتين... سأنتصر." شعرت بالغضب لأول مرة. غضبًا حقيقيًا. بعد كل ما حدث. بعد كل من تألم. ما زال يعتقد أنه يستطيع التحكم بمصائرنا. أما الطفل المضيء فكان يضعف أكثر. وأجزاء من جسده بدأت تتحول إلى ذرات نور. قال بصوت خافت: "لم يبق وقت..." 87... 86... تقدمت خطوة. ثم نظرت إلى آدم. كانت عيناه مثبتتين علي. وفيهما خوف لم أره من قبل. قال بصوت مكسور: "لا تفعليها." ابتسمت بحزن. "إذا لم أفعلها..." نظرت حولي. إلى القصر. إلى الأرواح. إلى ليان الأولى. ثم أكملت: "سينتهي كل شيء." هز رأسه بعنف. "سنجد طريقة أخرى." لكنني كنت أعرف الحقيقة. لا توجد طريقة أخرى. الساعة كانت تحسب الثواني. والقلب كان يحتضر. والظلام يعود أقوى من السابق. 85... 84... اقتربت من الطفل. فرفع رأسه نحوي. وكان الضوء في عينيه يضعف شيئًا فشيئًا. قلت بهدوء: "إذا قبلت..." ابتلعت ريقي. "ماذا سيحدث؟" ساد الصمت. ثم أجاب: "ستصبحين القلب الجديد." شعرت بأنفاسي تختنق. أما هو فأكمل: "ستحملين ذكريات القصر." "وستحمين من يعيش داخله." "وستصبحين جزءًا منه." نظرت إلى يدي. ثم سألته: "وهل سأبقى أنا؟" هنا... صمت الطفل. وكان ذلك الجواب الأكثر رعبًا. أما آدم فأغلق عينيه بألم. لأنه فهم ما فهمته أنا. لن أموت. لكنني لن أعود كما كنت. 83... 82... فجأة تقدم الرجل ذو الشعر الأبيض. وكان الظلام يتحرك خلفه كأجنحة عملاقة. وقال بابتسامة: "أرأيتِ؟" ثم نشر ذراعيه. "دائمًا هناك ثمن." لكنني لم أنظر إليه. بل نظرت إلى آدم. إلى الرجل الذي بدأ كل شيء بخطئه. ثم حاول إصلاحه طوال قرن كامل. الرجل الذي علمني أن بعض القلوب تتجمد من الألم. لكنها لا تتوقف عن الحب. اقتربت منه. وكانت الدموع تلمع في عينيه. قلت بصوت خافت: "هل تعلم ما أكثر شيء أخافه؟" هز رأسه بصمت. فابتسمت. ثم قلت: "أن أنساك." ارتجف جسده. أما أنا فتابعت: "ليس الموت." "ولا القصر." "ولا المجهول." ثم وضعت يدي فوق قلبه. "بل أن يأتي يوم لا أتذكر فيه لماذا أحببتك." انهمرت دمعة من عينه. أما أنا فشعرت بدموعي تنزل أيضًا. لكنني كنت هادئة. غريبة الهدوء. وكأن القرار اتخذ بالفعل داخل قلبي. 81... 80... وفجأة... أمسك آدم يدي. بقوة. ثم جذبني نحوه. وعانقني. عناقًا طويلًا. صامتًا. لم نحتج للكلمات. لأن الكلمات لم تعد تكفي. كانت تلك اللحظة وحدها تقول كل شيء. الخوف. والحب. والوداع. ثم ابتعد ببطء. ونظر إلى عيني مباشرة. وقال: "إذا كان لا بد من هذا..." توقف صوته للحظة. "...فأعديني بشيء واحد." قلت بهدوء: "ما هو؟" ابتسم ابتسامة حزينة. ثم قال: "قاتلي لتبقي ليان." شعرت بأن قلبي ينكسر. لكنني أومأت. 79... 78... بدأ الضوء يختفي من جسد الطفل بسرعة. أما الرجل ذو الشعر الأبيض فصرخ بغضب: "كفى!" واندفع الظلام نحونا كإعصار هائل. صرخ يونس. وركض كاسر نحوه. لكن قوة الظلام كانت أكبر من الجميع. وفي تلك اللحظة... مد الطفل يده نحوي. وقال: "الآن." نظرت إلى يده. ثم إلى آدم. ثم إلى القلب. وأخيرًا... اتخذت قراري. رفعت يدي. وأمسكت يد الطفل. وفي اللحظة التي تلامست فيها أيدينا... انفجر نور أبيض هائل داخل القاعة. نور أقوى من الشمس. وأقوى من الظلام. حتى أن الجميع اضطروا لإغلاق أعينهم. أما أنا... فشعرت بشيء يدخل إلى أعماقي. شيء قديم. شيء جميل. شيء يحمل ملايين الذكريات. ومع آخر ما رأيته قبل أن يبتلعني الضوء... كان الرقم على الساعة يتغير إلى: 77 ثم اختفى كل شيء. نهاية الفصل الحادي والثلاثين.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.