LOGINبعد دقائق، انتهى منير من مساعدة سي الطيب، ثم عاد إلى ليلى التي كانت تقف قرب أحد الأعمدة الرخامية، تتأمل انعكاس الضوء على النوافذ. كانت لوزة قد انتقلت من كتفها إلى أعلى ذراعها، فرفعتها ليلى برفق وأعادتها إلى مكانها.اقترب منير ووقف إلى جوارها، ثم سألها: "هل أنتِ مستعدة للدخول؟"التفتت إليه بحماس وأجابته: "نعم! هل سأرى أميرة الآن؟""آدم اصطحب الجدة إليها، وأعتقد أنه سيعود ليأخذنا بعد قليل."ابتسمت ليلى، ثم خطت نحو الباب الكبير، لكنها توقفت حين شعرت بيد منير تمسك بذراعها برفق. استدارت إليه باستغراب، فاقترب منها قليلًا وخفض صوته حتى لا يسمعه سي الطيب أو أحد العاملين القريبين."ليلى، اسمعيني جيدًا."اختفت ابتسامتها العابثة تدريجيًا حين لاحظت جدية ملامحه. "ماذا؟"نظر إلى عينيها مباشرة، ثم همس: "لا تبتعدي عن نظري."رمشت بدهشة وسألته: "لماذا؟"تردد للحظة، وكأنه يبحث عن إجابة لا تكشف أكثر مما ينبغي، ثم قال: "لأنكِ لا تفكرين قبل أن تتحركي، ولأنني لا أريد أن أبحث عنكِ في قصر لا تعرفين فيه أحدًا."قطبت حاجبيها باعتراض. "أنا لست طفلة يا منير.""أعرف."قالها بهدوء، وكانت نبرته أصدق مما توقعت، ثم
كانت بوابات قصر السالم ترتفع شامخة خلف صفين من الأشجار المشذبة، بينما انعكست أشعة الشمس على واجهته الرخامية ونوافذه الواسعة. توقفت سيارة منير أمام المدخل الرئيسي، وما إن انفتحت البوابة الإلكترونية حتى تقدمت السيارة عبر الممر الطويل، محاطة بحدائق واسعة ونوافير تتلألأ تحت الضوء.في المقعد الخلفي، كانت ليلى تحدق في القصر بانبهار، وقد نسيت للحظات كل شيء حولها، أما لوزة، حرباؤها الخضراء، فكانت مستقرة على كتفها، تحرك رأسها الصغير يمينًا ويسارًا، وكأنها تشاركها اكتشاف المكان. "يا إلهي!" تمتمت ليلى وهي تتأمل الواجهة الرخامية. "هل يعيش الناس هنا فعلًا، أم أنني دخلت بالخطأ إلى فيلم؟"سمعها منير، لكنه اكتفى بابتسامة جانبية وهو يوقف السيارة أمام الدرج الرخامي، ثم التفت إليها قائلًا: "إذا واصلتِ فتح فمك هكذا، فستدخل ذبابة إلى حلقك."أغلقت ليلى فمها فورًا، ثم التفتت إليه بغيظ. "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع اللحظات الجميلة!" رد منير بلا اكتراث: "وأنتِ لا تعرفين كيف تصمتين في أي لحظة.""منير!""وصلنا."أطفأ المحرك وترجل من السيارة، ثم دار حولها ليساعد سي الطيب على النزول، وفي اللحظة نفسها، ظهر آدم عند ا
في تلك الأثناء كانت ليلى قد وصلت إلى منزلها ودخلت غرفتها مسرعة. فتحت خزانة ملابسها واختارت فستانا أزرق ارتدته مرة واحدة يوم العيد، ثم رتبت ثيابها داخل حقيبة صغيرة مع بعض أغراضها الشخصية، ثم ظفرت شعرها الطويل وزينته بزهور الياسمين البيضاء وحين انتهت التفتت نحو لوزة حرباءها الخضراء التي كانت تستقر فوق غصنها قرب النافذة، واقتربت منها ومدت إصبعها: "تعالي يا لوزة، لدينا رحلة إلى القصر!" صعدت الحرباء إلى إصبعها ببطء، فوضعتها ليلى فوق كتفها وحملت حقيبتها قبل أن تغادر الغرفة، وما إن وصلت إلى غرفة والدها حتى وجدته جالسًا على طرف السرير ينظر إليها باستغراب.سألها سي الطيب: "إلى أين تذهبين بكل هذه الأغراض يا ليلى؟"اقتربت منه وأمسكت بيده بابتسامة مشرقة: "أبي، سنذهب في رحلة!" رفع سي الطيب حاجبيه: "رحلة؟ إلى أين؟" أجابته بحماس: "إلى قصر عائلة السالم. الجدة خديجة ستذهب لرؤية ريم، وأنا سأذهب معها." ظل ينظر إليها طويلًا ثم سأل السؤال الأهم: "وهل سأذهب أنا أيضًا؟" انحنت ليلى وقبلت جبينه: "بالطبع! لن أتركك وحدك." ضحك سي الطيب وهز رأسه باستسلام: "كنت أعلم أن يومي لن ينتهي بهدوء ما دمتِ في المنزل."
وصل منير إلى منزل خديجة، فأوقف سيارته الجيب السوداء أمام البوابة، ثم ترجل منها واتجه نحو الباب الخشبي القديم. طرقه مرتين، وما إن فتحته العجوز حتى استقبلته بابتسامة دافئة وأفسحت له الطريق للدخول. "أهلًا بك يا بني، تفضل. لم أتوقع زيارتك بهذه السرعة." دخل منير وجلس في غرفة الجلوس المتواضعة، بينما ذهبت خديجة لإحضار الشاي. وحين عادت وضعت الصينية على الطاولة وجلست قبالته، تتأمل ملامحه الجادة وكأنها تحاول تخمين سبب زيارته قبل أن ينطق بكلمة واحدة.قال منير بهدوء: "جئت لأتحدث معك بشأن أميرة." تبدلت ملامح خديجة فورًا، وتوقفت يدها في منتصف الطريق وهي ترفع كوبها، قبل أن تضعه على الطاولة وتسأله بقلق واضح: "هل حدث لها شيء؟" "لا، إنها بخير. لكنها تشتاق إليك كثيرًا وتريد رؤيتك. طلب مني آدم أن أحضرك إلى القصر، حتى تتمكني من البقاء بالقرب منها إن رغبتِ في ذلك." ساد الصمت للحظات، وأخذت العجوز تعبث بأطراف شالها غارقة في أفكارها، قبل أن ترفع عينيها إليه وقد امتلأتا بالحنين."أميرة…" همست، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرتجفة. "لا أصدق أنها أصبحت تعيش مع عائلتها الحقيقية. ما زلت أتذكر يوم وجدتها قرب
في قصر السالم، كان الصباح أكثر هدوءًا مما اعتادته العائلة خلال الأيام الماضية.استلقت أميرة على السرير الكبير في جناح والديها، محاطة بوسائد ناعمة ورائحة خفيفة تشبه العطر الذي احتفظت به أمها في ذاكرتها دون أن تعرف مصدره. كان الجناح واسعًا وأنيقًا، لكن وجودها فيه لم يمنحها الراحة الكاملة التي توقعها الجميع.مررت أصابعها على طرف الغطاء، ثم نظرت إلى الصور الموضوعة فوق الطاولة القريبة. كانت هناك صورة لوالديها، عمر وتاليا، يبتسمان للكاميرا، وبينهما طفلة صغيرة ذات عينين زرقاوين وشعر أسود حلزوني متطاير.كانت تلك الطفلة هي نفسها.لكنها لم تستطع تذكر اللحظة التي التُقطت فيها الصورة، ولا الصوت الذي ناداها باسمها حين كانت تضحك، ولا اليد التي حملتها بين ذراعيها بعد أن تعثرت.كل ما تعرفه الآن أن هذين الوجهين كانا والديها، وأن سنوات طويلة سُرقت منها قبل أن تعود إلى المكان الذي تنتمي إليه.أغمضت عينيها، وحاولت أن تتنفس بعمق.كانت تشتاق إلى خديجة.لم تكن تعرف كيف ستتمكن من التكيف مع حياتها الجديدة دون المرأة التي احتضنتها حين كانت طفلة تائهة، واعتنت بها حين لم تكن تعرف اسمها أو تتذكر ماضيها. أرادت ر
استيقظ منير على صوت الدجاج الذي بدا وكأنه قرر إعلان بداية النهار قبل شروق الشمس، وعلى صوت امرأة تتحدث في الخارج مع ليلى بنبرة مرتفعة لا تخلو من الضحك.فتح عينيه ببطء، ثم حدق في السقف الخشبي للحظات، محاولًا تذكر المكان الذي نام فيه، وما إن وقعت عيناه على البطانية الزهرية التي تغطيه حتى أغلقهما مجددًا."يا إلهي..."لم يكن مستعدًا لمواجهة ليلى وهي تكتشف أنه أمضى الليل تحت بطانيتها المفضلة، لكنه لم يجد وقتًا طويلًا للتفكير؛ فقد سمع طرقات خفيفة على الباب، أعقبها صوت سي الطيب. "هل استيقظت يا بني؟"اعتدل منير فورًا، وسحب البطانية عن كتفيه. "نعم، سي الطيب. تفضل."فتح الرجل الباب قليلًا، وظهر وجهه المبتسم. "صباح الخير. هل نمت جيدًا؟""نعم، شكرًا لك. لقد أتعبتكم باستضافتي."لوح سي الطيب بيده مستنكرًا. "أي تعب تتحدث عنه؟ أنت ضيفنا، والضيف لا يُترك في الطريق بسبب المطر. هيا، اغسل وجهك وتعال إلى المطبخ. الفطور جاهز."نهض منير وهو يقول: "أشكرك، لكنني سأغادر بعد قليل، ولا أريد أن أزعجكم أكثر."تغيرت ملامح الرجل قليلًا، ثم قال بلهجة حازمة رغم ابتسامته: "تغادر؟ بهذه السهولة؟ وهل تظن أنني سأسمح لك بالخ







