LOGINبعد نحو نصف ساعة، انتهى الجزء الأول من الاجتماع، وخرج بعض المديرين لتلقي مكالمات عاجلة، بينما انشغل آخرون بمراجعة الملفات التي وُزعت عليهم. أغلقت ياسمين حاسوبها مؤقتًا، ثم وقفت وهي تضغط على شفتيها لتخفي انزعاجها. كانت تحتاج إلى الذهاب إلى الحمام، كما أنها أرادت الابتعاد قليلًا عن أيوب وعن نظرته التي كانت تشعر بها حتى حين تتظاهر بأنها لا تراه. خرجت من القاعة بخطوات سريعة، وعبرت الممر حتى وصلت إلى الحمام. أغلقت الباب خلفها، ثم استندت إلى المغسلة وأخذت نفسًا عميقًا. كان وجهها يبدو أكثر شحوبًا تحت الضوء الأبيض، وقد بدأ الصداع الخفيف يزداد مع كل دقيقة. "يوم واحد فقط، يا ياسمين"، همست لنفسها وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة، ثم أضافت محاولة تشجيع نفسها: "أنهي يومكِ بسلام، وبعدها يمكنكِ النوم حتى الظهر إن أردتِ." حاولت الابتسام لنفسها، لكنها توقفت حين شعرت بانقباض خفيف آخر أسفل بطنها. عقدت حاجبيها، ثم دخلت إحدى الحجرات وأغلقت الباب، وبعد لحظات انتبهت إلى وجود بقعة دم صغيرة مرة أخرى. تجمدت في مكانها، وظلت تنظر إليها بتركيز، كأنها تنتظر أن يتغير ما تراه أمام عينيها. لم يكن النزيف
السادسة صباحًا رنّ المنبّه للمرة الثالثة قبل أن تتمكن ياسمين من فتح عينيها بصعوبة. مدّت يدها من تحت الغطاء، وتحسست هاتفها فوق المنضدة حتى عثرت عليه، ثم أوقفت صوته المزعج وأغمضت عينيها للحظات، متمنية لو أن بإمكانها النوم ساعتين إضافيتين على الأقل. كان جسدها ثقيلًا على نحو غير مألوف، وكأنها أمضت الليل كله في الركض بدلًا من الاستلقاء في سريرها، بينما أخذ صداع خفيف يتسلل خلف عينيها. تنهدت وهي تتقلب على جانبها، ثم ألقت نظرة على الساعة للمرة الأخيرة. السادسة تمامًا. "رائع... يوم جديد من التعذيب المنظم"، تمتمت بصوت أجش من أثر النعاس، قبل أن تسحب الغطاء عن جسدها وتجلس على حافة السرير. لم تنم سوى ساعات قليلة، ولم يكن نومها مريحًا على أي حال. ظلت تستيقظ بين حين وآخر، تارة بسبب الأفكار التي لم تكف عن مطاردتها، وتارة أخرى بسبب ذلك الألم الخفيف أسفل بطنها، الذي كانت تحاول تجاهله كلما ظهر. مررت يدها على وجهها، ثم نهضت ببطء واتجهت إلى الحمام، وبعد أن غسلت وجهها بالماء البارد، رفعت رأسها نحو المرآة وتأملت انعكاسها بملامح عابسة؛ بدت بشرتها أشحب قليلًا، وكانت الهالات الخفيفة تحت عينيها أكثر وض
أما أيوب، فكان في فيلته واقفًا إلى جوار سرير والدته، يتأكد للمرة الأخيرة من أنها تناولت دواءها كما ينبغي، وما إن اطمأن إلى أن لا لا رحمة قد استقرت تحت الغطاء وأغمضت عينيها استعدادًا للنوم، حتى انحنى وقبّل جبينها بحنان. "تصبحين على خير يا أمي. إذا احتجتِ إلى أي شيء، ناديني، فأنا في غرفتي"، قال لها بصوت دافئ، وهو يسحب الغطاء برفق فوق كتفيها. فتحت والدته عينيها نصف فتحة، وابتسمت له ابتسامة متعبة قبل أن تجيبه بصوت خافت: "وأنت من أهل الخير يا بني. لا تسهر طويلًا، لقد أصبحت تعمل أكثر مما ينبغي." ضحك أيوب بخفوت، ثم عدّل الغطاء حولها وأجابها مطمئنًا: "سأحاول، أعدكِ بذلك. أنتِ فقط ارتاحي ولا تشغلي بالك بي." انتظر لحظات أخرى حتى تأكد من أنها بدأت تغفو فعلًا، ثم أطفأ المصباح الرئيسي وأبقى الضوء الخافت إلى جوار سريرها مشتعلًا، قبل أن يغادر الغرفة بهدوء. كانت الفيلا غارقة في سكون الليل، ولم يكن يُسمع سوى صوت خطواته فوق الأرضية الرخامية وهو يعبر الممر الطويل متجهًا إلى غرفته، لكن هدوء المكان لم يكن كافيًا ليمنحه الراحة التي احتاج إليها طوال ذلك اليوم؛ فقد ظل مشهد ياسمين وهي تبتعد عنه بعين
كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا، ومع ذلك، لم تكن ياسمين قد فكرت حتى في إغلاق حاسوبها والخلود إلى النوم. جلست فوق سريرها، مستندةً إلى وسائد كبيرة، وقد ارتدت فستان نوم أسود بسيطًا ينسدل حول جسدها بأناقة هادئة. كانت خصلات شعرها القصير مبعثرة على عنقها، بينما انعكس ضوء الشاشة على ملامحها الجادة التي بدت أكثر إرهاقًا مما اعتادت أن تسمح لأحد بملاحظته. لم تكن الغرفة مضاءة سوى بأبجورة صغيرة فوق الطاولة الجانبية، تنشر ضوءًا أصفر خافتًا على الأثاث، وتترك بقية الزوايا غارقة في الظلال. وخلف النافذة، كان الليل ساكنًا، لا يقطعه سوى صوت الرياح الخفيف الذي يتسلل أحيانًا عبر الشقوق. على شاشة الحاسوب، امتدت صفحات من العقود القانونية المتعلقة بإحدى شركات العائلة. كانت ياسمين تراجع البنود بعناية، وتدوّن ملاحظاتها في ملف منفصل، ثم تعود إلى الصفحات السابقة للتحقق من بعض التفاصيل. عملها لم يكن يتطلب منها البقاء مستيقظة حتى هذه الساعة، لكنها لم تكن ترغب في النوم. فكلما أغلقت عينيها، عادت إليها تفاصيل ما حدث بينها وبين أيوب مؤخرًا. صوته حين تحدث معها عن ملابسها القصيرة، ونظراته التي جعلتها تشعر و
في وقت متأخر من الليل... كان القصر قد غرق في هدوء الليل، بعدما خفتت الأصوات في أروقته الواسعة، وانطفأت معظم الأضواء، ولم يبقَ مستيقظًا سوى عدد قليل من أفراد العائلة والعاملين الذين أنهوا مهامهم الأخيرة قبل التوجه إلى غرفهم. أما منير، فلم يكن النوم من بين خياراته تلك الليلة. فمنذ أن عادت ليلى إلى القصر برفقة آدم وأميرة والحاجة خديجة، بعدما رفضت ركوب سيارته واختارت المغادرة معهم دون أن تمنحه حتى فرصة لإقناعها، ظل الغضب يشتعل في صدره كلما تذكر عنادها، لم تعجبه طريقتها في تجاهله، ولم يرق له أن تختار سيارة أخرى بينما كان ينتظرها، لكنه، رغم انزعاجه، لم يستطع إنكار أنه اشتاق إليها بمجرد ابتعادها عنه. والآن، بعد مرور ساعات، لم يعد يريد سوى رؤيتها والتأكد من أنها نامت أخيرًا، بدلًا من أن تقضي الليل كله في اختراع طريقة جديدة لإثارة أعصابه. خرج من جناحه بهدوء، مرتديًا ملابس نوم داكنة، ثم اتجه نحو غرفة الضيوف التي اعتقد أنها لجأت إليها بعد عودتها. سار في الممر بخطوات هادئة، وعندما وصل إلى الباب، أدار المقبض ببطء ودفعه قليلًا، ثم أطل برأسه إلى الداخل. توقف. كانت الغرفة فارغة تمامًا. تأمل
"لا تضحك!" احتجت وهي تحاول تعديل غطاء رأسها، لكن حركتها لم تفعل سوى جعل الأذنين تتدليان فوق نظارتها، فتحولت محاولتها لاستعادة هيبتها إلى مشهد أكثر طرافة. اقترب جسور من الشاشة قليلًا، ثم قال بصوت متقطع من شدة الضحك: "أنتِ... أنتِ أخطر مما توقعت." عقدت جود حاجبيها وسألته بجدية: "لماذا؟ ماذا فعلت؟" أجابها وهو يمسح طرف عينه، محاولًا استعادة أنفاسه: "لا شيء. أنتِ فقط تحاولين أن تكوني غاضبة، لكنكِ تبدين كأرنب صغير يستعد لشن حرب على العالم." حدقت فيه جود بصدمة، ثم التقطت وسادة ورفعتها أمام الكاميرا كأنها سلاح حقيقي، وقالت بتهديد مرتبك: "سأ... سأرمي هذه الوسادة في وجهك!" رفع جسور يديه مستسلمًا، وقال: "أستسلم، أستسلم! لا داعي للعنف، يا أرنبي الصغير." اتسعت عيناها، ثم صاحت: "جسور!" وانفجرت ضحكًا قبل أن تتمكن من إكمال احتجاجها. لم يكن جسور يتذكر آخر مرة ضحك فيها بهذه الطريقة، ضحكًا متواصلًا جعل عضلات بطنه تؤلمه، واضطره إلى إسناد رأسه إلى الوسادة ليستعيد أنفاسه. لقد كان مستعدًا قبل دقائق للنوم في هدوء، لكنه وجد نفسه الآن يضحك بسبب فتاة ترتدي بيجامة أرنب، وتلوح بوسادة أمام الكاميرا، وتصر







